; محطة للتأمل بين الصحوة والغفوة | مجلة المجتمع

العنوان محطة للتأمل بين الصحوة والغفوة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1984

مشاهدات 65

نشر في العدد 673

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 29-مايو-1984

ودار الزمن دورة:

وانقضى عام آخر، وعاد إلينا يطرق الأبواب بوجهه السمح الكريم، خير الشهور رمضان، يهل هلاله غدًا أو بعد غد على الأمة في جو وسط بين الصحوة وبين الغفوة، بين الانطلاق المؤمن الواعي وبين الارتداد المنافق البائس، بين الصحوة البيضاء وبين اليأس الأسود! بين معطيات الدعوة النبيلة على طريق الانتصار الكريم وبين تراجعات الدعوات الباطلة الهزيلة على ساحة النزعات الفاسدة.

• معسكران متمايزان:

ولسوف يهل هلال رمضان بطلعته المشرقة السمحة، ليطل داخل هذه الأمة على معسكرين متمايزين تمايز الحق والباطل، متباينين تباين النور والظلام، ليكون بردًا وسلامًا على قلوب المؤمنين المخلصين، وجمر غيظ يحرق أفئدة المنافقين والمعوقين.

سوف يحل بين قوم يجدون فيه راحة نفوسهم ومهوى قلوبهم، وإن هي إلا ساعات معدودة ويهل الهلال الحبيب معلنًا قدوم الضيف الكريم.

فأهلًا وسهلًا بزائر تجتليه القلوب، وتنفتح له أبواب النفوس ليتصدر المجلس شهرًا كاملًا، لا ثقيلًا ولا مملولًا، لأنه نفحة من نفحات الله الكريم شاءت حكمته أن تعاود الأمة كل عام، لتجدد العزيمة وتبعث الأمل، وتثبت النفوس، وتجلو القلوب وتطهر النوايا، وإذا كان شهر الصوم مدرسة ... فهي مدرسة لإعداد أجيال الأمة بالتربية الفذة الفريدة، ليكونوا ربانيين في مظهرهم ومخبرهم يتحملون شدائد الحياة ومصاعبها، ويتقوون عليها بثباتهم وتماسكهم، وهذا سر من أسرار هذا الشهر الكريم ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).

• وظرف للأحداث الكبرى:

هذا الشهر، لم يكن ظرفًا لنزول القرآن فقط، وإنما كان ظرفًا عريضًا مباركًا عبر العصور، اتسع لأحداث ومواقف بالغة العظة، جليلة العبرة، منذ بدأت الدعوة الخالدة بـ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: 1) إلى أن تقوم الساعة بإذن الله، فكان فيه غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، والفتح الأعظم لمكة المكرمة في السنة الثامنة للهجرة وتم الفتح بهدم الأصنام الشهيرة حول مكة وهي «العزى وسواع ومناة» وفي رمضان السنة التاسعة وقعت بعض أحداث غزوة «تبوك» وفيها أسلم وفد الطائف ووفد ملوك حمير، وحصلت عبر التاريخ الإسلامي فتوح أخرى ففي رمضان سنة ثلاث وخمسين للهجرة فتحت جزيرة رودس، وانتصر طارق بن زياد على «رودريك» ملك إسبانيا عام اثنين وتسعين هجرية، وأتم السلطان صلاح الدين رحمه الله فتوحاته باستيلائه على قلعة «صفد» في منتصف رمضان لعام أربعة وثمانين وخمسمائة للهجرة، وكانت معركة «عين جالوت» في رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة معركة فاصلة هزمت فيها المماليك المسلمة جيوش التتر الزاحفة بالدمار.

