العنوان الصمت العربي تجاه ما يحدث للسودان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
يعكس الموقف العربي الصامت تجاه ما يحدث للسودان صورة من صور الانهزام والفوضى التي تمر بها الأمة العربية في الوقت الراهن، فمهما كانت أخطاء ومثالب النظام الحاكم في السودان لدى منتقديه، فإن السودان أولًا وأخيرًا جزء من الأمة العربية الإسلامية يرتبط بوشائج الدين والقربي مع العرب والمسلمين، ومن ثم فإن أي خطر يهدده هو خطر يهدد جزءًا من جسد الأمة، ولا تعتقد أن عربيًا مسلمًا يمكن أن يخالف هذا الرأي أو هذا التصور، لكن السودان الآن يتعرض لمؤامرة خارجية كبرى تستهدف بالدرجة الأولى تدمير عروبته وإسلامه، وتجويع شعبه، فقد أعلنت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في عددها الصادر في العاشر من نوفمبر الجاري نقلًا عن مسؤولين أمريكيين بأن الولايات المتحدة تزود أوغندا وإثيوبيا وإريتريا.
وهي الدول المجاورة للسودان من الشرق والجنوب بمعدات وأجهزة عسكرية لإعادة تأهيل جيوش هذه الدول، وقد اعتبرت السودان هذه المساعدات بمثابة إعلان حرب ضدها، لاسيما بعدما أكدت مصادر عديدة على أن الهدف من وراء هذه التجهيزات هو زعزعة نظام الحكم في السودان وشن حرب على السودان من عدة محاور بعدما فشل المتمردون غير المسلمين في الجنوب طوال السنوات الأربع عشرة الماضية في إنهاء الوجود الإسلامي في السودان، وقد جاء الإعلان الأمريكي في ظل تصريحات نقلتها وسائل الإعلام العالمية عن الرئيس الإريتري اسياس افورقي المعروف بولائه وعلاقاته الحميمة مع إسرائيل تحدث فيها عن مساعيه للإطاحة بحكومة السودان، وفي نفس الوقت بدأ قرار مجلس الأمن بفرض الحظر الجوي على السودان في الخامس عشر من نوفمبر الجاري والذي من المقرر أن تتبعه قرارات أخرى تهدف في النهاية إلى فرض حظر شامل على السودان وتجويع شعبه.
ويأتي هذا التحرك الأمريكي ليضع مصر في وضع حرج حيث أصبحت ليبيا محاصرة من غربها والسودان من جنوبها فيما أصبحت باقي الدول العربية التي يمكن أن تتمرد على السياسة الأمريكية عرضة للحصار والتجويع هي الأخرى, فالتهمة الموجهة للسودان بأنه يؤوي الإرهابيين الثلاثة المتهمين بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في يونيو من العام الماضي والتي تتخذها الولايات المتحدة ذريعة لهذه الحرب الشاملة ضد السودان سبق أن نفاها السودان مرارًا، وقدم وزير الخارجية السوداني اثني عشر دليلًا على براءة السودان من هذه الاتهامات في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع من أكتوبر الماضي، كما أن المتابع لهذه الأزمة منذ نشوئها يجد أن مصر كانت تصل في بعض المراحل إلى شبه قناعة ببراءة السودان من هذه الاتهامات حتى أن الصحف المصرية شبه الرسمية ومنها الأهرام، نشرت أكثر من مرة آخرها في ٢٦ سبتمبر الماضي أن المتهمين الثلاثة قتل أحدهم فيما الاثنان الآخران أحدهما في كينيا والآخر في أفغانستان وعلى هذا فكلما كانت العلاقات تبدأ في التحسن بين مصر والسودان سرعان ما كانت تصاب بانتكاسة مفاجئة مما يؤكد وجود طرف ثالث يضغط ويرفض حدوث أي تحسن في هذه العلاقات، وهو نفس الطرف الذي تحرك لإفساد الاتفاق الذي أبرم بين السودان وأوغندا مؤخرًا لتطبيع العلاقات بينهما حتى تظل السودان علاقاتها متوترة بكل جيرانها، ويظل هناك سبب قائم ومبرر لفرض الحصار على السودان وتجويع شعبه وشن الحرب عليه من كل جانب.
إننا لسنا هنا بمثابة الدفاع عن حكومة السودان ولكننا سواء اتفقنا أو اختلفنا مع نظام الحكم في السودان فإننا نحن العرب والمسلمين لن نختلف أبدًا على أن السودان جزء من الأمة العربية المسلمة وأن الشعب السوداني شعب مسلم له حقوق الإسلام والعروبة وأن السودان تمثل بعدًا جغرافيًا واستراتيجيًا لمصر العربية المسلمة يجب أن يدركه الجميع، وأن الحرب المفروضة على السودان في جنوبه منذ عام ۱۹۸۲م حتى الآن هي حرب عقائدية أطرافها معروفة وواضحة ولم تكن تستهدف الحكومة السودانية القائمة الآن والتي جاءت في عام ۱۹۸۹م، وإنما كانت تستهدف السودان الدولة العربية المسلمة التي تمثل مع الصومال البعد العربي الإسلامي في القرن الإفريقي، ومن ثم فإن التخاذل العربي الآن والصمت تجاه ما يحدث للسودان سوف يسبب الضرر للأمة العربية كلها، ولعل مصر من أكبر الدول تضررًا حيث أصبحت محاطة بدولتين محاصرتين هما ليبيا والسودان ومن غير المستبعد أن يصبح هذا هو العقاب الأمريكي لكل من يخالف السياسة الأمريكية من الدول العربية والإسلامية مستقبلًا، وذلك إن قبلت الدول العربية هذا المسلسل ولم تتحرك لإيقافه وحل مشكلاته وأسبابه داخل البيت العربي.
إن ما يحدث الآن هو عملية التفاف وتطويق للدول العربية، وذلك بعدما قامت إسرائيل -حسب مصادر الاستخبارات الفرنسية -بتسليح رواندا وبروندي وإريتريا وقيام الولايات المتحدة -حسب مصادر الواشنطن بوست- بتسليح أوغندا وإثيوبيا وإريتريا. ومن ثم فإن الدول العربية مطالبة الآن بأن تسعى لحل هذه المشكلة في الإطار العربي الإسلامي، وأن ترفض حصار أو تجويع الشعب السوداني المسلم، لأن الشعوب لا تؤخذ بجرائر الحكومات مهما كان السبب كما أن استمرار هذا الوضع العربي المتردي لن يجعل السودان آخر من يتعرض للحصار وإنما سيكون حلقة في سلسلة ربما تأتي على الشعوب العربية والإسلامية كلها إن ظلت بهذا التفكك وهذا الانهزام، فهل ستتحرك الدول العربية لكسر قيد هذا الحصار؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل