العنوان الافتتاحية: السلام في المفاوضات العراقية الإيرانية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1988
مشاهدات 65
نشر في العدد 881
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 06-سبتمبر-1988
أصدر الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كويلار قرارًا يوم الخميس الماضي يقضي بتعيين مندوب دولة السويد جامن الياسوف ممثلًا شخصيًا له ومشرفًا مباشرًا وبصلاحيات كاملة على المفاوضات العراقية- الإيرانية، وذلك عقب تبدد الآمال التي كان الأمين العام يبني على ضوئها بعض التقدم في استئناف اجتماعات ممثلي البلدين المتنازعين؛ لتجاوز نقاط الخلاف الرئيسية التي قد تسببت أصلًا في انقضاض اللقاء السابق يوم الأحد 27/8. ولقد صرح خافيير دي كويلار بأن المفاوضات سوف تأخذ أمدًا طويلًا، إذ أن الخلاف بين العراق وإيران ليس خلافًا محدودًا، وإنما هو خلاف تاريخي يمتد لسنوات وقرون. ومن جانب آخر طالب الدكتور سعدون حمادي وزير الدولة للشؤون الخارجية في العراق بأحقية الاستفادة المتساوية للعراق وإيران في وقف إطلاق النار، وطالما أن إيران بدأت بإعادة تشغيل موانئها فمن الحق أن يبدأ العراق بفتح موانئه والاستفادة منها في شط العرب المنفذ الوحيد له على الخليج، في إشارة لتعنت إيران تجاه تنظيف شط العرب وإصلاح خطوط الملاحة فيه ... ومن جانب ثالث فقد تقدمت العراق بعدة بلاغات ضد القوات الإيرانية لاختراقها وقف إطلاق النار على عدة نقاط في خطوط الهدنة؛ مما يهدد بخلق مزيد من الإشكالات تجاه السلام المرغوب فيه من قبل المنطقة والدولتين المسلمتين المتنازعتين.
نزاع الجدول:
وفقًا لقواعد القانون الدولي فإن قبول أطراف النزاع يقضي آليًا إلى تبادل أسرى الحرب دونما شروط تتصل بالمفاوضات التي تجريها أطراف النزاع لتأمين إحلال السلام، غير أن هذه القاعدة لم تجد سبيلها إلى النفاذ في النزاع العراقي- الإيراني؛ مما أثقل جدول المشاكل بمسألة لم تكن في التقدير الدولي ... وبالرغم من ذلك فإن مشكلة تبادل الأسرى ليست سبب النزاع الداعي إلى فض اللقاء العرابي- الإيراني، وإنما هناك نقطة مركزية تعتبر سببًا رئيسيًا في اتساع الشقة بين ممثلي البلدين المتنازعين ألا وهي المفهوم التفسيري للقرار 598، فإن العراق تحمل فهمًا شموليًا يحتم إقامة سلام دائم، بمعنى أن المفاوضات -التي أصر العراق منذ البداية على أن تكون مباشرة- يجب أن تشمل كل نقاط الخلاف الداعية لتجدد النزاع وحمسه بصورة نهائية؛ ولذلك طرح مندوب العراق طارق عزيز في الاجتماعات الثلاثة بنود الجدول العراقي للمفاوضات ومحتوية على الآتي:
1- وقف إطلاق النار جوًا وبرًا وبحرًا -ولكن حتى الآن لم تجد ضمانات كافية تحترم وقف إطلاق النار في البحر.
2- سيادة العراق الكاملة على شط العرب بعد أن ألغى طرفا النزاع اتفاقية الجزائر عام 1975.
3- تطهير شط العرب وإصلاحه أمام الملاحة.
4- تبادل الأسرى دونما شروط.
5- عدم التدخل في شؤون الغير.
6- الانسحاب من الأراضي المحتلة.
وفقًا للمفهوم العراقي فإن القرار يقضي بضرورة تأسيس السلام بفك نقاط الخلاف والنزاع وإزالة أسبابها.
ويأتي المفهوم الإيراني للقرار 598 بصورة محدودة خلافًا للمفهوم العراقي، فإيران ترى أن قرار وقف إطلاق النار لا يعني السلام، وفي هذا يقول علي أكبر ولايتي وزير خارجية إيران -وفقًا لأنباء كوتا-: «إن العراق يتصرف كما لو كان وقف إطلاق النار يعني السلام»، وعليه فإن إيران تفهم القرار في نطاق لجان تشكل وتعمل لتنسيق وقف إطلاق النار لجنة إشراف ومراقبة لعمليات الانسحاب للحدود الدولية وتبادل الأسرى ثم لجنة لتحديد المعتدي، ويقول ولايتي: «ولا مانع من طرح قضية تطهير شط العرب، ولكن يجب أن يكون هذا في حينه».
ومن هنا دب الخلاف في اجتماعات المفاوضات وتشعب نقاط التنازع بكل تاريخيتها وعمقها السياسي، ولعل أعقد قضايا النزاع يتمثل في أحقية سيادة العراق على شط العرب خاصة بعد أن فقدت اتفاقية الجزائر 1975 إلزاميتها، وتنصل إيران من الالتزام ببنودها في الوقت الذي أنشأت إيران مشاريع زراعية كبرى على ضفته الشرقية إبان سريان الاتفاقية، وهو ما يجعل إيران تزعم أحقيتها السيادية على شط العرب، وقد حاول خافيير بيريز دي كويلار بأن يتجاوز الطرفان مسألة شط العرب، ودعا إلى تبني قرار دولي يقضي بتدويل مياه شط العرب إلا أن العراق رفض بشدة هذا الاتجاه، مما يجدر الانتباه له بأن المفاوضات لم تحظ حتى الآن بجدول يحدد الأولويات؛ مما يجعل مناقشة المشاكل بصورة فردية لا تبشر بحسم فعلي وتتابع منطقي وزمني لها، وهو ما قد يحول المفاوضات بصفة مستمرة إلى طريق مسدود.
فرص التجاوز:
فيما يبدو من سير المفاوضات أنها لن تسير سيرًا حثيثًا، بالرغم من نوايا البلدين المتنازعين في إقرار حالة وقف إطلاق النار وتجديد المساعي من أجل سلام دائم وشامل، ومن البديهي أن تحدد المفاوضات نقاط اللقاء المبدئي وقضايا النزاع الأشد، وتضع الأولويات وفقًا لدرجة الاتفاق وأهمية المشكلة المتعلقة بنقطة الخلاف، وهو ما يستدعي ترتيب جدول بنود المفاوضات بصورة تدريجية، وبما إن المشاكل بين العراق وإيران ليست وليدة سنوات الحرب الثمانية الماضية، فلابد أن تتضافر المساعي الأولية لإزالة الأسباب المباشرة التي أدت للحرب وما نتج عنها من إفرازات، وبذلك تتحول قضايا النزاع إلى قسمين قصير وطويل المدى، وهو ما يقتضي أن يتقدم العراق بخطوة إيجابية موازية لخطواته السابقة في مبادرته لقبول القرار 598 وعدم تمسكه بالمفاوضات المباشرة ... مما يجعل جدول أعمال المفاوضات قابلًا لتجاوز حالة الركود الحالية والمتوقعة إذا سارت المفاوضات وفقًا للجداول المختلف عليها، والدعوة لإيجاد جدول متفق عليه لا يضير المبادئ العراقية المؤكدة لقيام سلام مشرف يتناسب وجهاد الشعب العراقي في تأكيد كرامته وعزته. وفي المقابل يجب أن تتوحد الجهود الدولية للضغط على إيران حتى تراعي التقاليد الدولية وقواعد السلام في مسألة تبادل الأسرى، وفتح المجال أمام الملاحة العراقية والحق الطبيعي في الاستفادة من موانئها على شط العرب.
السلام والمفاوضات:
سئل الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كويلار عما إذا كان توقف المفاوضات ووصولها إلى طريق مسدود قد يكون سببًا في تجدد القتال على الجبهة العراقية- الإيرانية، فأجاب بالنفي، وذكر بأنه ومساعديه يعملون الآن على مستوى الخبراء، ويواصلون جهودهم من أجل زيادة سرعة المفاوضات ... يبدو أن الأمين العام للأمم المتحدة محق فيما ذهب إليه، فإشارات النزاع في المفاوضات والخلاف الناشب بين طرائق الحلول المطروحة لا يؤدي بالضرورة إلى تجدد القتال لا سيما وأن الدولتين أمضتا وقتًا كافيًا في قبول قرار وقف إطلاق النار، كما يبين حرصهما على إقامة السلام وعدم اللجوء للحرب ... وبالرغم من إصرار الطرف الإيراني على مواصلة الحرب فيما مضى إلا أن النتائج التي حصل عليها لم تكن لتوازي ما قدم من تضحيات مما أورثه قناعة عملية بعدم جدوى حلول الحرب، هذا إن لم يكن أصلًا قد برهنت هذه الحرب شدة بلواها، وكل هذا النتاج يدعم بشكل مباشر قوى السلام ... والمسألة بالنسبة للسلام ليست في حدود النزاع العراقي- الإيراني فحسب، وإنما هناك عدة نقاط تحسب لصالح حالة الانفراج الدولي التي يشهدها العالم حاليًا، فتباشير السلام التي أطلت إشراقاتها على أشد مناطق العالم توترًا وحساسية توحي بأن وضعًا أكثر استقرارًا سوف يعقب أوضاع النزاع الدولي وحالات الحروب المدمرة ... فكما انقشعت سحب الحرب العراقية- الإيرانية، فإن خروج السوفيات من أفغانستان وانسحاب القوات الفيتنامية من كمبوديا والمساعي السلمية التي طرأت على مشكلة الصحراء المغربية والمشكلة القبرصية ومشكلة ناميبيا كل هذا يدلل على أن السلام العراقي الإيراني ليس بدعًا في عالم اليوم، بل هو حالة اتساق ضمن خط الانفراج الدولي التي عكف العملاقان روسيا وأمريكا على صياغته ووجدتا دعمًا واسعًا من الدول الأوروبية، ودونما إيغال في تلمس التحليلات الباطنية لقضايا العالم ومحاولات الرجم بالغيب، فإن السلام العراقي- الإيراني أو بالأحرى وقف إطلاق النار لم يأت هكذا فجأة، وإنما كانت هناك مواقف وتوجهات ومساع دولية فاعلة أدت إلى قبول إيران لوقف إطلاق النار ... صحيح أن القرار لكل من طرفي النزاع هو قرار تمليه السيادة في النهاية، لكن تبقى هناك عوامل دافعة ومحضة، ولهذا فإن مساعي السلام لا بد أن تتنامى، وإن ما ذاقته المنطقة والدولتان المسلمتان كافٍ في جمع أطراف الخلاف وتجاوز كل نزاع يقضي إلى تجديد الحرب ... فقط هناك حقيقة لا بد من التعامل معها وهي أن الحروب المتشابكة تخلف أوضاعًا أكثر تشابكًا؛ إذ الحرب لا تؤدي إلى حل الإشكالات وإنما تعقد سبل حلولها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل