العنوان قضايا إسلامية: الاقتصاد في الفكر الإسلامي
الكاتب خالد شلتوت
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
مشاهدات 73
نشر في العدد 693
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
جاء في مختار الصحاح «القصد بين الإسراف والتقتير، يقال: فلان مقتصد في النفقة، واقصد في مشيك أي اعتدل فيه، والقصد العدل». فيقال: فلان مقتصد أي مقتر، وإذا قلنا لأحدهم: اقتصد فأننا نريد أن تقلل من إنفاقه، وتقابل في مفهومنا الحالي عكس كلمة مسرف، فالمسرف هو الذي ينفق أكثر من اللازم، بينما المقتصد من ينفق أقل من اللازم، وهذا من الأخطاء الشائعة كما قلت. أما المعنى الأصلي لها فكما مر سابقًا في مختار الصحاح وكما توضحه هذه الآية الكريمة: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر:32) فكلمة مقتصد هنا صفة بعض العباد الذين ليسوا ظالمي أنفسهم «قصروا في حق الله تعالى»، وليسوا من السابقين بالخيرات «الذين شكروا ربهم»، بل هم فئة متوسطة لم يقصروا ولم يسبقوا (1).
والتوسط في المصطلح الاقتصادي يعني عدم الإسراف وعدم التقتير فعندما أقول: فلان مقتصد؛ أعني أنه ليس بخيلًا ولا مبذرًا أو مسرفًا.
ويستعمل إخواننا العرب في شمال أفريقية كلمة «مقتصد» للمحاسب الذي يوزع الأجور على العاملين في المؤسسة أو الإدارة...
وجاء في التفسير: أي فمنهم من هو مقصر في عمل الخير، ومن هو متوسط في فعل الخيرات، ومنهم من هو سباق في العمل بكتاب الله.. (2).
وقال تعالى على لسان لقمان وهو يوصي ابنه. ﴿..وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ...﴾ (لقمان: 19) يقول ابن كثير رحمه الله .... «وقوله أقصد في مشيك أي امش مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبط ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين... (۲)
ويستعمل العرب في شمال أفريقية كلمة «مقتصد» للموظف الذي نسميه في المشرق «محاسب أو مقتصد» وهو الموظف الذي يسلم الرواتب إلى الموظفين أول الشهر، فهذا المقتصد يوزع عليهم أجورهم حسب عملهم الذي توظفوا له، وربما يدفع لهم تعويضات «مقابل» عمل إضافي قاموا به، وقد يخصم عليهم لقاء بعض الساعات أو الأيام التي تغيبوها بدون عذر، وبالخلاصة فإنه يوزع عليهم أجورهم حسب نصيبهم المحسوب لهم أو عليهم بدقة.
ونلمس في هذه التسمية للموظف «مقتصد» وللمكتب الذي يعمل به «مكتب الاقتصاد» المساواة بين الأجر والعمل المبذول شكلًا على الأقل، فالذي التحق بعمله اليوم الأول من الشهر أخذ راتبًا أكثر من الذي ألتحق في اليوم العاشر من الشهر، والذي قدم عشر ساعات إضافية كل أسبوع يأخذ أكثر من الذي قدم خمسة فقط.. والمساواة عدل، فالأجر هنا يعادل العمل «شكلًا على الأقل كما قلت». فالمقتصد «عادل» لأن القصد «العدل» كما جاء في مختار الصحاح.
ومن ذلك كله أخلص إلى تعريف كلمة اقتصاد في المفهوم الإسلامي فأقول: «الاقتصاد هو الإنفاق العادل».
فرب الأسرة يقتصد عندما ينفق بعدل «لا يقتر ولا يسرف» والمجتمع المقتصد هو المجتمع الذي ينفق بعدل لا يسرف ولا يقتر.
أنه ينفق بعدل لا يقتر؛ لأن الثروات تساوي الحاجات إن لم تزد عليها، وإن المشكلة الاقتصادية الأوروبية مرفوضة في الفكر الإسلامي فليست الحاجات أكثر من الثروات، بل هذا افتراء لا صحة له.
لأن الله عز وجل هو الذي خلق الحاجات والثروات معًا، وقد خلق كل شيء بقدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) و ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ﴾ (النحل: 18) و ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (العنكبوت: 62) ووردت عدة آيات كريمة في مثل لفظ ومعنى الآية السابقة.
وإنا نفهم عن هذه الآيات الكريمة أن الله عز وجل خلق كل شيء حسب نظام يرضاه تبارك وتعالى، وفي ذلك النظام مصلحة عباده؛ لأنه رؤوف رحيم، فلو جمعنا ثروات العالم جميعًا وقسمناها على أفراد العالم جميعًا لكفتهم، بل تزيد عن حاجاتهم، ولوجدنا أن الحاجات ليست أكثر من الثروات أبدًا؛ بل قد نجد العكس؛ لأن الله تبارك وتعالى رؤوف رحيم، لطيف خبير فالخلق مستمر سواء كان للثروة أو للحاجات «البشر» والخالق واحد هو الذي يخلق الحاجات والثروات معًا.
وليس الله، كما قالت عنه اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ...﴾ (المائدة: 64) أي بخيلة كما قال ابن عباس، والبخل يكون عندما يتصور الإنسان قلة الثروة «ندرتها» وهكذا فإن الفكر الاقتصادي الأوروبي ينبع من الفكر اليهودي عن الله والإنسان والكون والحياة، وهو فكر مادي جاهلي. كما قالت اليهود أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (آل عمران: 181) فهذا التصور اليهودي الله يجعله عاجزًا عن إشباع خلقه؛ لأنه فقير: ﴿تَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. (الإسراء: 43).
ويقول تقرير لأحد خبراء الاقتصاد إن ما تنفقه الولايات المتحدة فقط في سنة واحدة على التسليح يكفي لإطعام البشرية كلها لمدة سنة كاملة.
أما ما ينفق على الكلاب في أوروبا وأمريكا وما ينفق على الخمور والمخدرات وما ينفق على الحروب التي تحيكها الدول الكبرى لتبقى الدول الصغرى صغرى دائمًا وتحت نير هذه الكبرى، وما يتلف من محاصيل القهوة والأرز وغيرها في أمريكا كي تبقى أسعارها مرتفعة في السوق.. وما يسرقه بعض الحكام من أقوات شعوبهم وغير ذلك كثير، فإنه يزيد عن الحاجات البشرية التي خلقها الله عز وجل.
إذن ما المشكلة الاقتصادية في الفكر الإسلامي؟!
إنها مشكلة فرعية من مشكلة أكبر هي مشكلة الجاهلية أي الانحراف عن منهج الله عز وجل، وبالتالي الظلم الذي ينتج عن سرقة ثروات الشعوب من قبل بعض حكامهم أو من قبل الدول الكبرى أو الإنفاق غير الشرعي في استهلاك ما حرم الله عز وجل وتبديد الثروات في غير محلها أي ما نسميه التبذير.
لقد عاش المسلمون يومًا في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله ومنادي الزكاة ينادي في الأسواق والأحياء أن هلموا خذوا الزكاة من بيت مال الزكاة أيها الفقراء، ولكن لا يأتي أحد، لقد سدت حاجاتهم وشبعت وفاضت الثروات، ولم تكن الدولة المسلمة ظالمة لغيرها من الدول تنهب ثرواتها كما تفعل الدول الكبرى اليوم.
ثم ما هذه الحاجات هل هي كميات ثابتة أم متكاثرة أم نابعة من الإنسان هو الذي يجعلها كثيرة أو قليلة أن أراد؟!
الحاجة الضرورية في المصطلح الاقتصادي هي المطلب الذي ينجم عن عدم إشباعه ضرر بصاحبها، ولذلك أباحت الشريعة الإسلامية لصاحب الحاجة أباحت له المحظورات؛ لأن في عدم إشباع حاجته ضرر يلحقه، فالجائع الذي يخشى الموت أبيح له أكل لحم الخنزير إن لم يجد سواه، والعطش المشرف على الموت أبيح له شرب الخمر إن لم يجد سواه، وهكذا..
فما هي الحاجات إذن وكم عددها، ولعلنا نفهم ونصدق الآن أنه في عصرنا هذا بعث بعض أهل الخير مبلغًا من المال إلى عالم مغيب في أحد سجون حكام المسلمين، فرد العالم المال إلى أصحابه قائًلا: «لا حاجة لي به أني أنام وأكل وأشرب في السجن، ولا احتاجه».
إن المشكلة الاقتصادية -كما قلت - مشكلة فرعية تنبع من مشكلة أكبر هي الجاهلية المعاصرة، التي تعمل لدنياها كأنها تعيش أبدًا، وتسقط الآخرة من الحساب، ولذلك تريد أن تحقق أكبر قدر ممكن من اللذات في هذه الدنيا؛ لأنها تعتبرها الفرصة الوحيدة لكسب اللذات، عندئذ تنمو الحاجات وتتكاثر وتصبح الحاجات الثانوية حاجات أساسية في نظر عبد الدنيا وعبد الدرهم.
وعندما تسقط الجاهلية الآخرة من التصور؛ فإن الظلم يصبح مهارة عندها، وإن سرقة ثروات الشعوب تسميها حضارة ومدنية؛ لأنها تحقق لنفسها قدرًا كبيرًا من اللذات الظاهرية على حساب حرمان الشعوب الأخرى من حاجاتها الأساسية.
وعندما تفعل ذلك فإنها تنحرف عن الفطرة وتسيئ إلى نفسها قبل غيرها وذلك عندما تسرف وتبذر وتوجد لنفسها حاجات غير فطرية، كما في أوروبا وأمريكا اليوم. وتصبح الصورة كالتالي:
غرب مفرط ومسرف ومبذر يعاني آلام التبذير والإفراط، وشرق محروم ومقتر؛ لأن الغرب سرق ثرواته وخيراته، ويعم الظلم والبلاء في العالم كله نتيجة سيادة الجاهلية فيه وانحرافه عن منهج الله عز وجل.
هذا هو الوضع الاقتصادي العالمي اليوم، مبذرون متخمون أفسدهم الثراء وقتل سجاياهم الإنسانية، وفقراء محرومون سرق المبذرون ثرواتهم، فراحوا يقترون ويبخلون إفراط وتفريط، وتتنادى الصيحات في العالم بالحاجة إلى نظام اقتصادي جديد، بعد أن فشل الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي في تنمية الثروة كما يدعي، وموازاتها للحاجات وها هو يتلف الثروة ويبذرها «وهو يعتقد أنها نادرة ولا تكفي» أو قد يتلفها «مثل إحراق بعض المحاصيل الأمريكية؛ كي لا يهبط السعر في السوق» مع أنه يعتقد أن الثروات نادرة، فلماذا يتلفها إذن.. أنه التناقض والهذيان المحموم..
وها هي روسيا الشيوعية تستعين بالغرب الرأسمالي في تنمية ثرواتها، واليوم أسمع أن الصين الشعبية تفسح المجال أمام الملكية الفردية والقطاع الخاص لإنعاش اقتصادها المتدهور...
والكل ينادي باقتصاد عالمي جديد.. ولو عرفوا لقالوا... بل لتعالت صيحاتهم تطالب بالإسلام جملة لا مجزأ؛ لأن الاقتصاد المطلوب هو الاقتصاد الإسلامي، وهذا الاقتصاد لا يمكن فصله عن إطاره العام، العقيدة الإسلامية، والتصور الإسلامي لله والكون والإنسان والحياة..
فهل تسمعون يا مسلمون...
- في مجال العبادة السبق بالخيرات أفضل من التوسط.
(۲) صفوة التفاسير (ج ۱۳ ص ۳۷)، ويضيف الحسن البصري أن المقتصد من تساوت حسناته بسيئاته.
(۳) مختصر تفسير ابن كثير ج3 ...