العنوان الافتتاحية- العدد 586
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
مشاهدات 78
نشر في العدد 586
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
بيضة ريغان في قمة فاس
مثلما تلد الكلبة بعد مخاضها العسر جروًا يشبهها تمخضت السياسة الأمريكية بعد أكبر عملية جراحية قامت بها إسرائيل في لبنان عن (مسخ جديد) يشبه وجهها القبيح أرسلته إلى العواصم العربية عبر رسالة ريغان إلى صديقه العزيز بيغن قبل انعقاد القمة العربية بأيام قلائل.
* * *
آخر جلسات الإخصاب:
وقبل أن يضع (ريغان) ألوان التجميل الصاخبة على وجه المسخ الأمريكي الذي فقست عنه البيضة الأخيرة، وضع كلتا يديه على قرني البقرة العربية من (طرفين).. لتكتمل رتوش المسخ في عملية التجميل، وليبرهن بعد ذلك أن الأمريكي ماهر في لعبة الترويض.. ولتذهب- من ثم- البقرة العربية إلى مؤتمر فاس بلا قرون!!!
في هذا السياق يؤكد المطلعون على أن هنالك حقيقتين دخلتا في أواخر جلسات الإخصاب هما:
1- استضافة رفعت أسد الساعد الأيمن لرئيس النظام السوري في واشنطن وهو من أهم الرؤوس المعنية بالمشروع (المسخ) الجديد.
2- جولات (واينبرغر) وزير الدفاع الأمريكي الأخيرة في بعض العواصم العربية (سرًا وعلنًا) انطلاقًا من المرتكز المصري حيث (فروخ) الكامب متهيئون لتلقي (الفقس) الأمريكي النتن.
* * *
المقدمة المأساة
لم يشأ رونالد ريغان أن يبكر في طرحه لمشروعه الأخير.. فالتوقيت له شأن كبير في لعبة الترويض... كذلك لم يشأ حكام العرب أن يلتقوا بعد (فاس) الأولى.. فالفؤوس معلقة على (التيار السالب) تنتظر (الكهربة الأمريكية) المتأخرة.. والتي وصلت أخيرًا ضمن مشروع ريغان حيث كان هذا الأخير ينتظر أن تنتهي المعاول الإسرائيلية من وضع المقدمات اللازمة في لبنان.. والتي اقتضت:
1- اكتمال وضع الرأس الفلسطيني حتى الرقبة بين فكي الوحش المفترس.
2- وضع السكين على وريد الشعب العربي كله، والوصول بأنفاسه إلى حالة نفسية مرهقة من (اللا شهيق واللا زفير) وموت اللفظ على اللسان.. وانعدام الكلام.
3- تحقيق نسبة من حرية الحركة للذاهبين إلى فاس.. ونسبة أخرى من (المزايدة) للمضربين عنها حتى تتعادل الكفتان أمام ضابط الميزان الأمريكي الذي وضع مشروعه بين الجهتين اللتين ستطرحان جانبًا كل المشاريع الأخرى وتعدلان إلى الإنفاق (بتحفظ أو بلا تحفظ)!!! على مشروع ريغان..
وهكذا فعلت المقدمة المأساة ما فعلت.. كوليرا الموت في لبنان!! وحمى اليأس التي يراد من أورامها أن تستشري في الجسد العربي.. وعلاج ينادي به الحكام مديح من مصل الموت وحمى اليأس!
* * *الثوب الجديد:
عندما قال ريغان إنه سيفرض مشروعة بالقوة.. بدأ بعض الذاهبين إلى فاس يغنون الأغنية الأمريكية التي يرقص على موسيقاها البقر أثناء الترويض.. وزعموا وهم يتوجهون إلى صالة فاس الثانية أن المشروع تميز هذه المرة (بالجدة والجدية) نقول هنا لأولئك:
- أما الجدة.. فلا يعتقد بها من قرأ مبادئ السياسة الأمريكية.. ولا يصدقها من اطلع على:
1- قرار الأمم المتحدة رقم 242 الذي ينص- كما نص ريغان- على الاعتراف المتبادل بين العرب، ولا سيما الفلسطينيين، وإسرائيل.
2- كامب ديفيد التي نصت على مسألة الحكم الذاتي وإنشاء مجلس له ضمن فترة تمتد خمس سنوات تجري خلالها مفاوضات لتحديد الشكل النهائي للضفة وقطاع غزة.. وهذا ينص عليه مشروع ريغان أيضًا..
3- الخيار الأردني الذي يعتبر أهم برنامج تقدم به اليهود.. وكان قد طرحه تجمع المعراخ حيث قنن فقراته وبنوده شيمون بيرز ومساعدوه.. وتقتضي تلك البنود حكمًا ذاتيًا للفلسطينيين مع اتحاد فدرالي مع الأردن. وهو ما طرحه ريغان نفسه.
وهكذا يبدو مشروع ريغان مسألة قديمة الطرح غطيت بألفاظ جديدة... لأن الوجه القبيح لا بد أن يغطي دائمًا ببعض أدوات التجميل.
- أما الجدية.. فماذا عنها؟
إن الجدية الأمريكية في ذهنية بعض العرب تجمعت في لفظ (القوة) الذي استخدمه ريغان هكذا استوحى بعض (شاهات) العرب الذين يريدون من شعوبهم الإيمان بأن رونالد ريغان هو (أيزنهاور) الذي أوقف العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 لتضع الرجل الأمريكية أقدامها مكان أقدام أوروبا على أرض العرب!!
* * *
أمن إسرائيل:
لعل استقراء مشروع ريغان الأخير من خلال تكوينه لمبعثرات المبادرات السابقة يؤكد أن المشروع يراعي نظرية الأمن الإسرائيلية بتأكيده على ما طرحته جهات سياسية يهودية ضمن الخيار الأردني.. ولو ساءل بيغن في حالات تشنجه صديقه ريغان عن ضمانات النظرية الأمنية فلا بد أن يكون الجواب ما كتبه الرئيس الأسبق كارتر في آخر مقال له:
(دمار القوات الفلسطينية، تشتيت قادتها، توقيع المعاهدة مع مصر، معاهدات أخرى، مشروعية عربية للوجود الإسرائيلي، زيادة كفاءة القوات الإسرائيلية).
وإذا تشنج بيغن تشنجًا إضافيًا فإن الجواب سيكون عبارة أطلقها كارتر ويكررها الآن ريغان..
(إسرائيل بلد الشجعان وقد وجدت لتبقى)
* * *ماذا بقي للقمة؟
لقد كان أطراف القمة تمثل دور المنشغل بنفسه أو بجيرانه طيلة الشهور الماضية وإلى جانب ذلك كانت تتفرج على لبنان وتنتظر نتائج أخطر عملية جراحية لأمريكا وإسرائيل في المنطقة.. حتى إذا خلص المخاض وخلص الزعماء مما هو فلسطيني في لبنان.. لم يبق لهم إلا رسالة ريغان التي أرسلها إلى عزيزه بيغن فتلقفوها نيابة عنه.
هذا ما بقي للقمة.
وإذا جاز السؤال الآن عن الشعب العربي المسلم. فإننا نقول:
إن كانت شعوبنا اليوم تعيش حالة مؤلمة من القرف بسبب ما هو جار.. فإنها لن تسكت على اللعبة لأنه لا بد من ساعة يغلي فيها الدم داخل الرؤوس... وعند ذلك سيعلن أن كل بصمات الحكام على مواثيق البورصة الأمريكية والإسرائيلية مرفوضة... وإن كل من يوقع على تلمود إسرائيل وأناجيل البيت الأبيض ستتلاصق بصماته مع بصمات سلفه أنور السادات.. وعندها فقط ستعيد مأساة القصور (الطاغوتية) نفسها ثانية.. ليستقبل السادات ضيوفًا جددًا من كامب ديفيد نيابة عن الشيطان!!