العنوان المخاطر التي تنتظر الأمة بعد توقيع اتفاق القاهرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994
مشاهدات 100
نشر في العدد 1099
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 10-مايو-1994
الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في القاهرة يوم الأربعاء الماضي لم يكن
سوى حلقة من حلقات ترسيخ دعائم الدولة الصهيونية وزيادة نفوذها في المنطقة، تلك
الدعائم التي بدأ اليهود بالعمل لها وترسيخها منذ ما يزيد على قرن كامل، وهم
ينقلون أحلامهم التلمودية ومطامعهم الصهيونية من جيل إلى جيل، ويعقدون المؤتمر تلو
المؤتمر؛ ليحددوا قبل أكثر من تسعين عامًا ما يقومون بتنفيذه الآن، فمقررات بازل
وبعدها وعد بلفور في عام 1917م، وبعدها مؤتمر فرساي في 1919م، تعطي صورًا لأسلوب
التفكير اليهودي والخطط الصهيونية في التنفيذ، وكيف أن ما سعوا إليه في مؤتمر
فرساي عام 1919م، قد أكملوا تنفيذه بعد أكثر من ستين عامًا، فقد طالبت الحركة
الصهيونية في هذا المؤتمر بتعيين حدود للدولة الصهيونية، وأن تمتد هذه الحدود من
نقطة شمال البحر الأبيض المتوسط تقع شمال نهر الليطاني، ثم تتجه نحو الشرق لتشمل
كل الينابيع التي تغذي نهر الأردن، وهي نهر الحصباني ونهر بانياس في سوريا، وهذه
المطالب كانت تقضي بضم الجنوب اللبناني الذي نفذته إسرائيل بالفعل في عام 1982م،
أي بعد أكثر من ستين عامًا من الطلب الذي تقدمت به الحركة الصهيونية العالمية إلى
مؤتمر فرساي، كما أن معظم الأهداف الأخرى التي قدمتها الحركة الصهيونية إلى مؤتمر
فرساي عام 1919م، فيما يتعلق بالمياه قد حققها الكيان الصهيوني فيما بعد؛ حيث
استولت إسرائيل في عام 1948م على منابع نهر الأردن، وفي عام 1967م استولت على
منابع نهر الحصباني، وفي عام 1982م تحكمت في الشطر الاستراتيجي من نهر الليطاني،
وهكذا تحقق إسرائيل أحلامها وتقوم بتنفيذ استراتيجيتها على خطط ومراحل؛ حيث يسلم
الراية جيل إلى جيل، ومؤتمر إلى مؤتمر، وكلها تصب في صالح اليهود وفي صالح دولتهم
التي زرعها الغرب في قلب العالم الإسلامي، بعد سقوط الخلافة وتمزقه إلى دول
ودويلات، ثم تأتي اتفاقات كامب ديفيد التي وقعها السادات في عام 1979م، ونقل بها
الدولة الصهيونية نقلة نوعية، مهدت لغزو لبنان والاستيلاء على جنوبه عام 1982م، ثم
تدجين معظم الدول العربية بعد ذلك، وإنهاء المقاومة الوطنية الفلسطينية، وانتقال
عرفات ورفاقه من خندق المقاومة إلى خندق الحلفاء لليهود، وبعد ذلك بدأت تسقط كثير
من المحرمات، وصار -وللأسف- وجود الوفود الصهيونية في الدول العربية مشهدًا شبه
مألوف عند المخدوعين، حتى جاء الرابع من يونيو الجاري؛ حيث وقع عرفات في القاهرة
على الصك الأخير الذي يمنح الدولة الصهيونية الضوء الأخضر؛ لتصول وتجول في العالم
الإسلامي، وتنتقل إلى مرحلة أخرى من مراحل تحقيق أحلامها ومطامعها فيه، وإذا كانت
المؤتمرات والتوصيات والمقررات التي عززت الوجود الصهيوني في المنطقة كلها تمت في
دول غربية وبرعاية صليبية، فإن ما يلاحظ على حفل التوقيع الذي تم في القاهرة في
الأسبوع الماضي أنه تم بإشراف ومباركة مصرية؛ مما يعتبر تدعيمًا للخطط الصهيونية
والمطامع اليهودية في اختراق العالم الإسلامي وتدمير مقدراته، بعدما فرغت إسرائيل
الآن من الملاحقات الأمنية لأطفال الحجارة ومجاهدي حماس، ووكلت بها عرفات حتى
تتفرغ لمطامعها التوسعية الخارجية وخططها الكبرى في زيادة النفوذ والسيطرة
الاقتصادية والهيمنة العسكرية على الدول العربية.
أما تصورنا لخطة إسرائيل في المرحلة القادمة؛ فإنها سترتكز على
محورين:
أما المحور الأول: فهو يقوم على
غزو العالم العربي اقتصاديًّا، وهو الهدف الذي سيمكنها من أن تصبح -بالتكنولوجيا
المسروقة والدعم الأمريكي الأوروبي اللامحدود- الدولة ذات السيطرة والهيمنة على
كافة دول المنطقة العربية والإسلامية، ومن ثم تطويق العالم الإسلامي اقتصاديًّا
ورهن مقدراته، وإغراقه بما أغرقت به إسرائيل مصر من البذور الزراعية الفاسدة
والدولارات المزيفة والمخدرات والموبقات الأخرى التي ذكرناها مرارًا على صفحات
«المجتمع»، وبعد ذلك إغراق العالم العربي خاصة الدول الخليجية في الديون وفوائد
الديون، وتدمير مقدراتها بالربا الذي دمر به اليهود مقدرات العالم، وأخضعوا
حكوماته خضوعًا شبه تام لهم عن طريق البنك الدولي والبنوك العالمية الأخرى.
أما المحور الثاني: فهو يقوم على
تمزيق العالم الإسلامي وتفتيته إلى دويلات، وإثارة الفتن والنزاعات بين أبناء
الشعب الواحد وبين شعوب المنطقة، وتحريضها ضد بعضها البعض، وتاريخ اليهود حافل في
بث الوقيعة وإشعال الحروب وإيقاظ الفتن، ولا يستبعد أن تقوم إسرائيل بمؤامرات
ومكائد وانقلابات وفتن ومشاكل أكبر وأبعد من ذلك.
إن توقيع الاتفاق الأخير في القاهرة ليس سوى حلقة من حلقات ترسيخ
النفوذ الصهيوني في المنطقة، لكن الذين وقعوا هذا الاتفاق ورعوه يدركون جيدًا أن
الشعوب المسلمة لا يمكن أن تقبل بحياة الذل والهوان، وسياسة الأمر الواقع ولن
تخالف هذه الأمة أوامر ربها وتعاليم دينها، وإن الذين تناسوا قوله تعالى: ﴿وَلَن
تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾
(البقرة: 120)، وفرحوا بعرض دنيوي زائل، ومناصب ومسميات فارغة لن يجنوا من وراء
دعمهم لليهود خيرًا في الدنيا أو الآخرة، وإن جولة الباطل ساعة، أما جولة الحق
فإنها إلى قيام الساعة، وإن الشعب المصري الذي أثبت عبر خمسة عشر عامًا هي عمر
التطبيع مع اليهود رفضه لهذا التطبيع ومقاطعته للعدو الصهيوني، يعطي الأمل بأن
الشعوب العربية والإسلامية لا يمكن أن تسير في هذه المسيرة؛ حتى ولو سارت فيها
الحكومات، وسيبقى الأمل يحدو الجميع بأن يهيئ الله لهذه الأمة من يجمع كلمتها،
ويقودها لتحرير الأرض السليبة، وطرد اليهود من مقدسات المسلمين التي دنسوها، كما
هيأ صلاح الدين من قبل، فقام بطرد الصليبيين من القدس بعدما احتلوها سبعين عامًا،
وإن الأيام كفيلة بتأكيد ما نقول؛ لأنه مستمد من عقيدتنا وديننا الذي ارتضاه لنا
خالق الكون ومدبر شؤونه، وصدق المولى جل شأنه؛ حيث يقول: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا
نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كره
الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8)، ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ
إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (آل عمران: 12)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ
فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
(الأنفال: 36)، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل