; الافتتاحية.. الجزائر: الحدث ومستقبل التحولات السياسية في المنطقة. | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية.. الجزائر: الحدث ومستقبل التحولات السياسية في المنطقة.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1990

مشاهدات 66

نشر في العدد 972

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 26-يونيو-1990

تمكنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ من خطف الأضواء العالمية مرة أخرى، بعد أن حققت نجاحًا مدهشًا في الانتخابات البلدية والولائية، وإن كانت في المرة السابقة قد أثارت الانتباه إليها في المظاهرة المليونية وما صاحبها من انضباط في التنظيم واتساق مع حركة الشارع الجزائري، فالدهشة ما زالت تسيطر على ألسنة الإعلام العالمي عمومًا والفرنسي بصفة خاصة.

فالجبهة بكل المقاييس لا تزال في مرحلة النمو، فهي لم تشب عن الطوق حتى تتطلع لمقارعة الحزب الحاكم!

بهذه النبرة ظلت أجهزة الإعلام العالمي تصور تفاعلات الحركة الإسلامية في الجزائر. بيد أن الواقع فاجأهم حينما أعلن وزير الداخلية بأن الجبهة الإسلامية حازت على 65% من المقاعد في الوقت الذي تراجعت فيه شعبية جبهة التحرير الوطني إلى أقل من 25%، ومن ثم انطلقت الأصوات تعبر عن حجم الدهشة والذهول، فمن وزير خارجية فرنسا إلى باتريك سيل الصحفي الأمريكي، كلٌّ يجيش عما يحس.

 

فقد سقط في أيديهم على حين غرة، فمنهم من قال: «إن الإسلام حقيقة في الجزائر»، ومنهم من ألقى اللوم على جبهة التحرير، ومنهم من لمح إلى إمكانية العودة إلى الوراء وإحكام سيطرة جبهة التحرير، إضافة إلى استعداء الجيش عيانًا بيانًا والتفريط من ثم في الديمقراطية، والتي لم تعد محببة بعد أن ساقت الإسلام إلى سدة القيادة. وفوق هذا وذاك، تبقى جبهة الإنقاذ الإسلامية خيار الجزائريين المقدر، وتبقى قيادتها الإدارية المتمثلة في رئيسها عباس مدني، والذي أثبت مقدرة فائقة في التعامل مع الأحداث. وفي ذات السياق، لا بد أن تُحسب في إيجابيات العملية الانتخابية وقفة الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، والذي رشحته سابقة كهذه إلى مراقي القيادات التاريخية، خاصة إذا ما أكمل مشوار الديمقراطية والشورى حتى النهاية.

 

ويبقى الحدث في الجزائر واقعًا واستشرافًا وثيق الصلة بما يتفاعل في أجواء المنطقة العربية، وإن كان الغرب قد تخوف من أن يفاجئه الانبعاث الإسلامي من الشرق، فقد جاءه من شمال أفريقيا ومن الجزائر بالذات. الجزائر التي حرصت فرنسا على صياغتها على نمط غربي خالص، غير أن العقيدة الإسلامية كانت أكبر من أن تمحوها عداوات قرن ونصف.

 

إن حالة الاغتراب الفكري والعقدي التي مُنيت بها أمتنا العربية الإسلامية هي وحدها المسؤولة عن خطوط الاستغراب التي علت الوجوه. ولولاها لما خرج للوجود مصطلح «حزب إسلامي» على الإطلاق. فالإسلام هو عقيدة الأمة وشريعتها، وهو مبعث وجودها ومبرر رسالتها الحضارية. غير أن غزوات الصليبية الاستعمارية أبدلت بعض شعبنا وجل مثقفينا مسوحًا وأردية علمانية وصبغتها بمفردات الموضوعية والعقلنة حتى بدت أنموذجًا حضاريًا، أو هكذا بدا لهم، ونظرًا لظروف الاستلاب الفكري والحضاري التي سادت منطقتنا ردحًا من الزمن. فالمقام لا يتسع لتفاصيل أدوات وظروف وتفاعلات التبدل في قيم الأمة ومقاييسها، ولكن لا يسعنا إلا أن ننوه لما أفرزته تلك المرحلة من أوضاع مهترئة. فالأمة العربية في مجملها ما إن تخطت لحظة الاستعمار المباشر حتى دخلت في اختبار مواصلة النهج الاستعماري في الإدارة والتربية والثقافة والاقتصاد، ودونما تفكير في خصوصيات الأمة، وكانت هموم التحدي في شتى المجالات تسد على القيادة الوطنية الجديدة إمكانية استلهام الذات الحضارية، وبذلك أضحت الأمة ضحية لتلك الإدارة الفوقية، وانعدم التواصل بين الجماهير والقيادة مما أورث الإدارات الوطنية فشلًا ذريعًا في إحداث التنمية الاقتصادية وتمكين الاستقرار السياسي والأمني، وتداعت مقومات التقدم والنمو بشكل مخيف، وتولد عن ذلك تنامي المديونيات الخارجية، مما أثر بدوره في استقلالية القرار السياسي. وهنا بدأت الفجوة تزداد بين الإدارات السياسية وشعوبها، وغدت الدعوة إلى صياغة الحياة السياسية والثقافية والتعليمية وفقًا لعقيدة الأمة ودستورها الرباني سعيًا ملحًا، وإن تكاتفت ضده قوى داخلية وخارجية تريد أن تحجبه إلا أن نبض العقيدة يظل أكبر من أن تحجبه قوى بشرية.

 

فمنذ منتصف السبعينيات لمعت في سماء العمل السياسي بوادر الصحوة الإسلامية، وعلى المستويين الشعبي والرسمي، وعلى تفاوت بين دولة وأخرى، إلا أنها انطلقت تعيد للمنطقة نبضها وذاتيتها وتفردها الحضاري، وبرزت الحركة الإسلامية كطليعة أمامية رائدة في العمل الإسلامي، وفي كثير من بلدان العالم الإسلامي بدأت مبادراتها في الأخذ بزمام العمل السياسي في كل من السودان وباكستان ومصر وتونس، وخرجت بذلك من دائرة ردود الفعل إلى جدلية المبادرة. وإن كانت الثمانينيات قد استجمعت للحركة والوعي الإسلامي بعضًا من الدور المسلوب، فإن التحولات المستقبلية لا بد أن تصل تلك الجهود بثمارها المأمولة. فالأنظمة التي كانت ترتكز مبررات وجودها على تحقيق آمال الجماهير في التطور والوحدة والكفاية والعدل لم تصدق جماهيرها، بل إن تلك الأماني تحورت إلى أوضاع التجزئة والتخلف الاقتصادي وانعدام الأمن والعدل. وما عادت الجماهير تُغني من شعارات وأناشيد القومية العربية بوجهها العلماني الباهت، كما أن دعاوى الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية أمست هي الأخرى نمطًا من الدجل السياسي الذي لا يتولد عنه الأمن والاكتفاء الذاتي. ولهذا فالجماهير في التفافها حول العقيدة والتمسك بالفعاليات الإسلامية تلامس السطح السياسي بقوة، خاصة إذا ما أُتيح للجمهور أن يعبر عن نفسه وسط أجواء صحية ومعافاة، وهو بالضبط ما تم في السودان عام 1986 عندما بايعت فئة المثقفين والطبقة الحديثة «الخريجين» الجبهة الإسلامية القومية بنسبة 100% وأحرزت الجبهة الإسلامية وجودًا سياسيًا جعلها مركز الاهتمام وثالث كبرى الأحزاب السودانية. وذات الأمر حدث في مصر حيث كسب التحالف الإسلامي وطبيعته الإخوانية المركز الثاني بعد الحزب الحاكم (هذا بغض النظر عما صاحب الانتخابات من شوائب)، وهو ما تكرر أيضًا في الأردن حيث سجل الإسلاميون وضعًا متقدمًا، ولا يخفى في هذا المضمار التقدم اليومي الذي تكتسبه الحركة الإسلامية في الأرض المحتلة حتى تفردت حماس وزعيمها المجاهد المغوار أحمد ياسين بأمل الجماهير الفلسطينية والعربية في التحرير والكرامة.

 

إن انتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يأت من فراغ، فالجزائر التي تفجرت ثورتها التحريرية ذات المليون شهيد تحت راية الإسلام والتي رددت يوم الاستقلال: «يا محمد، مبروك عليك، الجزائر عادت إليك» لم تكن لتصبح مسخًا فرنسيًا مهما بالغ الفرنكوفيون في تزييف حقيقتها وصبوا من الأصباغ على وجهها. والجزائر كانت تعجم عيدان رجالها على مدى الثلاثين سنة التي أعقبت انتصار التحرير، وأبرزت مالك بن نبي مهندس الفكر الإسلامي التأملي وتبنت فكرته في «الملتقى الفكري» الذي رعاه الوزير مولود قاسم والوزير عبد الرحمن شيبان، وحتى الرئيس الشاذلي بن جديد لم يكن بعيدًا، فقد سبق له أن تولى رعاية العمل الدعوي في «اللجنة العليا للمساجد» وجاء من ثم د. عباس مدني والأستاذ محفوظ النحناح والشيخ بن سحنون. والجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تكن تجمع دراويش كما أراد الإعلام الغربي وتوابعه من الإعلام العربي أن يصوروها، وإنما هي تجمع النخبة المثقفة والمقتدرة تأهيلًا وحضورًا، شأنها شأن الحركة الإسلامية الحديثة في مختلف أنحاء المعمورة. فقد سقطت بفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ دعاوى عدم موضوعية الحركة الإسلامية وافتقادها للبرامج الإصلاحية العملية، فقد صاغت الجبهة برنامجها بما أكد ثقة الجماهير فيها. والجبهة والجزائر أضحتا إشراقة أمل في عودة الأمة إلى أصولها وأصالتها، وغدًا بإذن الله تتفتح الأبواب للعمل الإسلامي في ديار ما كان المراقبون يرونها. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم:4-5) ولن يقف المد بعد أن تدفقت طلائعه، أما يمينيو فرنسا ولوبون فقد خيب الله فألهم بعد أن تخوفوا منها في تونس فأتتهم تترى من الجزائر. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :