العنوان الاقتصاد اليمني بين فشل الماضي وتخبط الحاضر
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
مشاهدات 88
نشر في العدد 1027
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
هناك قناعة قوية في اليمن بأن
الاقتصاد سيكون موضوع الساعة في الفترة المقبلة، فالتدهور المستمر لسعر العملة الوطنية وهبوط قيمتها الشرائية أدخل البلد في دوامة تضخم، رغم محاولات رسمية خجولة
لبث الطمأنينة في نفوس المواطنين بالحديث عن اكتشافات بترولية جديدة وتوقعات
بارتفاع إنتاج النفط إلى نصف مليون برميل يوميًا خلال أقل من سنتين.
وفي مواجهة الموجة الجديدة من
ارتفاع الأسعار، تحركت النقابات العمالية والمهنية وجماعات موظفي الدولة للمطالبة
بزيادة حقيقية في الرواتب، وقد شهد الشهر الحالي سلسلة من الإضرابات والاعتصامات
لإجبار الدولة على الاستجابة لمطالبهم، لاسيما وأن الدولة أعطت ضوءًا أخضر لزيادة
في المرتبات تصل إلى 85% لبعض المصالح الإيرادية والإشرافية، الأمر الذي أوحى بأن
شيئًا من الضغط كاف لجعل الدولة تستجيب لمطلب رفع الأجور.
تركة ثقيلة
ولفهم حقيقة الأوضاع الاقتصادية
الصعبة في اليمن، ينبغي أن نعود قليلا إلى الوراء فعندما توحد شطرا اليمن- في 1990م-
كان الاقتصاد في الشطرين في أسوأ حالاته، مع فوارق في مستوى النمو وطبيعة الأزمة
لصالح «الشمال» حيث كان يسود وضع رأسمالي منفتح على السوق العالمية إلى حد كبير،
فيما كان الاقتصاد في «الجنوب» قد وصل إلى طريق مسدود، بعد تجربة اشتراكية
متطرفة.
وبالنسبة للوضع الاقتصادي في
الشمال (سابقًا) فقد استفاد كثيرا من علاقات النظام الممتازة مع دول الخليج.
في عقدي السبعينيات والثمانينيات، بالإضافة إلى وجود حوالي مليون مغترب أسهموا
كثيرًا في تزويد وطنهم بتمويلات هائلة من العملات الصعبة وبما يفيض عن حاجته.
ومع حلول عام 1983م كان شبح الأزمة
الاقتصادية قد بدأ يفرض نفسه على البلد، قبل أن يتم الاعتراف بها في نهاية العام
نفسه بإقالة حكومة د.عبدالكريم الإرياني، وإعلان سلسلة من الإجراءات الاقتصادية
التي ضيقت باب الاستيراد بشكل كبير حفاظا- كما قيل- على مخزون البلد من العملات
الصعبة التي تبددت دون أن يستفاد منها بشكل حقيقي!
وفي الوقت نفسه تبنت الدولة تشجيع
الاتجاه نحو الاهتمام بالزراعة، ووافق ذلك إعادة بناء سد مأرب بمعونة من دولة
الإمارات الشقيقة، وبالفعل فلم تمض سنوات قلائل حتى كانت منتجات الزراعة اليمنية
قد بدأت تحل محل المنتجات المستوردة، وقام القطاع الخاص بدور رئيسي في هذا الأمر،
حتى تحقق للبلد اكتفاء ذاتي في الخضراوات وأصناف عديدة من الفاكهة التي كانت
تستورد من الخارج.
كما شهد النصف الثاني من الثمانينيات
بدء استغلال النفط من حقول مأرب بواسطة شركة «هنت» الأمريكية، والتي قامت- أيضًا-
بشراء مصفاة صغيرة للنفط للعمل في اليمن.
وبدا -مؤقتًا- أن إعادة تنشيط
الزراعة وبشائر النفط المكتشف سوف تعيد التوازن للاقتصاد المترنح بفعل تقلص
تحويلات المغتربين منذ بداية الثمانينات أثناء الحرب العراقية- الإيرانية لكن
الاقتصاد ظل جريحًا رغم الزراعة الناشطة والنفط المكتشف، بل زاد الطين بلة تفشي
ظاهرة التهريب مع إغلاق باب الاستيراد، ومن العجيب أن الأسواق كانت تمتلئ بآخر
أصناف البضائع والسيارات والأجهزة المهربة في الوقت الذي صار الحصول على ترخيص
استيراد عملية شاقة فتحت المجال لتجارة جديدة سببت أضرارًا إضافية للاقتصاد!
التجربة الاشتراكية تلفظ أنفاسها
أما الجنوب (سابقا) فقد خرج
من السبعينيات، وقد استنزفت التجربة الاشتراكية اقتصاده الضعيف أصلا، ثم طرأ تحسن
طفيف مع تولي الرئيس السابق علي ناصر محمد مقاليد الحكم 1980-1986، نتيجة السياسة
المرنة التي اتبعها في علاقاته مع جيرانه ومحاولة التخلص من قبصة الاختيارات
الاقتصادية الماركسية، وشهد البلد توافدا خجولا لعدد من الشركات الغربية ونشاطا
محدودا للقطاع الخاص ولكن تفجر الصراع في يناير 1986 وهزيمة جناح الرئيس «علي
ناصر محمد» المعتدل أعاد الوضع الاقتصادي إلى جموده السابق، وازدادت أزمة النظام
حتى كاد يلفظ أنفاسه قبيل الوحدة!
ويمكن القول إن أخطر ما أصاب
الاقتصاد في الجنوب (سابقًا) هو انهيار التطبيقات الاشتراكية في مجالي
الزراعة والثروة السمكية، حيث فرضت وصاية الدولة على وسائل الإنتاج، أما الصناعة
فلم تكن تمثل بندا أساسيا في ميزانية الدولة باستثناء مصنع قديم للنسيج بنته الصين
الشعبية في السبعينيات ومصفاة عدن الشهيرة التي بنتها بريطانيا في الخمسينيات،
كما سيطرت الدولة على التجارة ابتداء من الأخشاب والإسمنت وانتهاء بكؤوس الشاهي.
ومن ناحية أخرى تدهور مستوى خدمات
البلد الأساسية كـالمجاري والهاتف والكهرباء، وما يزال الاتصال الهاتفي بين الشمال
والجنوب مسألة شاقة ومتعسرة حتى اليوم.
التوحد تحت راية الرأسمالية
يمكن القول إن الوحدة اليمنية في
مايو 1990م
قد وحدت-أيضًا- الاقتصاد فصار رأسماليا باتفاق الحزبين الحاكمين على اعتماد
الاقتصاد الحر أساسا لاقتصاد الدولة الجديدة وبذلك أمكن تحديد التراجع عن التطبيق
الاشتراكي في «الجنوب» بسهولة.. على أن الوحدة- في جانب منها- كانت اندماجا
بين اقتصادين ضعيفين يعانيان من سلبيات عميقة في التوجه والممارسة، الأمر الذي
انسحبت آثاره على الوضع بعد الوحدة حيث واجهت الدولة عددا من المعضلات التي توجب
حلها.
وفيما يلي أهم المصاعب التي زادت
من ضعف الوضع الاقتصادي:
1- تحملت خزينة الدولة مبالغ هائلة أثناء
تنفيذ عملية دمج مؤسسات الدولتين السابقتين مثل ترتيب انتقال الكوادر القيادية
إلى العاصمة والمحافظات الأخرى وقد حدثت مبالغات ظاهرة في تقدير التكاليف، كما
ظهرت حالات عديدة للتكسب مع عدم توافر الشروط.
2- اقتضى توحيد الهيكل الوظيفي
لمستخدمي الدولة مساواة الموجودين في الجنوب (سابقًا) مع نظرائهم في الشمال (سابقًا) وترتب
على ذلك ارتفاع كبير في الأجور كان له تأثير من حيث إن عدد موظفي الجنوب (سابقًا)
يبلغ 3 أضعاف الموجود في الشمال (سابقًا) -رغم أن سكان الشمال يبلغ 9 أضعاف
الجنوب على أقل تقدير.
3- اضطرار الدولة الجديدة إلى استيعاب كل
جماعة المعارضين للنظامين السابقين وتوفير وظائف جديدة لهم لا أساس لها في الواقع،
وهكذا عاد عشرات الآلاف من المعارضين لشغل وظائف تبدأ من درجة مستشار وزارة كما
أعيدت درجات العسكريين الذين فصلوا على مدى 20 عاما من الصراع على
السلطة وتعويضهم عن حرمانهم من الترقيات.
4- بلغت مديونية الدولة الجديدة ما يقارب (7.5)
مليار دولار منها 5 مليارات ديون الشطر الماركسي (كان عدد سكانه ١.٥مليون
نسمة).
5- عودة حوالي مليون مغترب من دول الخليج
والسعودية أثناء أزمة الخليج الأخيرة.
وبالإضافة إلى المصاعب السابقة،
فإن الأوضاع الإدارية والمالية للدولة تعاني من نزيف مستمر بسبب ضعف الرقابة،
وسهولة تجاوز القوانين، كما أدى الانفتاح السياسي والتنافس الحزبي بين شريكي
السلطة إلى انتشار حالات الفساد المالي وتوزيع الأموال الطائلة لكسب الولاءات!
وتتداول الأوساط الشعبية والصحافة
التي تتمتع بحرية نادرة قصصا كثيرة عن حالات الاستيلاء على أموال الدولة بطرق
غريبة في جرأتها وعدم مبالاتها بالقانون، إضافة إلى عشرات الأخبار عن ملايين
الريالات التي تم صرفها في أمور المسؤولين الخاصة.
وهكذا تبدو الأوضاع الاقتصادية
مضطربة بعد عامين ونصف من الوحدة، ورغم أن الحكومة تبنت برنامجا للإصلاح المالي
والإداري، إلا أن الأمر تحول إلى مناسبة للسخرية عندما تنشر صحف المعارضة- وأحيانًا
الرسمية- أخبارًا عن البذخ الحكومي في الإنفاق على مسائل خاصة، وفي آخر هذه
الأخبار نشرت وثيقتان عن صرف (51) مليون ريال لتأثيث عدد من منازل كبار المسؤولين
في العاصمة رغم أنهم قد تسلموا مئات الآلاف من الريالات عند الوحدة لتجهيز منازل
مناسبة لهم.
وعلى المستوى الشعبي يلاحظ
المواطنون باندهاش تجول مئات من أحدث موديلات السيارات العالمية في الشوارع تحمل
مسؤولين أو أسرهم في الوقت الذي يتأخر صرف مرتبات بعض القطاعات الهامة كالجيش بضعة
أشهر بشكل اعتيادي!
وبرغم أن الصورة تبدو قاتمة بشكل
عام إلا أن السلطة اليمنية تراهن على مزيد من الاكتشافات البترولية لتتجاوز الأزمة
الخانقة التي يمر بها البلد.
وفي الوقت الحالي هناك 24 شركة
بترولية تعمل في مجال التنقيب واستخراج النفط ولا سيما في حقول «مأرب»
و«المسيلة» بحضرموت حيث يبلغ الاحتياطي المقدر حوالي 2300 مليون برميل من النفط
وقد بلغ الإنتاج اليومي في النصف الأول لعام 1992م حوالي 170 ألف برميل، ويتوقع
زيادته إلى 400 ألف برميل مع نهاية 1993م القادم.
أما احتياطي الغاز الطبيعي فيبلغ 15
تريليون قدم مكعب، وكان- حتى الآن- لم يبدأ استغلاله بشكل كبير.
وفي المقابل لهذه الثروة النفطية،
تثقل كاهل الدولة فاتورة سنوية للواردات، حيث تخصص (320) مليون دولار لتمويل
استيراد ثلاث مواد أساسية فقط هي القمح والأرز والدقيق، كما يخصص جزء هام من دخل
البترول لسداد نفقات البعثات الدبلوماسية اليمنية المتضخمة في الخارج ودفع نفقات
الدراسات العليا لبضع مئات من الدارسين في أوروبا وأمريكا وبعض البلاد العربية.
وأخيرًا تبدو صورة الوضع الاقتصادي
قابلًا لمزيد من المصاعب مع توالي الإضرابات العمالية لتحقيق زيادة في الأجور وهو
أمر يقابله-على الفور- مزيد من ارتفاع الأسعار بشكل غير مألوف الأمر الذي يفقد
النقود قيمتها الحقيقية!
ولأن حكومة الحزبين الحاكمين تعاني
من مشاكل التنافس الثنائي المكون لها، فهي غير قادرة على انتهاج سياسة جادة لإصلاح
المسار الاقتصادي.
فمثل هذا الأمر يحتاج إلى سلطة
تتمتع بثقة المواطنين وتكون هي بذاتها قدوة على طريق الإصلاح وتحمل جزء من الآثار
الجانبية لعملية جراحية لاقتصاد منهك.