العنوان الحنين وسط التيه إلى الهجرة من جديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
مشاهدات 71
نشر في العدد 640
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
وسط تيه الجاهلية الجديدة الذي تتراكم فيه صنوف المظاهر المادية متزاحمة ينهش بعضها بعضًا، تضطرب الحياة وتتكشف عن أدران خبيثة، ويضيع الإنسان ويغرق في ظلمات فوقها ظلمات، وسط هذا التيه من ظلمات القرن الأخير، شاء الله سبحانه أن يشع قبس من نور الإسلام في قلوب كابدت وصابرت، وهي تحن إلى بعث إسلامي شامل يعم هذا الكون من جديد.
تلك هي القلوب المؤمنة التي أسلمت أمرها لمشيئة الله تتطلع إلى نصره وتترقب رحمته، لأنه وليها الذي لا ينجيها من هذا التيه المظلم غيره: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
إن هذه القلوب المؤمنة تقف اليوم أمام ذكرى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وهي تسترجع ذكريات هذا الحدث العظيم الذي بعث الحياة في الكون، متطلعة إلى بعث إسلامي مشابه يعود بالمجتمع الإسلامي إلى منابع العقيدة الصافية وظلال الشريعة الوارفة، ويظل حدث الهجرة ماثلًا في تلك القلوب، يملؤها غبطة، ويدغدغ مكامن الحنين فيها إلى حدث عظيم، يخترق تيه هذه الجاهلية، ويكشف ظلمات الحياة ويستأصل الأدران التي تلوثت مجتمعات العالم المسلم بأوبائها.
وإذا كانت هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب هي الحد الفاصل بين مرحلتين، حيث قامت دولة المدينة الإسلامية وحكمت شريعة الله في الأرض، فإن المجتمعات المسلمة اليوم تمتلئ حنينًا إلى تجاوز الحد الفاصل باتجاه تحكيم الشريعة الإسلامية وإقامة حكم الله في الأرض.
إذا ما أحوجنا- أيها المسلمون- اليوم إلى الهجرة؟ ما أحوجنا إليها بدرسها وعظاتها وتضحياتها ومغزى الإصرار فيها على إقامة حكم الله في أرضه.
إن معاني الهجرة ترفرف اليوم على مجتمعاتنا، معبرة عن نفسها في رغبة المجتمع المسلم بالانسلاخ من كل أشكال هذه الحياة المادية التي شدت الأمة حقبة طويلة إلى الأرض.
وإن معاني الهجرة تعبر عن مضامينها في نفوسنا برفض كل البرامج اللا دينية والسياسات العلمانية التي لا نرضى بها بديلًا عن البرنامج الإسلامي الناصع والدستور الإلهي الحق.
وإن معاني الهجرة التي دفعت المسلمين الأوائل إلى رفض الوصايات الكافرة، وصاية الشرك والإلحاد، ووصاية اللات والعزى وهبل، ووصاية أبي جهل وأبي لهب، ووصاية كسرى وقيصر.. هذه المعاني هي التي تدفع مجتمعاتنا المسلمة اليوم إلى رفض كل الوصايات الجديدة التي تتلون في كل مناسبة بلون، والتي لا تخرج- بحال من الأحوال- عن مبادئ الوصايات الكافرة الأولى التي حطمها حدث الهجرة العظيم.
وإن معاني الهجرة التي دفعت جموع أهل المدينة للمشاركة في الحدث الهائل واستقبال الدعوة وحمايتها ونصرتها هي نفسها اليوم تدفع بجموع المسلمين في كل مكان إلى ترقب البعث الإسلامي، وهو يخوض معركته مع الرموز والوصايات الكافرة في أفغانستان، وفي سوريا، وفي مصر، وفي فلسطين المحتلة، وفي كل قطر للمسلمين استعلى فيه الإلحاد واستكبر.. إن جموع المسلمين في أنحاء العالم كله تشارك أهل المحنة محنتهم، وتنتظر أن يبزغ البدر وسط الظلام لتعيد نشيد الأنصار:
طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
إن في الهجرة -أيها المسلمون- معاني عظيمة ودروسًا بليغة تدفعنا اليوم إلى اقتفاء أثرها ونحن نتطلع إلى بعثنا الإسلامي الشامل، ولعل تطلعنا هذا لن يغفل الالتزام بمبادئ أساسية مطلوبة اليوم، حيث لا يستغنى عن واحد منها أبدًا وهي:
١– وحدة الصف المسلم أمام صنوف القهر الذي تمارسه الوصايات الكافرة على بعض المجتمعات المسلمة، ومد يد العون والنصرة إلى كل المستضعفين في بلدان العالم الإسلامي.
٢– وضوح المنهج والتزامه كاملًا بأمر الله الذي نزل في كتابه وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
٣ – تحديد الوسيلة والهدف، بحيث لا تتداخل الأمور وتختلط الرؤية على المسلم فيتعثر ثم يضل ويتيه.
٤ – ترسيخ أصول الود والمحبة والرحمة والتسامح في القلوب، وهذا أدعى إلى قيام البنيان الواحد المتكامل الذي يشد بعضه بعضًا.
٥ – مفاصلة الكفر البواح في عقر داره، بحيث لا تأخذ المسلم في عزيمته مكرهة أو مكربة.
٦ – ابتغاء وجه الله بنية خالصة لا يبتغي المسلم من ورائها إلا مرضات الله وتلبية دعوته، متجردًا عن كل هوى له أو وجهة يتوجه بها إلى غير الله.
تلك هي المقدمات والمبادئ، ولعل الحركة الإسلامية في عالمنا الإسلامي ليست بغافلة عن لزوم هذه المبادئ الأولية لجندها، لأنها روح العمل والحركة، وأساس البناء الإسلامي ومرتكز قاعدته، وهي المبادئ التي التزم بها أهل الهجرة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتصروا وظفروا، وفتحت لهم أبواب النصر على مصاريعها، حتى دانت لهم الأرض بمن فيها في عمر قصير وها نحن -أيها المسلمون- نعيش اليوم ذكرى الهجرة.
ولن ينقذنا من التيه المظلم في هذا القرن إلا استلهام ذلك الحدث العظيم واقتفاء أثره، وعندها تسقط كل الأوثان كما سقطت أوثان يثرب ومكة أمام صلابة المبدأ الإسلامي الخالد.