; لمصلحة من استبقاء صنم العراق؟ | مجلة المجتمع

العنوان لمصلحة من استبقاء صنم العراق؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

مشاهدات 90

نشر في العدد 1122

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

يومًا بعد يوم يتكشف حجم الجرائم التي ارتكبها ولا يزال يرتكبها النظام البعثي المجرم في العراق في حق الأمة العربية كلها، ويومًا بعد يوم يتكشف حجم الغفلة وحالة الاستنزاف والابتزاز التي تتعرض لها الأمة من هنا وهناك، فالتهديدات العراقية الأخيرة لحدود الكويت وشعبها الآمن، بل لدول المنطقة وشعوبها كلها كشفت كثيرًا من أوراق اللعبة.. لعبة استبقاء صنم العراق صدام حسين على رأس السلطة هناك حتى يظل سببًا لعدم الاستقرار، وحتى يظل معبرًا للمطامع، ورهانًا على الصراعات، ووسيلة للابتزاز.

فإذا كانت حرب الخليج الثانية قد انتهت بتحرير الكويت وهزيمة النظام البعثي العراقي الذي تسبب في تفتيت كلمة الأمة واستنزاف ثرواتها حتى بلغ مجموع كلفة الحرب التي تحملها الاقتصاد العربي 676 بليون دولار، وذلك حسب تقرير صندوق النقد العربي الذي أعده في العام الماضي مع كل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ومنظمة الدول العربية المصدرة للنفط «أوابك».

لكن هذه الحرب التي بدت في نهايتها -لدى الكثيرين- قد حلت كل شيء، أبقت على حقيقة هامة هي أن السببين الرئيسيين اللذين تسببا في تحريك هذه الحرب بقيا دون حل:

أما السبب الأول: فهو اعتراف العراق بحدود دولة الكويت وسيادتها على أرضها أو بمفهوم أدق اعتراف هذا النظام بحدوده التي لا ينبغي له أن يتجاوزها، والتي كانت سببًا أيضًا في حرب الخليج الأولى التي استمرت ثماني سنوات بينه وبين إيران، دمر خلالها مقدرات بلاده واستنزف ثروات الدول المجاورة وعلى رأسها الكويت.

أما السبب الثاني وهو الأهم: فهو استبقاء النظام الحاكم في العراق وعدم القضاء عليه وعلى رأسه، ذلك النظام الذي تجاوزت جرائمه ضد شعبه وضد جيرانه وضد شعوب المنطقة كلها حدًا لا يوصف أو يقدر، كما أنه كان السبب الرئيسي في تلك الحرب المدمرة لمقدرات الأمة وأمن المنطقة وسيادة دولها عليها.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد قامت خلال عمليتين منفصلتين بإزالة رئيسي النظامين الحاكمين في كل من بنما وهاييتي، أحدهما وهو دانيال أورتيجا بتهمة الاتجار في المخدرات، والآخر وهو راؤول سيدراس بتهمة الديكتاتورية ومعاداة النظام الديمقراطي، فإن جرائم صنم العراق تفوق أضعافًا مضاعفة جرائم حاكمي بنما وهاييتي السابقين، ومع ذلك فقد استبقى نظام بغداد الطاغوتي الإجرامي ممثلًا بكافة مجرميه في المحافل الدولية ناطقًا باسم شعبه الذي يذوق الهوان، وباسم دولته ذات الحدود المفتوحة والمهددة لاستقرار المنطقة، وبنفس مطامعه وأكاذيبه التي تفوّق فيها صنم العراق على كذاب الصرب الدولي رادوفان كاراديتش وكلاهما يعامل معاملة حسنة في المحافل الدولية لكونهما مجرمين متميزين.

ولذلك فإن الحرب البرية التي توقفت بعد مائة ساعة فقط بأمر من الرئيس جورج بوش لم تدمر صنم بغداد أو نظامه الطاغوتي، وإنما قضت على الدهماء من جنوده الذين سِيقوا إلى المحرقة والهلاك دون أن يمسه شيء، بل إن صنم العراق كان قد أمر قوات حمورابي الخاصة التابعة للحرس الجمهوري بالهرب إلى الشمال دون أن تتضرر كثيرًا، ولذلك فإنه حينما أمر قواته قبل أسبوعين أن تتحرك باتجاه الكويت مرة أخرى كانت قوات حمورابي في مقدمة هذه القوات بما يؤكد أن نظام صنم بغداد لا تزال لديه القوة التي يهدد بها أمن المنطقة، وليس أمن «إسرائيل» كما كان يزعم من قبل.

إن تاريخ صنم العراق البعثي يشير إلى أنه أشعل إلى الآن حربين مدمرتين: الأولى في 1980 ضد إيران، والثانية في 1991 بعد غزوه للكويت، ولا يعني هذا بالضرورة أنه يمكن أن يخوض حربًا ثالثة، ولكنه يؤكد أنه سيبقى نظامًا إرهابيًا إجراميًا يهدد أمن المنطقة وشعوبها واستقرارها، وسيبقى من خلال جرائمه ورقة للمراهنات بين مصالح الدول الكبرى التي تدفع شعوب وحكومات المنطقة فواتيرها بالمليارات وعدم الاستقرار.

فالموقف الذي بدأ متماسكًا بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن خلال حرب تحرير الكويت في عام 1991، بدأ قبل صدور قرار مجلس الأمن الأخير رقم (949) به خلل واضح بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة وكل من روسيا وفرنسا والصين من جهة أخرى، بل ظل الموقف ضبابيًا حتى الآن مع التصريحات المتناقضة بين المسؤولين الفرنسيين وبين ما نشرته كثير من وسائل الإعلام العالمية حول وجود صفقة روسية عراقية وأخرى دولية تم الترتيب للسيناريو الخاص بها سرًا قبل عدة أشهر، حيث ينتهي هذا السيناريو باستبقاء صنم بغداد ورفع العقوبات عنه حسب المساعي الروسية على اعتبار أنه يخدم مصالح الدول الكبرى بأفضل مما كانت تحلم به، وأنه لا يوجد بديل الآن يمكن أن يقوم بأداء هذا الدور الإجرامي ضد دول المنطقة جميعها، كما يقوم نظام بغداد الآن، خاصة أنه لا توجد أي ضمانات قوية يمكن أن تكبح جماح هذا النظام عن تكرار تهديداته مستقبلًا لدول المنطقة.

فالسيناريوهات التي تتحدث عن وجود صفقة، بل صفقات من وراء الحشود العراقية الأخيرة لا زالت تتوالى وبدا واضحًا أن استبقاء نظام صنم العراق يرتبط بمصالح الكثيرين رغم أنه سبب رئيسي للضرر والدمار على الكويت ودول المنطقة والأمة جميعها، ومع الحقائق والأرقام التي أشرنا إليها يبقى سؤالنا الملح.. لمصلحة من استبقاء نظام الصنم البعثي الحاكم في العراق؟

الرابط المختصر :