العنوان الافتتاحية العدد 136
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973
مشاهدات 14
نشر في العدد 136
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 06-فبراير-1973
·
للذين هَوَّلوا
مخططات الخصوم.. الهجرة ترفع راية الطمأنينة والثقة
·
لماذا
يخلع الناس على المخابرات الأمريكية.. أو المنظمات الصهيونية.. أو المخططات
الشيوعية.. صفة من صفات الله؟
المشفقون جدًا.. هولوا مخططات
الخصوم وأطالوا الحديث عنها -بلهجة يسيطر عليها الرعب- وعن عمقها.. ودقتها
وعَبْقَريّتها.
والمخذلون جدًا.. هولوا قوة
الخصوم.. وبالغوا في تصوير مخططاته.. وعظم حجمها.. وامتدادها.. وإحكامها.
ويختلف الموقفان بطبيعة الحال:
المشفقون فعلوا ذلك حرصًا على ما
بقي في الأمة من عافية.. وإمكانيات..
والمخذلون فعلوا ذلك.. كيدًا..
وإرهابًا.. وتثبيطًا وتخذيلًا.
ومع اختلاف البواعث والأهداف..
فالنتيجة واحدة.
النتيجة هي: إحداث «الهزيمة
النفسية» في ضمير الأمة وروحها.. حتى ترفع يديها بالتسليم في هلع، وإحساس باستحالة
النجاة مما يدبره الذين أثروا عداوتنا:
· المخطط الأمريكي الرهيب
· المخططات الصهيونية الجهنمية
· المخططات الشيوعية الخطيرة
· المخططات الصليبية المرعبة
هذا التصور.. أو هذا التقدير
المبالغ فيه.. تحول إلى وسوسة مخدرة عن العمل.. وإلى طيرة تنظر إلى المستقبل.. بلا
أمل.
تقارير مفتعلة تكتب عن سطوة
المخابرات الأمريكية.. وعن عبقرية الصهيونية في السيطرة والنفوذ... تكتب ثم تنشر
علينا لكي نخاف.. ونهلع.
وما تلبث الصحافة العربية.. وما
يلبث كتاب وزعماء.. وما يلبث بعض المخلصين أيضًا حتى يحملوا راية الوعي بمخططات
الخصوم.. والتحذير من التدبير الرهيب!
ولا تريد التقارير المفتعلة تحقيق
هدف أكبر من هذا الهدف!
ومجنون من زعم أو تصور أن الذين
أثروا عداوتنا أنهم يعملون.. بالغباء.. والارتجال.. والانفعال العاجل.
إنهم في حياتهم المادية والعملية
يستخدمون عقولهم.. فكيف لا يستخدمونها في تعاملهم معنا.. أو كيدهم لنا.
ولا ينكر أحد أن هناك سياسات
حاضرة ومستقبلية يعمل وفقها هؤلاء.
لكن المبالغة في التقدير، وتصوير
هذه السياسات بأنها «قدر» لا يقاوم.. ولا يغلب.. هذه النزعة جد قاتلة.. وجد بعيدة
عن الوعي.. والإيمان.
وماذا بقي لله.. إذن؟
إنه وحده علام الغيوب.. وهو وحده
الذي لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
لماذا يخلع الناس على المخابرات
الأمريكية.. أو المنظمة الصهيونية.. أو المخططات الشيوعية صفة من صفات الله؟
إن عمل هؤلاء الناس.. وتدبيرهم لا
يتم عن طريق الخوارق والمعجزات.. إنهم يستعملون عقولهم لا أكثر.. ويخلصون لقضاياهم
ومصالحهم.. لا أقل..
والله سبحانه قد منحنا العقول
التي يمكن أن تفكر وتدبر.. ومنحنا الأفئدة التي يمكن أن تخلص.. وتتجرد.
ولنضرب مثلًا: الأمريكيون رسموا
سياسات المستقبل لمصالحهم في منطقتنا هذه.. خاصة المصالح البترولية، وليس من
العسير فهم ذلك.. وليس من الصعب تصميم تدبير.. يقارعهم في الميدان نفسه؛ أمريكا
الآن تتعرض لأزمة وقود حادة، وتتعرض لمتاعب خلل كبير في ميزان مدفوعاتها،
والأزمتان في حاجة إلى حل بترولي.
فأمريكا لا تستطيع الاستغناء عن
الوقود.. هذا معروف، وبالنسبة للخلل في ميزان المدفوعات فهي تحتاج تمامًا إلى أن
تزيد صادراتها إلى العالم لمعالجة هذا الخلل، وزيادة الصادرات تحتاج إلى زيادة
الإنتاج، وزيادة الإنتاج تحتاج إلى قيام مصانع جديدة أو إلى زيادة ساعات الإنتاج
للمصانع القائمة.
وكل ذلك يحتاج إلى مزيد من
البترول.
أليست هذه نقاط ضعف لديهم.. ونقاط
قوة لدينا؟
وباستعمال عقولنا.. وبإخلاصنا
يمكن أن نرسم سياسات لا تقل دقة عن سياساتهم.
إننا نتعلم من هجرة الرسول -صلى
الله عليه وسلم -من مكة إلى المدينة.. هذه المعاني.
فلقد دبر المشركون طويلًا
ومكروا.. ووضعوا كل الاحتمالات المرئية في ثنايا خطتهم.. سجن الرسول.. أو قتله..
أو نفيه..
ولقد سجل القرآن الكريم هذا المكر
والتدبير: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ
يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ
خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).
هذا التخطيط.. أحبط ولم يتصوره
المسلمون قدرًا نافذًا.. ولا قضاءً لا يقام، بماذا أُحبط؟
أُحبط بالتوكل على الله.. فالتوكل
رؤية مجلوة في أحلك الظروف وتفاؤل مشرق.. في أقسى الأيام. وتعلق مطلق بالقوة
الكبرى بالله الحي القيوم. وتهويل مخططات الخصوم.. موقف لا تنقصه دقة التقدير فحسب
وإنما ينقصه أيضًا حسن التوكل على الله.
وأُحبط باستعمال العقل.. فتوكل
الرسول لم يمنعه من اتخاذ الوسائل الممكنة التي تفوت على المشركين أهدافهم.. فكتم
أمر الهجرة.. وإرباك خطة المشركين بجعل الإمام علي في مكان نوم الرسول، وتكليف ذات
النطاقين بتزويد الرسول وصاحبه بالطعام.. واللجوء إلى الغار واختيار المكان
المناسب -المدينة -مهجرًا؛ هذه كلها أسباب عقلية.. وعملية.
وأُحبط بالإخلاص.. الإخلاص
للقضية.. والدعوة والفكر والرسالة.. وولاة أمورنا اليوم يفتقدون إلى هذا الإخلاص
الحار لقضايانا وأمورنا.. فلا ينفع عقل بغير إخلاص.. إن الهجرة ترفع راية
الطمأنينة والثقة أمام الذين هولوا مخططات الخصوم.. وبالغوا في تقديرها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل