العنوان مؤتمر وزراء الداخلية العرب و«تطرف» الحكومات؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993
مشاهدات 91
نشر في العدد 1033
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 12-يناير-1993
مؤتمر وزراء الداخلية العرب وقضية
التطرف الديني
فرض قضية التطرف الديني على
المؤتمر
الذين قاموا بتنظيم مؤتمر وزراء الداخلية العرب الأخير في تونس نجحوا
بشكل واضح في فرض قضية «التطرف الديني» على المؤتمر، وجعلوا ما افتعلوه من معاركهم
الداخلية ضد الجماعات الإسلامية في بلادهم القضية الأمنية الأولى في العالم
العربي.
تصريح حاكم تونس وتصدير الأزمة
ولعل حاكم تونس زين العابدين بن علي الذي افتتح المؤتمر عبر من خلال
كلمته بشكل متطرف، على ما أحدث من أزمة داخلية في بلاده، يريد تصديرها وفرضها على
الأمن العربي، حينما زعم بوصفه التطرف الديني بأنه «يمثل تهديدًا خطيرًا للأمة
العربية والإسلامية، ويستهدف استقرار دولها وأمن مجتمعاتها».
الممارسات المتطرفة للحكومة
التونسية
ودعا رئيس الحكومة التونسية التي تحارب الدين الإسلامي والثقافة
الإسلامية، وتجرم الحجاب الشرعي، وتعطل أيام الأحد بدلًا من جمعة المسلمين، وتطارد
الدعوة والدعاة، وتسجل أئمة المساجد في سجونها، وتفتح مواخيرها للسياح، وتُبِيحُ
الدعارة.
دعوة بن علي لـ«تجذير الهوية
الإسلامية»
دعا في كلامه إلى «تجذير الهوية الإسلامية الحقة، وردع نوازع الشر
التي تعمل على توظيف الدين للإجرام والإرهاب والتخويف»، فأي تجذير هذا الذي يعنيه
بن علي؟
عقلية الأنظمة الديكتاتورية
والرئيس التونسي في خطابه الافتتاحي إنما عبر عن عقلية الأنظمة
العسكرية الديكتاتورية التي تجثم على صدر الشعب في أكثر من بلد عربي، فهي ترى في
كل رأي مخالف لها تحديًا للدولة، وفي كل تيار منافس لها، وبخاصة إذا كان إسلاميًا،
تهديدًا لا يحتمل السكوت عنه. وتعتبر هذه الأنظمة كل صور التعبير عن الفكر
والثقافة خارج إطار النظام خرقًا للأمن وتقويضًا للمجتمع.
تلاقي المصالح وتحويل مسار المؤتمر
والتقت مصالح هذه الأنظمة في زج معضلاتها الداخلية ومعاركها مع
الإسلاميين في المؤتمر الذي أقيم في الأساس لخدمة الأمن وضمان الحريات وتثبيت
الاستقرار في العالم العربي. وفي حين طرحت دول أخرى كالسعودية موضوعًا مثل محاربة
خطر المخدرات، وكالكويت موضوع أسراها ومفقوديها، كانت هناك بعض الحكومات مثل مصر
وتونس والجزائر تريد عقد تحالف عربي ضد الحركات الإسلامية.
سؤال عن تطرف الحكومات
ألم يتساءل زين العابدين بن علي وحلفاؤه من العسكريين الحاكمين في
العالم العربي في مؤتمرهم عن تطرف الحكومات وأثره على الأمن والاستقرار في
أقطارهم؟
حين تحتكر الأنظمة العسكرية الديكتاتورية وسائل الفكر والتعبير،
وتطارد حريات الناس، وتطارد الدعاة المسلمين، وتطرد الإسلام وتعاليمه من مناهج
التعليم والإعلام، وتعلن الحرب على القرآن والشريعة الإسلامية، ويزعم أنَّهُما خطر
على الثقافة في بلدانهم، ألَيْسَتْ تلك الأنظمة أنظمة مُتَطَرِّفَةً وخطرًا على
الاستقرار؟
الحريات والسياحة في الدول العربية
حين تكون الحريات في تونس ومصر والجزائر هي للسياح الأجانب للعري على
الشواطئ، وتكون الثقافة وحرية التعبير في الفكر المستورد من الغرب، ويكون الإسلام
نقوشًا وزخارف في المساجد والمتاحف للفرجة...
ألا يكون الحاكم قد تطرف ضد عقيدة البلاد؟
أليس من التطرف فتح الخمارات ودور اللهو في تونس ومصر وبعض الدول
العربية الأخرى، ومحاربة الدعاة وزجهم في السجون، والاعتداء على حرمات الله
وأوامره بنزع الحجاب من على رؤوس المحجبات كما يفعل نظام بن علي؟
أليس من حق الشعب المسلم في تونس ومصر والجزائر وبعض الأقطار العربية
الأخرى التي تُذْبَحُ فيها الفضيلة، ويكون الزنا والقمار والخمارات جهارًا نهارًا،
أن يقوم بتغيير هذا المنكر بكافة الوسائل المشروعة؟
التطرف في إباحة الحرام وتحريم
الحلال
أليست تلك الحكومات حكومات متطرفة بإباحتها للحرام وتحريمها للحلال،
ومحاربتها في أعمالها المنكرة للدين وأهله؟
فهل سارت هذه الحكومات على النهج الإسلامي وحاربت الرذيلة وأوقفت الـمُنْكَرَات،
واحترمت إرادة شعوبها، ثم واجهت أي نوع من المعارضة لِأَنْظِمَتِها؟
العنف حصاد للحرب الديكتاتورية
إننا لا نزعم بهذا التأييد لأي من أنواع الإرهاب، ولكننا نفهم ظاهرة
لجوء أفراد من الجماعات الإسلامية للعنف على أنه حصاد لحرب قديمة بدأت بشنها تلك
الأنظمة الديكتاتورية ضد الجماعات الإسلامية، حتى تراكمت نتائجها في النفوس، وتركت
عبر السنين إرثًا انتقاميًا ضد تلك الأجهزة البوليسية والقائمين عليها، يقوم به
الآن شباب متحمس يشعر بهذا الظلم والاضطهاد فدفع للتعبير عنه بهذه الطريقة.
محاربة النتائج لا الأسباب
إن الدعوة لمحاربة ما تسميه بعض وزارات الداخلية العربية «بالتطرف
الديني» هي محاربة للنتائج لا للأسباب، ومحاولة لوضع العربة أمام الحصان. فهذا
العنف المتفجر من خلال بعض الجماعات الإسلامية في بعض الأقطار ما هو إلَّا ردود
فعل لتطرف قديم ومتواصل مارسته السلطات وأجهزة القمع العربية ولا زالت ضد هذه
الجماعات. ومن العسير على العاقل أن يقتنع بأن رصاصة تصيب ضابطًا في البوليس
الجزائري أو المصري أو التونسي هي عنف وتطرف وإجرام، في حين يكون الإطلاق العشوائي
للنار في الأحياء الشعبية وترويع سكانها الآمنين من نساء وأطفال، والحملات الحربية
المنقولة بالهليكوبتر التي تحصد العشرات هو «إجراءات أمنية».
العنف يقوى في ظل الديكتاتورية
العلمانية
ولعله من غير المستغرب أن نجد أن ظواهر العنف من الجماعات الإسلامية
تنشأ وتقوى في الأقطار العربية التي تقودها حكومات ديكتاتورية علمانية متطرفة، في
حين يتراجع التوتر والنزعة للعنف باقتراب الحكومات بشكل أكبر إلى الدين، ونجد أن
العنف ينعدم ويحل محله التفاهم والتواصل حين تبرز الهوية الإسلامية للمجتمع كما هو
واضح في بعض الأقطار الإسلامية.
تطرف سياسي ضد الكويت
ولا يقتصر تطرف بعض الحكومات على تعاملها مع الإسلاميين فحسب، فتطرف
بعض الحكومات العربية سياسيًا وأمنيًا وتشنجها دفع أقطارها إلى المصائب والنكبات.
ووجدنا بأن بعض المتطرفين من الحكام العرب كانوا عونًا لطاغية العراق في عدوانه
على الكويت والخليج. وحتى في الأقطار التي لا ترتبط بعلاقات عامة مع العراق مثل
تونس والجزائر كانت حكومات هذه الدول تساند جريمة صدام سياسيًا وإعلاميًا، بل
و«تطرف» زين العابدين بن علي وحاربت سلطاته الوفد الشعبي الكويتي عندما زار تونس
لشرح وجهة نظره وإطلاع الشعب التونسي على حقيقة الغزو وآثامه.
خاتمة ونداء
إن هذه الأنظمة يجب أن ترفع أيديها عن شعوبها، وأن تمتنع عن الممارسات
المتطرفة التي تصف بها شعوبها، وتَقْضِيَ على الفساد والموبقات المنتشرة في
أراضيها، وإلا فإن العنف لا يولد إلا العنف، ولن تستطيع العلمانية ولا الأجهزة
القمعية أن تزيل دين الله أو تُطْفِئَهُ، ولن يجني عاقبة الظلم إلا أهله. ﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ
يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227).
صور التطرف الليبرالي