العنوان الافتراء على القرآن الكريم
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007
مشاهدات 83
نشر في العدد 1755
نشر في الصفحة 36
السبت 09-يونيو-2007
الفاتيكان والإسلام «12»
دراسة
- كيف للحبر الأعظم أن يجهل شهادة الشرق والغرب بأن القرآن كلمة الله التي أعجزت البشر عن أن يأتوا بمثله؟!
- د. مونتجنري وات: القرآن كلام الله وحده.. ولو احتفظ يهود العصر ومسيحيوه بيهوديتهم ومسيحيتهم في حالة نقاء لاعترفوا برسالة محمد كما فعل ورقة بن نوفل
- أين الحد الأدنى من الموضوعية فيما افتراه بابا الفاتيكان؟! أم أن الكذب أصبح صناعة كبرى تدر على الكذبة مليارات السحت الذي به يرتزقون؟
هل يليق بمن هو في مكانة الحبر الأعظم للفاتيكان، أن يفتري على القرآن الكريم، فيصف آياته بأنها «تعليمات أوامر اللئام»؟!!
يصنع ذلك مع القرآن الذي جاء مصدقًا لما سبقه من كل الكتب السماوية.. والذي يؤمن بكل النبوات والرسالات ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ ﴾(البقرة: 285).
والذي تحدث عن توراة موسى فقال ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ ﴾(المائدة: 44).
وعن إنجيل عيسى فقال: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾(المائدة: 46).
والذي جعل مريم سيدة نساء العالمين.. وآية من آيات الله.
وتحدث عن المسيح عليه السلام - باعتباره آية من آيات الله.. عليه سلام الله يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًا.
والذي اعترف بكل شرائع أهل الكتاب.. ودعاهم إلى كلمة سواء: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(آل عمران: 64).
ولم يحتكر هذا القرآن الكريم النجاة لأهل شريعة دون سواهم.. وإنما فتح أبوابها لأهل التوحيد الخالص.. والإيمان بالغيب.. والعمل الصالح.. وفق أية شريعة سماوية صحيحة أتى بها واحد من رسل الله - عليهم السلام ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(البقرة: 62)، ذلك أن الله الذي أوحى هذا القرآن، لا يضيع ﴿أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: 30).
فهل يليق بمنصف - مهما كان دينه أو كانت ثقافته - ينظر إلى القرآن نظرة موضوعية محايدة، أن يصف هذا القرآن بأنه «تعليمات أوامر اللئام»؟! كما صنع عظيم الفاتيكان؟!
وكيف للحبر الأعظم للكاثوليكية – بنديكتوس السادس عشر - أن يجهل التراث الشرقي والغربي الذي شهد للإعجاز القرآني، وأعلن أنه كلمة الله التي أعجزت - ولا تزال تعجز - البشر قاطبة عن أن يأتوا بشيء من مثله.
هذا التراث الذي حفظ التاريخ منه كلمات أئمة الفصاحة والبلاغة وأساطين صناعة البيان.. من مثل:
- أبو عبد شمس الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم «95 ق هـ. 1 هـ - 530 - 622م».. وهو من زعماء قريش وزنادقتها.. ومن قضاة العرب في الجاهلية.. والملقب بـ«العدل» لأنه كان عدل قريش كلها.. والذي شهد للقرآن الكريم- رغم شركه - عندما سمع رسول الله ﷺ يتلو في المسجد سورة غافر فقال: «والله لقد سمعت من محمد كلامًا آنفًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن».
والله ما هو بكاهن، فقد رأينا الكهان فما هو برمزمة (1) الكاهن ولا سجعه، ووالله ما هو بمجنون، فقد الجنون وعرفناه رأينا ، فما هو بخنقه (2)ولا تخالجه (3) ولا وسوسته.
والله ما هو بشاعر، فقد عرفنا الشعر كله، رجزه (4)، وهرجه (5) وقريضه (6) ومقبوضة (7) ومبسوطة (8)، فما هو بشاعر.
ووالله ما هو بساحر، فقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه (9) ولا عقده (10).
والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإن أصله لمغدق (11)، وإن فرعه لمثمر، وإنه يعلو ولا يعلى عليه.
وما أنتم يا معشر قريش – بقائلين - فيه من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه باطل» (12).
- وشهادة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - أبي الوليد «2 هـ - 624م» - وهو من سادة الشرك في قريش ومكة، شهادته للقرآن عندما سمعه من رسول الله ﷺ فقال: «لقد سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.. ووالله ليكونن لهذا الذي سمعت نبأ عظيم» (13).
- وشهادة الدكتور طه حسين «1306 - 1393 هـ / 1889 - 1973م»، وهو أحد أبرز البلغاء في القرن العشرين.. والذين جمعوا ثقافة الغرب إلى ثقافة الشرق.. شهادته على تفرد القرآن وعلوه على الإبداع البشري.. عندما قال:
«لقد قلت في بعض أحاديثي عن نشأة النثر عن العرب:
إن القرآن ليس شعرًا ولا نثرًا، وإنما هو قرآن له مذاهبه وأساليبه الخاصة في التعبير والتصوير والأداء.
فيه من قيود الموسيقى ما يخيل إلى أصحاب السذاجة أنه شعر، وفيه من قيود القافية ما يخيل إليهم أنه سجع، وفيه من الحرية والانطلاق والترسل ما يخيل إلى بعض أصحاب السذاجة الآخرين أنه نثر.
ومن أجل هذا خدع المشركون من قريش، فقالوا إنه شعر، وكذبوا في ذلك تكذيبًا شديدًا.
ومن أجل هذا خدع كذلك بعض المتتبعين لتاريخ النثر، فظنوا أنه أول النثر العربي، وتكذبهم الحقائق الواقعة تكذيبًا شديدًا.
فلو قد حاول بعض الكتاب الثائرين - وقد حاول بعضهم ذلك - أن يأتوا بمثله لما استطاعوا إلا أن يأتوا بما يضحك ويثير السخرية» (14).
هكذا شهد أساطين البلاغة والفصاحة والبيان للقرآن بالإعجاز.. وعلى مر التاريخ.
- وإذا جاز لعظيم الفاتيكان أن يجهل هذه الشهادات الشرقية للقرآن الكريم بالتفرد والإعجاز.. أو أن يتجاهل الإعجاز الأكبر والأخلد للقرآن: إعجاز صناعة الإنسان السوي والمجتمع السوي عبر الزمان والمكان – فضلًا عن الإعجاز بالإنباء بالغيب.. والإشارات للإعجاز العلمي... إلخ... إلخ... فهل يجوز لمثل عظيم الفاتيكان أن يجهل ما كتبه علماء غربيون بلغات غربية عن هذا القرآن الكريم؟!
وهلا قرأ - قبل أن يصف القرآن بهذا الوصف الغريب والعجيب والمريب - ما كتبه عملاق الثقافة الإنجليزية الدكتور مونتجمري وات - بعد رحلة مع القرآن والدراسات الإسلامية زادت على ثلث قرن - توجهًا بحديثه عن القرآن الذي قال فيه:
إن القرآن ليس بأي حال من الأحوال كلام محمد، ولا هو نتاج تفكيره، وإنما هو كلام الله وحده، قصد به مخاطبة محمد ومعاصريه، ومن هنا فإن محمدًا ليس أكثر من «رسول» اختاره الله لحمل هذه الرسالة إلى أهل مكة أولًا، ثم لكل العرب، ومن هنا فهو قرآن عربي مبين.
إنني أعتقد أن القرآن، بمعنى من المعاني، صادر عن الله، وبالتالي فهو وحي.. إننا نؤمن بصدق محمد وإخلاصه عندما يقول: إن كلمات الله ليست نتيجة أي تفكير واعٍ منه.. وربما كانت الملامح الأساسية للوحي يمكن اختصارها في العناصر الثلاثة الآتية:
1 - أن الكلمات المنزلة على محمد كانت تحضر في عقله الواعي.
2 - وأن تفكيره الشخصي لم يكن له دور في ذلك.
3 - وأن يقينًا ما كان يتملك فؤاده أن هذه الكلمات هي من عند الله.
لقد وجد محمد الكلمات، أو المحتوى الشفهي حاضرًا في وعيه، فلما تمت كتابته شكل النص القرآني الذي بين أيدينا، وكان محمد واعيًا تمامًا أنه لا دخل لتفكيره الواعي في هذه الرسالة القرآنية التي تصله، وبتعبير آخر فقد كان يعتقد أنه يمكنه أن يفصل بين هذه الرسالة القرآنية وبين تفكيره الواعي، الأمر الذي يعني أن القرآن لم يكن بأية حال من الأحوال نتاج تفكير محمد.. إنه لا ينبغي النظر إليه باعتباره نتاج عبقرية بشرية.
وفي الحوار مع الإسلام، يجب أن يتخلى المسيحيون عن فكرة أن محمدًا لم يتلق وحيًا، وعن الأفكار الشبيهة.
وعندما تحدى محمد أعداءه بأن يأتوا بسورة من مثل السور التي أوحيت إليه، كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي، لأن السور التي تلاها محمد هي من عند الله، وما كان لبشر أن يتحدى الله، وليس من قبيل الصدفة أيضًا أن كلمة آية تعني علامة على القدرة الإلهية، وتعني أيضًا فقرة من الوحي.
وإذا لم يكن محمد هو الذي رتب القرآن بناءً على وحي نزل عليه، فمن الصعب أن نتصور زيد بن ثابت «11 ق هـ - 45 هـ / 611 - 665م» أو أي مسلم آخر يقوم بهذا العمل.
ورغم كثرة القراءات للقرآن، فإن أيًا منها لم يؤد إلى جنوح معاني القرآن، بحيث تجعلها بعيدة عن المعاني المفهومة من القراءات الأخرى.
إن القرآن يحظى بقبول واسع، بصرف النظر عن لغته، لأنه يتناول القضايا الإنسانية.. وإذا كان القرآن كلام الله وحده، ورسالته إلى محمد، فإن الكثير من المسيحيين لا يفترضون أن كلمات الله «في العهدين القديم والجديد» قد جلبها مصدر خارجي ممثل في ملك أو ملائكة يملونها على كتاب الأناجيل، وإنما يلقى في روع هؤلاء الكتاب أن ما يكتبونه إنما هو كلام الله حقًا، والأنبياء الوارد ذكرهم في العهد القديم يعلنون دون تردد: «هكذا يقول الرب»!!
ولذا فلا بد أنهم كانوا يعتقدون أن ما ينطقون به من كلمات هو - بمعنى من المعاني - كلمات الله حقًا.
ولو احتفظ يهود العصر ومسيحيوه بيهوديتهم ومسيحيتهم في حالة نقاء، لاعترفوا بالرسالة التي ألقاها الله إليهم عن طريق محمد، تمامًا كما فعل ورقة بن نوفل «12ق. هـ - 611م» الذي أفادت الروايات أن استجابته كانت إيجابية لمحمد.
وإن إشارة القرآن إلى تحريف لحق اليهودية والمسيحية - وبصورتهما الموجودة على أيامه – قول صحيح...» (15).
تلك شهادة غربية للقرآن الكريم.. كتبها علم من إعلام الثقافة الغربية.. بعد رحلة مع القرآن والدراسات الإسلامية زادت على ثلث قرن، ومثلها كثير في دراسات العلماء الغربيين المنصفين للإسلام.. فلماذا غابت مثل هذه الشهادات عن ثقافة «أستاذ الفلسفة» وعظيم الفاتيكان الذي تجاوز كل حدود المعقول والمقبول عندما وصف آيات القرآن الكريم بأنها «تعليمات أوامر اللئام»!!
إنه من الحق – بل ومن الواجب - أن يتساءل المرء عن الحد الأدنى من الموضوعية في هذا الذي افتراه بابا الفاتيكان! وأن يبحث عن قيم العدل والإنصاف التي اتفقت عليها جميع الديانات إزاء هذه الافتراءات التي افتراها الحبر الأعظم للفاتيكان على:
- رب العالمين، سبحانه وتعالى، عن ذلك علوًا كبيرًا.
- وعلى رسول الإسلام، الذي وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، والذي بعثه الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).. ونورًا وبشيرًا للعالمين.
- وعلى الإيمان الإسلامي.. الذي بلغ الذروة في التوحيد.. والتنزيه.. والتجريد.
- وعلى فكر المسلمين وحضارتهم.. التي أثارت الدنيا.. وعلمت البشرية.. ومثلت العالم الأول على ظهر هذه الأرض لأكثر من عشرة قرون.. أين الحقيقة من هذا الذي زعمه وافتراه عظيم الفاتيكان؟
- أم أن «الغرض: مرض» قد أصبح يعيي حكماء الفكر ونطاسي الأطباء؟!
- أو أن «الكذب» قد أصبح صناعة كبرى وثقيلة تدر على الكذبة مليارات السحت الذي به يرتزقون؟! وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 82).
الهوامش
(1) الزمزمة: الصوت يسمع من بعيد وله دوي.
(2) صوت المخنوق.
(3) الاضطراب والتمايل.
(4) بحر من بحور الشعر العربي، وزنه «مستفعلن» ست مرات.
(5) بحر من بحور الشعر العربي، وزنه «مفاعلن» أربع مرات.
(6) الشعر، لأنه اقتطاع من الكلام.
(7) ما حذف منه الخامس الساكن من الجزء - مثل حذف النون من «فعولن» فتصبح «فعول».
(8) بحر من بحور الشعر، وزنه «مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن».
(9) النفث - من معانيه: السحر، والمنفوث هو المسحور.
(10) العقد يعقدها الساحر.
(11) المغدق: المخصب.
(12) محمد بن يوسف الصالحي الشامي «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» ج 2، ص 472 - 473، تحقيق: د. مصطفى عبد الواحد، طبعة القاهرة، سنة 1418هـ - 1993م.
(13) أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري «مختصر سيرة ابن هشام» ج 1، ص 187، طبعة القاهرة، 1422هـ - 2002م.
(14) د. طه حسين «الفتنة الكبرى – عثمان» ص 32، طبعة القاهرة سنة 1984م.
(15) مونتجمري وات «الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر» ص 35، 36، 83، 106، 39، 170، 206، 52، 54، 71، 22، 61، 128، 63، 131، ترجمة د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، طبعة القاهرة سنة 2001م.