; الصقر الفلسطيني ولعبة الترويض | مجلة المجتمع

العنوان الصقر الفلسطيني ولعبة الترويض

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1983

مشاهدات 72

نشر في العدد 627

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 28-يونيو-1983

لم تكن المواقف المناوئة للعمل الفلسطيني في الساحة العربية ذات يوم بمواقف عبثية تُعَبِّر عن مواقف شخصية لمن عبثوا بالقضية وباعوها دمًا فلسطينيًا مهراقًا في المسلخ الدولي الذي سالت فيه دماء إخواننا الفلسطينيين من تل الزعتر والمسلخ والكرنتينيا، ثم في الجنوب اللبناني ومُخيمات الشمال، ثم في الفاجعة التي ظهرت بداياتها الدموية قبل طرد «أبو عمار» من دمشق حيث يغتال أو يقتل عشرات الفدائيين الشرفاء من فتح كل يوم بالسلاح العربي!

* نعم.. لم تكن تلك المواقف بالمواقف العبثية أبدًا بقدر ما عَبَّرَت عن مخطط يراد له أن ينفذ بالفلسطينيين.

*  لقد كانت مرحلة ما بين صيفي 1982- 1983 تمثل الحلقة الأخيرة من مسلسل الاستسلام المأساوي، وهي -قَطعًا- حلقة من أبشع الحلقات تنفيذًا، حيث لم يتضح فك الكماشة العربي في وأد الصقر الفلسطيني كما يتضح اليوم في دمشق وعلى الساحة اللبنانية في البقاع وطرابلس وغيرهما.

* ففي يونيو الماضي 1982 تحرك فك الكماشة الإسرائيلي ليقص الجناح الأيمن للصقر الفلسطيني، وليحطم آلة المقاومة وروح الفداء وعزيمة الرغبة في الخلاص، وذلك وسط المباركة الأميركية وتخاذل المواجهة العربية وتفاهة الموقف الدولي.

* واليوم.. يونيو يعيد نفسه، حيث تحرك الفك العربي للكماشة نفسها من دمشق هذه المرة، وذلك بمباركة روسية- أميركية، مباركة تبدو صريحة حينًا وتظهر مبطنة أحيانًا؛ لتعصف ببقايا آلة المقاومة الفلسطينية وهي بقايا أثبتت أنها مازالت تكوّن عائقًا فَعَّالًا أمام ما هو مطروح على ساحة الاستسلام في لبنان، وأمام ما هو مطروح على الساحة العربية، وأثبتت كذلك أن اللقمة الفلسطينية أكبر من فم تنين الاستسلام.

هذه صورة شاخصة عن واقع الحال الذي لم تغب عنه الولايات المتحدة، ولم يغب عنه أحد صناع القرار الأميركي، ألا وهو وزير الخارجية جورج شولتز، فعندما جاء هذا الأميركي قبل أسابيع إلى المنطقة ليحسم الخلاف الشكلي بين الحكومة الكتائبية والعدو الصهيوني أيام المفاوضات الاستسلامية كانت له محطة في دمشق لقي فيها كل ترحيب وحرارة، كما نقلت ذلك جميع وكالات الأنباء في العالم، بعدها خرج شولتز من دمشق والابتسامة تعلو وجهه مُستبشرًا بدور إيجابي للنظام هناك على الرغم من الرفض «الإعلاني الدعائي» للنظام المذكور للاتفاقية الإسرائيلية- اللبنانية.. يومها حسب بعض الناس أن ما قاله شولتز لغز جديد للسياسة الأميركية في منطقة الاستسلام العربي.. ولم تدم حيرة هؤلاء طويلًا، فقد كشفت أحداث الأسابيع المُنصرمة أهمية وحجم الدور الذي بدأ عسكر النظام في سوريا بتنفيذه، ولم يستطع الوزير الأميركي شولتز أن يتمالك نفسه ليصرح في اليوم التالي لطرد «أبو عمار» من دمشق بأن المقاومة الفلسطينية أصبحت ضعيفة ومُشتتة بعد تخلي نظام دمشق عن منظمة التحرير.

بهذا حل شولتز اللغز الأميركي الذي أطلقه عند خروجه من المحطة الدمشقية ليضيف لغزًا أميركيًا آخَر بعد خروج «أبو عمار» من دمشق عندما أطلق مقولته، بأن نظام دمشق قد تَخَلَّى عن المنظمة.

والسؤال:

كيف عرف شولتز بهذه السرعة العجيبة، وفي يوم واحد فقط، أن نظام دمشق قد تخلى تمامًا عن منظمة التحرير الفلسطينية.

الحقيقة الواضحة أن وزير الخارجية الأميركي جعل من ألغازه تلك مقدمة لتتقرر بعد ذلك مباشرة قناعة البيت الأبيض التي نطق بها «ريغان» عندما قال قبل يومين:

«على الفلسطينيين أن يتخلوا عن منظمة التحرير، وعليهم أن يبحثوا عن بديل».

ترى هل هناك في هذه الأمة من يستطيع أن يزعم الآن أن جميع ما جرى للفلسطينيين لم يكن معلومًا، أو مخططًا له في واشنطن؟!

لا.. فشعوب هذه الأمة تُدرك اليوم تمامًا أنه منذ استفراد الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط بدأت عملية ترويض الصقر الفلسطيني التي وصلت الآن إلى ذروتها.. ويبدو أن عملية الترويض هذه كانت ضرورية طالما أن الصقر الفلسطيني مازال يُبدي شيئًا من العِصيان والتمرد على الطرح الاستعماري والرغبة الصهيونية.

* إن الولايات المتحدة تدير العملية بكل دقة، فمرة تستخدم الفك الإسرائيلي للكماشة، ومرة تستخدم ما ينتسب لبني العرب!

هذا الفك الأخير يتحرك اليوم ليقص الجناح الآخر للصقر الفلسطيني.

ولعله من الطبيعي أن تعرف شعوبنا أن الترويض الأميركي اتخذ أبعادًا وأشكالًا شتى؛ فهناك الشكل السياسي الذي مارسه عبر بعض الأدوات التي لم تطل يدها وسلاحها الجسم الفلسطيني، وهناك الشكل العسكري.. العصا العسكرية ذات اللون الدموي الإرهابي.

وها هو عرفات يصرح اليوم بأن مذبحة جديدة تنتظر الفدائيين ومُخيمات اللاجئين في كل من لبنان وسوريا في الوقت الذي يعطي فيه الإسرائيليون بُعدًا ثوريًا للمُعتدين على عرفات وذلك بإطلاق بعض الرصاصات في الهواء باتجاه القوات السورية، وهكذا يتكامل الترويض الأميركي الذي يستخدم فكي الكماشة..

بعد هذا ماذا نقول للمقاومة الفلسطينية؟

إننا لا نريد أن نتحدث مع المقاومة عن الماضي، لكننا لا نرى بُدًا من دعوة المقاومة إلى:

1- نفض اليد بشكل قطعي نهائي من الأنظمة التي اعتدت على المقاومة وعلى رموزها، مع إنهاء كل أمل للعمل مع أولئك.

2- الطرح الثوري «الجهادي» والتعبئة العقائدية الإسلامية لقواعد المقاومة بعد أن شهد التاريخ مرة أخرى أن كل الأيديولوجيات أفلست، وكل أدعياء الصداقة انكشفوا على حقيقتهم؛ فليس إلا الإسلام منجاة ومخلصًا لأهل فلسطين، وقادة المقاومة وجنود الفداء.. الإسلام وحده هو الطريق.. فهيا يا جنود الإسلام.

الرابط المختصر :