لقد كان الإيمان هو الأصل في نيل ذلك المجد الذي لم يبق منه في عصر المادية الحديثة إلا الذكرى ... فهل للمسلمين اليوم من عبرة تستلهم من هاتيك الذكرى؟

• وقفة للتأمل والذكرى:

ولكن رمضان، رغم كل شيء يبقى في زحمة الأحداث، وهجير الحياة، راحة من أمن ومحطة ذكرى للتأمل والاعتبار، يمسك بالركب العجلان الضار في كل السبل، ليلتفت إلى ما يحيط به، ويدفعه في شتى الاتجاهات، حتى يعرف إلى أين المسير؟ وكيف يكون المصير؟؟

يأتي رمضان هذا العام، والأمة مأخوذة أبصارها بما يجري فيها وما يحدث حولها، من اضطرابات ظاهرة ومؤامرات خفية، ومحاولات مختلفة للنيل منها على شتى الجهات.

- ففي كل قطر مشكلة ضخمة على الأقل، تستنفد جهده، وتحبط سعيه نحو التقدم والرقي، والالتحام بأشقائه.

- وعلى المستوى العربي العام، علاقات مفككة، ونوايا متباينة، واختلافات ممزقة، وتناقضات رهيبة.

- وعلى المستوى الإسلامي، مؤامرات عالمية تنصب على أطراف الوطن الإسلامي، لتقطعها وتبتلعها، وتثير الفتن والقلاقل داخلها، لتضربها ببعضها، بعد أن تستخلص من أبنائها عملاء لها، يروجون لمبادئها، ويسعون في مصالحها، ولو خانوا أمتهم وأوطانهم وأهاليهم.

ولكن، رغم داجيات الحوادث، يبقى لأمتنا، نور يهديها، وذلك هو رجاؤها برحمة الله، وأملها بوعده الأكيد بالنصر للمؤمنين، والغلبة لهم على عدوهم، ما تمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وخلعوا عنهم دعوى الجاهلية، وادعاء الجاهلية.

ويبقى لأمتنا، أن تجدد عزيمتها، وتبعث همة أبنائها، مستفيدة من مواسم الخير المتجدد فيها، حين تعاودها ذكريات الفتح والعزة في رمضان وغيره، نافضة عنها صدأ الليالي، بفجر الهدى، لتنطلق من جديد إلى ريادتها الأولى في هذا الكون الذي لا يحترم إلا الأقوياء النبهاء، على أننا -ونحن نستعد لاستقبال هذا الشهر الكريم- مطالبون بوقفة تأمل طويلة إزاء ما يجري على أرض هذه الأمة.

- فهؤلاء هم اليهود وصلوا إلى إحدى عواصم بلداننا العريقة يأتمرون فيها ويسجلون خطوط مؤامراتهم في عواصمنا.

- وهذه هي القوى الاستعمارية الكبرى تصب الزيت على نار الخليج لتحرقه وأهله وليبقى بعد ذلك مجالًا كبيرًا لاستثمارها السياسي والعسكري والاقتصادي.

- وهذه هي لبنان ما زالت دامية مما أصابها ... حيث ما زالت المؤامرة عليها لم تنجز فصلها الأخير.

- إننا ونحن نستعد لاستقبال رمضان مطالبون على مستوى الشعوب والحكومات بتأمل ما يدبر لنا ... ولعل فرحة الصائم تدفع إلى هداية القلوب جميعًا فتعود إلى الله وإلى شرعه الحكيم، وعندها تكتمل فرحة المسلمين الكبرى ومن أجل هذا تظل أفراحنا كبيرة بقدوم الشهر الكريم، وتبقى نفوسنا متطلعة مستبشرة الخير فيه، لأنه كما قيل:

لم يزل مقبلًا بخير وسعد ******** رمضان الجهاد والإيمان
خير شهر أتى بخير كتاب ******** بان فيه الهدى أجل بيان
فاهتدت من سناه أمة طه ******** واستبانت سبيلها الرباني
فمضت تفتح البلاد وتهدي ******** نوره للعباد بالإحسان
إنه  الحق  لم يزل   يتسامى  ********  مشرقًا  من  هداية  القرآن

 فأهلًا به ضيفًا كريمًا، ومرحبًا به وافدًا عزيزًا، بعد طول غياب، ونرجو الله تعالى أن يتقبل من المسلمين فيه طاعتهم، ويفرج كربتهم، وينصرهم على عدوهم، إنه خير مسؤول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :