; المطلوب: التزام عقائدي في كل ما تملكه منظمة التحرير | مجلة المجتمع

العنوان المطلوب: التزام عقائدي في كل ما تملكه منظمة التحرير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1984

مشاهدات 70

نشر في العدد 653

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 10-يناير-1984

بعد خروج ياسر عرفات من طرابلس وزيارته للقاهرة كثر الكلام حول مرحلة جديدة للعمل الفلسطيني ومستقبل الشعب الفلسطيني، إضافة إلى قدر كبير من (العقلانية) تتسم بها مواقف وتصريحات عدد من المسؤولين العرب بمن فيهم ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، مما أدى إلى خلط أوراق يسيطر على المنطقة، وينبئ بتحولات جذرية في المواقف إزاء إسرائيل والقضية الفلسطينية. 

     وبما أننا نفضل البقاء بعيدًا عن المعركة الكلامية الدائرة، واختلاط الأوراق والمواقف؛ لأننا نصدر عن موقف مبدئي إزاء قضية فلسطين، وليس عن موقع سياسي، فإن ما نود قوله بأن المسار الطويل الذي تعثرت فيه القضية الفلسطينية، سواء في أروقة الأمم المتحدة، أو خلف كواليس جامعة الدول العربية، أو في مؤتمرات القمة العربية، وحتى عبر (نضالات) فصائل الثورة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير، هذا المسار الطويل كان يقود إلى نتيجة حتمية، تؤدي إلى النتائج التي وصل إليها العمل الفلسطيني، والإحباط الذي يعانيه الشعب الفلسطيني وخيبة الأمل التي يحس بها كل عربي ومسلم عندما يرصد (الواقعية) الجديدة التي تحكم المواقف العربية، واستبدال الحل السياسي بكل ما عداه خلال التعامل مع القضية الفلسطينية.

     لا نريد هنا إلقاء اللوم على المتساهلين، وإعفاء المزايدين المتطرفين؛ لأن الجميع يشتركون في المأزق الذي وصلنا إليه، ولعل المراقب يصاب بالدهشة عندما يلاحظ أن الذين يطالبون بعودة مصر إلى الصف العربي هم أنفسهم الذين عزلوها، مع أن كامب ديفيد ما تزال كما هي، وأطماع إسرائيل لم تتبدل، واغتصابها لحق الشعب الفلسطيني يزيد يومًا بعد يوم، وفي الجانب الآخر نلاحظ أن الذين ينتقدون الخط السياسي لياسر عرفات هم أنفسهم الذين خرجوا معه من بيروت في أغسطس (آب) ۱۹۸۲، وهم الذين حاصروا مقاتلي (فتح) في البقاع، ثم دفعوهم إلى طرابلس وشمالي لبنان ليقصفوا المخيمات، ويحاصروا طرابلس إلى أن خرج منها عرفات وجنوده على سفن يونانية وبحراسة فرنسية، كما خرج من بيروت بعد حصارها من قبل إسرائيل.

     الفئة الوحيدة التي لم تفاجأ بكل ما يدور على الساحة العربية الآن هم المسلمون؛ لأنهم أدركوا في وقت مبكر مواقف الأنظمة من القضية، وأنها ما تركت الثورة الفلسطينية تعبر هذه المرحلة الطويلة من مسارها إلا من أجل تبرر تخاذلها عن استرداد الحق العربي في فلسطين، ومن أجل أن تقدم لجماهيرها منجزات صنعتها الثورة الفلسطينية كبديل عن المعركة الحقيقية مع إسرائيل، صحيح أن (مرونة) حركة المقاومة الفلسطينية جنبتها مواجهة مبكرة مع الأنظمة، وقدرتها على المناورة جعلتها تعبر حواجز الأنظمة وعوائقها، ولكن بعض الأنظمة كانت أقدر على الكيد والمناورة، فقد تركت منظمة التحرير تصعد إلى القمة ليكون سقوطها أشد دفعًا وأكثر إيلامًا، لها وللجماهير التي تعلقت بها، وهذا كان واضحًا كل الوضوح في رؤية الحركة الإسلامية، لذا فهي لم ترض أن تتخلى عن مبدئيتها والتزامها العقائدي من أجل تمويه الصورة، أو تمريرها كما فعل الآخرون، لأن النتيجة كانت واحدة، صحيح أن الحركة الإسلامية ضربت في وقت مبكر، وحرمت إمكانية (العبور) الذي نجحت في تحقيقه (فتح) وروادها الأوائل، ولكننا نرى أن (فتح) بعد رحلتها الطويلة خسرت القضية، وخسرت نفسها، وعاد الشعب الفلسطيني إلى نقطة الصفر أو ما هو دونها. 

     يقولون بأن المواجهة مع إسرائيل ليست أمرًا عاديًا، وأن تفوق القدرة العسكرية الإسرائيلية وشبكة مخابراتها جعلا من العسير تحقيق أي تقدم على مستوى تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا صحيح بالقدر الذي تعجز فيه حركة المقاومة عن توفير عقائدية المعركة وصلابة رجالها، ولو جندت حركة المقاومة الفلسطينية طاقاتها المهدورة في الصراعات الجانبية، ووظفتها في مواجهة إسرائيل لاستطاعت أن تحقق إنجازات أكبر في كل الميادين ضدها، ولقد أثبتت حركة المقاومة الوطنية (أو الإسلامية تصحيحًا) في لبنان أنها بإمكانات محدودة نسبيًا استطاعت تركيع إسرائيل واستنزافها عبر مواجهة طويلة قاسية، حملتها على تحقيق انسحابها الأول في (٦) سبتمبر الماضي من جانب واحد ودون شروط، وهي تحملها على أن تنفذ انسحابًا آخر من جانب واحد كذلك قريبًا -إن شاء الله- إلى عمق يطول، أو يقصر نحو حدود فلسطين المحتلة، وبرهنت المواجهة في لبنان كذلك أن الجندي الإسرائيلي جبان، يفر من أية مواجهة مكشوفة مع الآخرين، وأن الوصف القرآني لليهود في قتالهم هو ما يعبر عن واقعهم خلال مواجهاتهم ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (الحشر: 14).

     ليس معنى هذا أن يتخلى العرب -خلال مرحلة عجزهم وعدم امتلاكهم لمقدراتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية- عن التخطيط السياسي والجهد الدبلوماسي في مواجهة إسرائيل، لكن هذا لا يمكن أن يكون مهمة منظمة التحرير الفلسطينية، وإلا فلمن تتخلى عن المقاومة المسلمة وتحرير فلسطين؟ إن كان ذلك للجيوش العربية فينبغي أن تكون هي طليعتها أو على الأقل قوة استنزاف دائمة لإسرائيل، بحيث لا تشعر بالاستقرار، قد يكون في ذلك مواجهة مع هذا النظام أو ذاك، أو أن الأمر سوف يستدعي عدم ملاءمة للخط السياسي الذين تعتمده الأنظمة العربية كلها إزاء القضية الفلسطينية، وهذا أمر محسوب يجب التعامل معه بواقعية لا بلولبية، وهو الجدار الحقيقي أمام أي حركة جادة للمقاومة تريد التعامل مع القضية الفلسطينية.

     بعد هذا الاستعراض، ليس المهم التلاوم أو إلقاء اللوم على الآخرين، سواء كانوا حركات أو أنظمة؛ فذلك لا يقدم شيئًا جديدًا إلى القضية، لكن المهم هو أن نقف على أول الطريق الصحيح من أجل بلوغ الهدف الذي نسعى إليه، وهو تحرير فلسطين واستعادة حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، ومن خلال موقعنا الإسلامي فإننا لا نرى بديلًا عن اعتماد الانهزام العقائدي في مواجهتنا مع إسرائيل، وفي أية مواجهة يخوضها المسلمون، قد يستدعي ذلك إعادة نظر أساسية في كل شيء تملكه منظمة التحرير الفلسطينية، وبعدًا عن واجهات السياسة وأضواء الإعلام، ولكنه الطريق الصحيح والمؤدي إلى فلسطين طال الزمن، أو قصر، وافقت القوى الدولية والأنظمة الحاكمة، أم لم توافق.

     لا نقول هذا الكلام لنلقي بمسؤولية التحرير على منظمة التحرير أو سواها، ونكتفي بالتنظير والانتظار، ولكنه مسؤولية مشتركة نحملها جميعًا، ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (الصافات: 61)، ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (المطففين: 26).

الرابط المختصر :