العنوان الاضطهاد والظروف المعيشية الصعبة أهم أسبابها.. «الهجرة» تهدد مستقبل آسيا الوسطى!
الكاتب فاطمة إبراهيم المنوفي
تاريخ النشر السبت 28-مايو-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1954
نشر في الصفحة 36
السبت 28-مايو-2011
- تدهور الأوضاع الاقتصادية أدى إلى هجرة ملايين المواطنين من طاجيكستان وقرغيزستان لكسب لقمة العيش
- لماذا لا يستثمر العرب بعض أموالهم في تلك الدول الصاعدة التي تقع في منطقة ذات أهمية إستراتيجية؟
- عشرات الآلاف من المسلمين «الأويجور» يفرون من «تركستان الشرقية» بسبب اضطهاد النظام الصيني لهم
تعكس الهجرة الكبيرة لمواطني دول آسيا الوسطى والقوقاز إلى روسيا وغيرها مدى تردي أوضاع الناس في هذه الدول، كما أن استمرار الهجرة من هذه الجمهوريات السوفييتية السابقة، التي لا يزال بعضها يخضع لأنظمة استبدادية حول هذه الدول إلى أنظمة طاردة لشعوبها، ولأن غالبية المهاجرين من الشباب وأساتذة الجامعات والعلماء، فإن هجرة العقول والأيدي العاملة تؤثر سلبًا على الاقتصاد والنمو في الدول الطاردة، ولها تداعيات على الوضع الديموجرافي وتؤدي إلى مشكلات خطيرة.
لقد أدت الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية في تلك الدول إلى هجرة الملايين؛ ففي «طاجيكستان» وحدها، اضطر ما يقرب من ١,٥ مليون مواطن أن يهاجر ويعيش خارج بلاده، كما أن نسبة المهاجرات من النساء ارتفعت في الآونة الأخيرة وأصبحت تشكل ثلث المهاجرين.
وفي «قرغيزستان» هاجر ما يقرب من مليون مواطن إلى روسيا وكازاخستان لكسب لقمة العيش، كما أدت الأزمة الأخيرة التي شهدتها البلاد إلى زيادة أعداد المهاجرين بنسبة 10%، كما ازدادت أعداد الروس المهاجرين من قرغيزستان أيضًا إلى روسيا خلال العام الماضي، في إطار برنامج الحكومة الروسية لمساعدة الروس «الذين تقطعت بهم السبل» في الجمهوريات السوفييتية السابقة.
المسلمون «الأويجور»
أما بالنسبة لـ «تركستان الشرقية» - التي تطلق عليها الصين اسم مقاطعة «سينكيانج» المحو هويتها الإسلامية وتنظر إليها على أنها مشكلة داخلية ولا تقبل بتدخل أي جهة خارجية فيها - فنجد أنها تعرضت الموجات كبيرة من هجرة الشعب الأويجوري المسلم إلى الخارج.. فبعد انهيار جمهورية «تركستان الشرقية» في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي وتدهور الأوضاع، هاجر الكثير من الأويجور إلى تركيا والمملكة العربية السعودية.
وفي عام ١٩٦٢م، فرّ أكثر من ٦٠ ألف أويجوري من بلادهم إلى الاتحاد السوفييتي السابق، وتحديدًا إلى كازاخستان.. كما أدت الإصلاحات في مرحلة ما بعد «ماو» في الصين وسياسة «الباب المفتوح» إلى هجرة المزيد من الأويجور.. وفي الثمانينيات، هاجر بضعة آلاف منهم إلى عدد من دول العالم واستقروا بها وعمل بعضهم مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
ومنذ أوائل التسعينيات، أصبحت «بكين» على بينة من قلق المجتمع الدولي المتزايد بشأن الاضطهاد العرقي الذي يتعرض له الشعب الأويجوري على أرضهم المحتلة، وأصبحت تضيّق الخناق على من يريد السفر إلى الخارج، ووضعت عوائق أمام استخراج جوازات السفر.
وعلى مدى العقود الماضية، أُجبر واضطر الآلاف من الرجال الأويجور إلى الفرار من بلادهم بسبب الاضطهاد والظلم من قبل النظام الصيني؛ ففر عدد كبير إلى قرغيزستان وكازاخستان وأوزبكستان، وتركوا وراءهم زوجاتهم وأطفالهم، ولا يستطيع الكثير منهم العودة إلى بلاده الآن؛ حيث تنتظرهم عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة!
واستقر معظم الأويجور المضطهدين في آسيا الوسطى؛ فاستقبلت كازاخستان نحو ٣٥٠ ألف مهاجر أويجوري، وورحبت قرغيزستان بحوالي ٥٠ ألفًا، واستقبلت أوزبكستان ٥٠ ألفًا آخرين.. وقد اندمج الأويجور المهاجرون تدريجيًا مع السكان المحليين، واشتغل معظمهم بالتجارة والأعمال الحرة في دول آسيا الوسطى، ولهم مساهمات كبيرة في الأعمال الخيرية والدعوية في الدول التي يعيشون فيها.
عواقب وخيمة
أما القرغيز والطاجيك وغيرهم من سکان آسيا الوسطى الذين هاجروا سواء إلى روسيا أو إلى كازاخستان، فيعملون في البناء والمطاعم والزراعة والصناعة وقطاعات أخرى، كما أن هناك أعدادًا كبيرة من أساتذة الجامعات والعلماء والأطباء هاجروا إلى روسيا وإلى بعض الدول الغربية.
وعلى الرغم من أن المهاجرين يقومون بإرسال عشرات الآلاف من الدولارات سنويًا إلى بلادهم، وهو ما يمثل قسمًا كبيرًا من الناتج المحلي في دولهم إلا أن للهجرة آثارا وعواقب وخيمة على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، ولكن نادرًا ما تُناقش آثار الهجرة على مجتمعات آسيا الوسطى.
عمل المرأة
يهاجر الكثير من الرجال، ولاسيما من القرى والمدن الصغيرة في قرغيزستان وطاجيكستان على سبيل المثال؛ حيث تنعدم إمكانيات الحصول على مصادر للدخل الذي يفي بالحد الأدنى من متطلبات الحياة، بحثًا عن العمل، والبقاء في الخارج لسنوات طويلة أو ربما إلى الأبد.. وهكذا تترك النساء في المنزل لإعالة أنفسهن، إضافة إلى الأطفال وكبار السن.
لقد تبدلت الأوضاع بعد التغيرات التي شهدتها تلك المنطقة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، والركود الاقتصادي والبطالة وغياب الرجال، وتلاشت الحدود الفاصلة بين عمل الرجل وعمل المرأة في آسيا الوسطى.. وامتهنت المرأة المهن التي هجرها الرجال، فعملت في البناء والحدادة والنجارة والزراعة ورعي الأغنام، وقيادة سيارات الأجرة والكهرباء والسباكة وغيرها.
وبسبب ارتفاع نسبة المهاجرين من الرجال، أصبح سكان بعض القرى والبلدات الصغيرة في دول آسيا الوسطى من النساء والأطفال وكبار السن فقط، الأمر الذي شكل صعوبة كبيرة للنساء وأدى إلى تعثر زواجهن خاصة في المجتمعات التقليدية.. فالكثير من الرجال الذين يهاجرون إلى روسيا على سبيل المثال لا يعودون إلى أسرهم، بل يفضلون البقاء في روسيا وإقامة أسر جديدة ويهجرون أطفالهم وزوجاتهم.
حالات انتحار
وبسبب غياب الوعي الديني والضغوط النفسية التي تتعرض لها النساء، ازدادت حالات الانتحار بينهن في بعض مجتمعات آسيا الوسطى ولا سيما طاجيكستان.. والواقع أن العديد من النساء غير قادرات على إيجاد وسيلة لمواصلة العيش ورعاية أطفالهن في ظل هجرة الزوج وزواجه من أخرى في روسيا.
كما ارتفعت أعداد النساء المهاجرات إلى روسيا لكسب لقمة العيش، أو الالتحاق بالزوج أو الأخ هناك.. وتقول «النور قادروفا» إحدى المهاجرات القرغيزيات: «لا أريد العودة إلى قرغيزستان، رغم أنه ليس من السهل العمل والعيش هنا في روسيا، ولكن ليس لدي خيار سوى البقاء هنا، وعائلتي تعتمد اعتمادًا كليًا على المال الذي أرسله من موسكو».
تعيش «قادروفا» في شقة صغيرة مكونة من غرفة واحدة مع عشر نساء قرغيزيات، وتعمل بائعة في أحد المحلات، وتحصل على راتب يعادل ألف دولار شهريًا ترسل منه حوالي ٦٠٠ دولار إلى عائلتها كل شهر.
غياب عربي وإسلامي: مما لا شك فيه أن هجرة العقول والأيدي العاملة من دول آسيا الوسطى تُعتبر من الأمور التي يمكن أن تسهم في انهيار المجتمعات على كافة الأصعدة.. وكما هي الحال في قارة أفريقيا التي يتجاهلها العرب ويهملونها ويتركون «إسرائيل» تتغلغل وتخترق أمنهم القومي من خلالها، وتمد يد العون للأفارقة الذين تعرضوا للاضطهاد، وترفع شعار «الدولة» الصديقة التي تستطيع أن تحقق التنمية وتصلح أن تكون نموذجًا يُحتذى به(!).
ولا يختلف الأمر كثيرًا مع شعوب آسيا الوسطى المسلمة التي لم تجد من يمد لها يد العون سوى اليد الصهيونية، بينما اقتصرت العلاقات مع العالم العربي على مؤسسات غير حكومية، ولا تتجاوز حدود العمل الدعوي غير المنظم.. وللأسف الشديد، ما كانت الظروف القاسية التي تعيشها شعوب آسيا الوسطى وموجات الهجرة هذه لتحدث لولا الغياب الكامل لأي شكل من أشكال التحرك العربي أو الإسلامي المدروس لمواجهة الفقر والبطالة والظلم والاضطهاد في تلك البقعة من العالم الإسلامي.
إن آسيا الوسطى بحاجة لمن يمد يده إليها، فلماذا لا يستثمر العرب أموالهم في تلك الدول الصاعدة التي تقع في منطقة ذات أهمية إستراتيجية؟
لابد من الإسراع في إبرام اتفاقيات اقتصادية وثقافية وعلمية وعسكرية ونفطية مع هذه الدول، وإقامة مشاريع تنموية فيها، وينبغي الاستفادة من الأيدي العاملة فيها بدلًا من جلب العمالة من دول شرق آسيا.
إذا نجح العرب، بما يربطهم بشعوب آسيا الوسطى من روابط ثقافية وتاريخية، في أن يجعلوها عمقًا إستراتيجيًا وحيويًا لهم، فإنهم سيفشلون المساعي الصهيونية لمحاصرة العالم العربي، أما إهمال العرب لتلك المنطقة فمن شأنه أن يُبقي فرص تلاعب الصهاينة بأمنهم قائمة.
(*) كاتبة عربية مقيمة في قرغيزستان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل