; رمضان... أيام العطاء ونفحات النصر | مجلة المجتمع

العنوان رمضان... أيام العطاء ونفحات النصر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996

مشاهدات 72

نشر في العدد 1184

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 16-يناير-1996

 تقبل علينا أيام لها في القلوب مكان، ولها في النفوس منازل، أيام خلدها القرآن وباركها الله سبحانه وتعالى أيام يزداد فيها العطاء، ويرفع فيها الدعاء، وتغفر فيها الذنوب، أيام تكثر فيها الصلاة ويفرض فيها الزكاة، ويقام فيها التهجد، أيام تتعلم منها النفوس الطاعة بعد الشرود والشفافية بعد القتامة، والخشية من الله بعد الجحود، وترد فيها النفس إلى فطرتها ردًّا جميلًا ولقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد، وتُعَدُّ للرسالة، وتؤهل للقيادة والقوامة على البشرية، لأن الصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، التي تستطيع في ساعات الشدة أن تصبر على شهواتها، وأن تنتصر على هواجسها، وأن تتنصل من الدنايا، فتكون في شبعها عابدة، وفي صيامها متبتلة، تستعلي على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها إيثارًا لما عند الله من الفضل والجزاء، وهل يهلك النفوس اللاهثة إلا ثقل المادة الطاغي، وبريقها الساحر، وحديثها اللعوب؟

 إن في الصوم العناصر اللازمة لإعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المرصع بالعقبات والأشواك، فالصيام عمل فيه ثواب، وطاعة لها جزاء، وعبادة عليها عطاء.

 رمضان شهر عظيم مبارك يصب فيه الخير صبا، فيه ليلة خير من ألف شهر، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدَّى فريضة فيما سواه ومن أدَّى فريضة كان كمن أدَّى سبعين فريضة فيما سواه، ومن فطر فيه صائمًا، كان مغفرة لذنوبه وعتقًا رقبته من النار، وكان له مثل أجره، أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار تنزل فيه الوحي، وانهمرت في لياليه الآيات، ونزلت فيه الرسالة، وبعث فيه النور، وبدا فيه الحق وتضايق فيه الباطل، وصدق الله العظيم ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة:185) إن رمضان كان فتحًا ونصرًا وعزًا وإعلاء ورجولة وتضحية وفداء، في رمضان ذاق المسلمون طعم النصر الأول في بدر، وخرج المؤمنون بسلاح الإيمان، وعُدة اليقين ودروع العقيدة، ومراكب الصبر، وزاد التقوى كله ولكن بعزم حديد، وبأس شديد، وإصرار عنيد، وقلب واثق، ونفس مطمئنة. 

وكان في رمضان فتح مكة بعد عناد طويل وضلال كبير، هوت نفوس الشرك الذليلة تحت أقدام الإيمان المنتصر، والإسلام المرفرف والعقيدة الخفاقة حين يقول الرسول لهم: «ما تظنون أني فاعل بكم»، فيقولون: أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول عليه الصلاة والسلام «أقول لكم كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

 رمضان الدعاء الطاهر واللسان الذاكر، والقلب المسبح، والرحمة القريبة، والدعوة المستجابة والعطاء الغامر والتجليات المنهمرة، والنور المحيط والقرآن الداوي، والآيات المحلقة، والذكر الحكيم ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة:186)، فهل يستجيب المسلمون؟ وهل يؤمنون حتى يكون الرشاد؟ أم يتسرب الخير ويتلاشى الفضل، ويضيع الزمان ويرجع الناس بالبعد والحسرة، والحقيقة أن الأمة الإسلامية في حاجة ماسَّة إلى قراءة الإيحاءات الرمضانية والنفحات الإيمانية في هذه الأيام التي تشرذمت فيها العزمات، وتبددت فيها الجهود في حاجة أن تتزود فيه بالتقوى، وتتسلح فيه بالإيمان، وتتنادى فيه بالكفاح، وتتخلى فيه عن الوهن والقعود والضلال، في حاجة أن تمد لله يدًا، وتتصل بالقرآن نفسًا، وتأخذ من الرسول عهدًا، وتقتدي بالرجال عزمًا وطريقًا.

 إن في رمضان من القوة ما كان بعثًا لأمة، وبدءًا لرسالة، وعطاء لخير كتاب، وأفضل

 هَدْي، وأجمع رسالة، استفادت به الأمة الإسلامية لما أرت الله من نفسها خيرًا، وسارعت إلى تلقي الفضل الإلهي بحب وإقبال وتعشق، فطهرت بعد ضلالة، وعزت بعد ذلة وصدق الله ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال:26)  فهل تستعد النفسية الإسلامية في هذه الأيام للتلقي عن رمضان، والأخذ بالهداية؟ إننا من هذا المنطلق الكريم نوجه دعوة مخلصة لوسائل الإعلام بأن تعزز الصيام في نفوس المسلمين، وتبتعد عما هو محرم من أفلام خليعة ومسرحيات هابطة، ونقل خارجي محرم، وعلى وسائل الإعلام أن تحترم المسلمين في هذا الشهر المبارك، وفي كل شهر، وألا تُدخل عليهم من المنكرات ما تتعرض فيه لسخط الله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24) 

الرابط المختصر :