العنوان قبل أن تقع الكارثة الكبرى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995
مشاهدات 97
نشر في العدد 1139
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 21-فبراير-1995
أصبحت الكوارث التي تتوالى على الأمة منذ دخول بعض الدول العربية
مسيرة الاستسلام المشؤومة، والتي بدأت بكامب ديفيد في عام 1979م، لا تعد ولا تحصى،
بل أصبح تلاحق الكوارث يكاد يُنسي بعضها بعضًا، ولكن كارثة "تجفيف
الينابيع" التي أعلنها قبل سنوات أحد وزراء التعليم في إحدى دول شمال إفريقيا
تعد من أكبر الكوارث، حيث إنها ليست في حقيقتها سوى حرب مباشرة على الدين الإسلامي
وأصوله، ولم تكن سوى إشارة البدء لحملة منظمة ومرتبة لاجتثاث جذور الدين الإسلامي
من نفوس المسلمين، وصار هؤلاء يروجون عبر وسائل الإعلام بأن فهم الدين والتمسك به
أصبح تطرفًا، وإخراج الزكاة وأداء الصدقات هما درب من دروب دعم الإرهاب، أما
مقاومة المحتل وجهاد أعداء الدين فقد صارا إرهابًا يجب القضاء عليه وعلى القائمين
به، بينما أضحى الاستسلام والانهزام ومسايرة الأعداء والتنازل عن مقدسات المسلمين
وأراضيهم واقعية يجب القبول بها ومجاراتها، أما الخيانة فلم تعد لدى هؤلاء
المنهزمين سوى رأي أو وجهة نظر، ولم يعد تجفيف منابع التدين لدى الشعوب المسلمة
قاصرًا على تقليص البرامج الدينية ومنع محاضرات العلماء البارزين أو حذف تفسير
الآيات التي تتحدث عن اليهود من وسائل الإعلام الرسمية فحسب، وإنما امتد التجفيف
إلى المناهج الدراسية التي تهتم بها الأمم باعتبارها أساس التكوين والبناء العقلي
والنفسي للأجيال القادمة، فتم تغيير مناهج التربية الإسلامية، والتاريخ
والجغرافيا، والعلوم الأخرى بما يتوافق مع التوجهات الاستسلامية لدى بعض الأنظمة
العربية التي أصبحت تهرول مسرعة نحو العدو الصهيوني في سباق محموم يدمغ تلك
الأنظمة بالتواطؤ ضد شعوبها وهوية أمتها.
وأصبحت المناهج التعليمية القائمة في هذه الأقطار لا تهدف في النهاية
إلا إلى إخراج شباب عديمي الانتماء فاقدي الهوية الإسلامية والصلة القوية بدينهم
وأمتهم، وقد بذل اليهود جهودًا طويلة في هذا المجال، وأنشئت منظمات وجمعيات يهودية
برعاية أمريكية وأوروبية استقطبت بعض المثقفين والمشاركين في صناعة القرار في هذه
الدول حتى يكون لهم دورهم الأساسي في تغيير هذه المناهج وتهيئة الأجواء للهيمنة
الثقافية والفكرية والتعليمية في المنطقة، وليست الهيمنة الاقتصادية والعسكرية
فقط، وسبق لنا أن نشرنا على صفحات "المجتمع" تقريرين وثائقيين مطولين
بالأسماء والوقائع عن منظمة "المبادرة" من أجل السلام والتعاون في الشرق
الأوسط، التي تعمل تحت ستار "مشروع البحث عن أرضية مشتركة" لتنفيذ
المخططات الصهيونية في المنطقة، خاصة ما يتعلق بالمجالات الثقافية وتغيير المناهج
التعليمية، كما استطاع اليهود أيضًا أن ينفذوا إلى كثير من المنظمات الدولية من
أجل تنفيذ مخططاتهم، حيث دعت منظمة اليونسكو إلى ندوة ثقافية في ديسمبر 1993م وجهت
فيها الدعوة إلى كتاب ومثقفين من العرب واليهود وبعض الأوروبيين من أجل التمهيد
للتطبيع الثقافي في المنطقة، وقد سعت اليونسكو لإضفاء الجو السياسي على الندوة
لإيهام المشاركين بأن قراراتها التي استهدفت المجال التعليمي والثقافي هي قرارات
واجبة التنفيذ في الأقطار المشاركة.
ومع التغييرات الجذرية التي طالت كثيرًا من المناهج التعليمية لدى
الدول التي تسارع بالهرولة نحو العدو الصهيوني، فإن الكارثة الكبرى الآن هي التوجه
لتغيير المناهج التعليمية في كليات أصول الدين والكليات الشرعية في هذه الدول، وأن
هناك ضغوطًا صهيونية وجدت بعض التجاوب، الذي يتلخص في محاولة إماتة الدين تمامًا
في المجتمعات الإسلامية وتفريغ الكليات الشرعية من مناهجها التعليمية ومحتواها
العقدي، وإذا تم هذا ـ ونسأل الله ألا يكون ـ فإنها الطامة الكبرى والفساد الكبير،
فإذا كان القائمون على مناهج التعليم في هذه الأقطار من العلمانيين المنتقين
بعناية، فإن واجب العلماء أن يقفوا ضد هذه الكارثة التي يريد الأعداء من ورائها
ألا تبقي ولا تذر، وواجب الخيرين من أبناء هذه الأمة أن يقفوا في وجه تلك المؤامرة.
إن العلماء العاملين هم مصابيح الهداية في دياجير الظلام التي تحوم في
الأفق، وقد رفع الله مكانة العلم والعلماء في هذه الأمة وخصهم بالذكر والرفعة:
(يَرْفَعِِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)، (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، وإن الحرب الصهيونية العلمانية أصبحت الآن مباشرة على
العلماء الذين يعملون على رفعة دين الله ومناهجه، وإذا كان هؤلاء لا يجدون الآن من
ينصرهم في ظل التواطؤ العالمي على دين الله، فإن الله معهم؛ لأن من يُغالب الله
يُغلَب ولو بعد حين، وسوف ينقلب السحر على الساحرين: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: 227).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل