العنوان الاصطفاف الطائفي ومحاصرة العرب السنة.. سمة المشهد الانتخابي العراقي
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر السبت 24-ديسمبر-2005
مشاهدات 56
نشر في العدد 1682
نشر في الصفحة 28
السبت 24-ديسمبر-2005
قائمة الائتلاف: تمتلك السلطة والقوة ورضا قوات الاحتلال وأجهزة رسمية تابعة لوزارة الداخلية تحث الناخبين على التصويت لها
الأكراد يسعون لتحقيق أي مكاسب تضمن عدم تكرار المآسي التي عاشوها سابقاً
تدخل قوات الاحتلال في مناطق العرب السنة في العملية وتغيير النتائج لصالح أطراف أخرى.. محافظة ديالى مثالاً.
قبل الانتخابات تم إنهاك العرب السنة وقتلهم معنويًا بالعمليات العسكرية المتواصلة ضد مناطقهم.
شهد العراق أول انتخابات برلمانية منذ أمد بعيد لاختيار برلمانه، وقد جرت الانتخابات وسط تكتلات طائفية وبعد محاولات دؤوبة ومتواصلة لإقصاء العرب السنة عن العملية السياسية تمثلت في العمليات العسكرية العديدة ضد مناطقهم وعمليات الغبن والظلم التي جرت بحقهم بغرض إنهاكهم. وقد كان الاصطفاف الطائفي سمة مميزة للمشهد الانتخابي، حيث تمترست القوى الشيعية خلف المرجعيات الدينية.
فيما استغل أكراد العراق هذا الواقع الجديد لتحقيق أكبر قدر ممكن لصالح القومية متخلين بشكل أو بآخر عن البعد الطائفي الذي يجسدونه ويمثلونه في معادلة الوضع العراقي الراهن، فالمهم في نظر القيادة الكردية هو تحقيق المكاسب التي تضمن عدم تكرار الماسي التي عاشها الشعب الكردي على يد نظام الطغيان والظلم؛ بغض النظر عن خسائر متحققة وحتمية نتيجة التخلي عن بعدهم الطائفي، فيما أعرض العرب السنة طوال الفترة الماضية عن المشاركة السياسية بينما شهدت الساحة تحولات كبرى في غير صالحهم، مما دفعهم للمسارعة في خوض الانتخابات لإعادة الأمور إلى نصابها؛ أو لرفع الظلم عن السنة العرب بشكل خاص والعراقيين بشكل عام، غير أنهم لم ينتفعوا انتفاعاً كاملاً بتجاربهم الماضية، ولا بتجارب الآخرين من الغرماء، فلم يفلحوا في تحقيق اصطفاف طائفي يواجه الاصطفاف الطائفي للآخر، فبعد أن خسرت الطائفة السنية عمقها الكردي عادت لتخسر وحدة الصف من خلال تشتيت أصوات الناخبين في قوائم متعددة، قد تكون قائمة التوافق التي تضم الحزب الإسلامي العراقي أكبر الأحزاب السنية في العراق، إلا أن قوائم العلمانيين لا يستهان بها من حيث قدرتها على تشتيت الأصوات دون تحقيق مكاسب كبيرة تذكر.
ويجسد هذه القوائم «صالح المطلك »«و«مشعان الجبوري» اللذان يتوقع لهما أن يكونا عامل استقطاب للعديد من الولاءات القبلية الغائبة عن ماهية المشهد السياسي العراقي وتوزيع خارطة القوى، هذا بالإضافة إلى قوائم أخرى أصغر مثلث اتجاهات شتى ستعمل على تشتيت الأصوات بما يؤثر على النتيجة النهائية بشكل كبير، لصالح تكتلات طائفية منافسة تجيد لعبة الاصطفاف الطائفي بشكل أكبر.
عوامل أخرى إلى جانب ما أسلفت تقف عوامل أخرى ضد الطموح السني الذي ذكرنا أن سقفه الأعلى هو رفع الظلم الذي لحق بالطائفة ومحاولة إعادة مسار العملية السياسية بعيداً عن الاستقطابات الطائفية.
أهم هذه العوامل:
1- عدم توافر المناخات الموضوعية في مناطق العرب السنة للانتخابات؛ حيث سبقتها عمليات عسكرية متتابعة قضت على معنويات السكان بعد أن أنت على بناهم التحتية.
2-غياب العرب السنة عن تأسيس البنية التحتية للعراق الجديد وخصوصاً بناء الجيش والشرطة في المرحلة السابقة جعلهم في موقف صعب أمام الخصوم والمنافسين المتحكمين في مقدرات الدولة وإمكاناتها، ما مكنهم من التفوق في إجراء عمليات التزوير وتغيير إرادة الناخبين وفق مصالحهم، ومن ابرز الملامح لهذا الوضع التي سجلناها كمراقبين لهذه الانتخابات هو ما يلي:
أ-حصلت خروقات خلال الانتخابات منها قيام أجهزة رسمية تابعة لوزارة الداخلية بحث الناخبين على التصويت لقائمة الائتلاف الشيعي الحاكم .
ب - تقديم رشاوى لجهات في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بهدف تزوير الانتخابات: حيث اتهم «د. ظافر العاني» الناطق باسم جبهة التوافق العراقية التي ينضوي تحتها تحالف السنة العرب، بعض المسؤولين بذلك؛ مشيراً إلى احتفاظ الجبهة بأرقام حسابات بنكية تخص بعض المسؤولين في المفوضية العليا للانتخابات بهدف رشوتهم للتأثير على مجريات العملية الانتخابية.
ج- تعطيل وصول صناديق الاقتراع وسجلات الناخبين إلى المناطق ذات النفوذ العربي السني، حيث تم حجب ۱۱۰ صناديق انتخابية عن محافظة الأنبار، وتم تعيين مراكز انتخاب تصل المسافة لبعضها إلى مائة كم عن الناخبين، في حين أن ذلك يتم في ظروف غير مسموح فيها باستخدام السيارات أو التجول.
د - تدخل قوات الاحتلال في مناطق العرب السنة في العملية وتغيير النتائج الصالح أطراف أخرى، ففي محافظة ديالى على سبيل المثال قامت القوات الأمريكية بأخذ صناديق الانتخابات، إلى منطقة أخرى قبل أن يتم فرزها داخل المراكز الانتخابية، مع أن تعليمات المفوضية العليا للانتخابات تشير إلى ضرورة أن تفرز الأصوات في المركز الانتخابي بحضور المراقبين الموجودين الممثلين للكيانات السياسية المختلفة.
هـ - تعيين مراقبين وموظفين في محافظة الأنبار من خارج المدينة، علماً بأن تعليمات المفوضية تؤكد أن الموظفين والمراقبين يجب أن يكونوا من أبناء المحافظة.
3- دخول كركوك على محك الصراع دفع الأمور إلى مسارات لا تخدم العرب السنة، حيث يسعى الأكراد إلى تحويل المدينة إلى مدينة كردية بحيث تتبع إدارياً إقليم کردستان الرسمي، وقد حدث العديد من الخروقات والمخالفات بما يسهم في تكريس هذا الواقع، ومنها:
أ- لم يجد الكثير من الناخبين «غير الأكراد أسماءهم في القوائم الانتخابية لأنها أزيلت، بل نقلت حافلات آلاف الأكراد من السليمانية وأربيل للتصويت في كركوك «٢٥٠» كيلومتراً إلى الشمال من بغداد» رغم أنه من المفترض أن الطرق كانت مغلقة بين المحافظات.
أخيراً
بدت قائمة الائتلاف الشيعي أكثر تماسكاً نظراً لوحدة الموقف الشيعي الذي أفلح في ضم أكبر كتلة شيعية معارضة لوجود الاحتلال إلى قائمة الائتلاف، وهي الكتلة الصدرية التي فاجأ انضمامها للائتلاف المراقبين، بالإضافة إلى ما تتمتع به هذه القائمة من قوة ونفوذ بحكم تواجدها في السلطة واستغلالها لمقدرات الدولة في خدمة قضاياها.
أما قائمة التحالف الكردستاني فقد نجحت في استنفار الناخب الكردي بالترغيب والترهيب إلى صندوق الاقتراع، بالإضافة إلى الخبرة الطويلة للقوى الكردية الانتخابات وفرض الحاكمة في التعامل مع الأمر الواقع من خلال الصندوق يحكم امتلاكها للقوة والمال والسلطة.
وقد حاولت قائمة التوافق وقائمة علاوي التي تتمتع بدعم أمريكي منقطع النظير، تجسيد ذلك في الدعاية التي انتشرت قبيل الانتخابات في مؤسسات الدولة ومرافقها المختلفة والتي حاولت أن توحي للمواطن العراقي أن علاوي رجل المرحلة وأن الظلم الذي تحقق في عهد الحكومة الحالية لا يزول إلا بعودة علاوي للحكم، وهو ما أثر بشكل كبير على توجهات الناخبين.
في ظل هذه المعادلة المعقدة يترقب العراقيون ميلاد حكومة ترفع الظلم عنهم قبل كل شيء، وتوفر لهم الأمن المفقود، وتنهض بالخدمات المتردية.. فهل سيتحقق لهم ذلك !؟ .