العنوان الاستغلال الأمريكي للأقليات (۳) بين التبشير والتنصير
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 48
السبت 05-فبراير-2011
ادعى تقرير الخارجية الأمريكية منع الحكومة المصرية حرية التبشير بالمسيحية في مصر؛ فهي دعوى مجانبة للحق والصواب ذلك أن لكل صاحب دين سماوي في مصر حرية عرض دينه، والدفاع عنه، والدعوة إليه.. وميادين عرض عقائد المسيحية والترويج لها في مصر لا تقف عند الكنائس والأديرة ومدارس الأحد وكليات اللاهوت.. وإنما تتعدى ذلك إلى المنابر الإعلامية - صحفًا ومجلات وفضائيات - وفي صحيفة «الكرازة» و«وطني»، يعرض الأنبا «شنودة» وغيره من أعضاء المجمع المقدس عقائد المسيحية وأسرارها بانتظام بل إن صحيفة «الأهرام» - أولى الصحف القومية - تنشر أسبوعيًا مقالًا للأنبا «شنودة» يعرض فيه القيم المسيحية، ومثلها ووصاياها كما تعتقدها الكنيسة الأرثوذكسية المصرية.
وكذلك تفعل الطوائف المسيحية المصرية الأخرى في صحفها ومجلاتها ووسائل الإعلام التي تعبر عنها.
أما الممنوع في مصر فهو التنصير، الذي تمارسه دوائر أجنبية غربية مباشرة أو بالوكالة والعمالة – والممول من الخارج - والذي جاء إلـى بـلادنـا مـع الغزو الاستعماري الغربي منذ القرن التاسع عشر.
ذلك أن هذا التنصير قد مثل منذ البداية «اقتناصًا» لأبناء الكنيسة الوطنية المصرية، طالما اشتكى منه الأرثوذكس المصريون.. كما يمثل الآن ازدراء للإسلام، ومحاولات لا أخلاقية للكذب على عقائد الإسلام وللتدليس على علماء المسلمين الأمر الذي يُحدث ردود أفعال إسلامية غاضبة قد تطال الكنائس الوطنية بشكل عام، فحماية المجتمع المصري من هذا الاختراق التنصيري الغربي، هي حماية للسلام الاجتماعي القائم بين المسلمين والمسيحيين في مصر.. وليس تضييقًا على المسيحية بأي حال من الأحوال.
وكذلك صنع - ويصنع - هذا التنصير الأجنبي الغربي في أفغانستان والصومال.. وفي غيرها من البلاد التي يصنع الغزو الاستعماري الغربي فيها الكوارث، التي يسعى المنصرون لاستغلالها في تحول المسلمين عن عقائد الإسلام.
إن التنصير الممنوع في مصر هو هذا الذي يمثل الجناح الديني للغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة والمعاصرة.
وإذا كان الرئيس الأمريكي السابق «بوش الصغير» قد برر غزوه للعراق عام ۲۰۰۳م تبريرًا دينيًا عندما قال: «إن حربه على العراق هي حرب عادلة وفق المفهوم المسيحي، كما شرحه القديس أوغسطين» (٣٥٤ - ٤٣٠م) في القرن الرابع الميلادي، وكما فصله كل من توما الأكـويـنـي» (١٢٢٥ - ١٢٧٤م)، و«مارتن لوثر (١٤٨٣ - ١٥٤٦م) وآخرون (۱).. فإن المنصرين الأمريكيين الذين زحفوا إلى العراق على ظهور دبابات الغزو قد قادهم غلاة قساوسة اليمين الديني الذين أعلن أحدهم «فرانكل جراهام» وهو أستاذ الرئيس «بوش»، الذي وصفه الأخير «بأنه هو الذي غرس في قلبي بذور الإيمان، فتوقفت عن تعاطي المسكرات، واعتنقت المسيح»!.. هذا المنصر الذي ذهب لتنصير المسلمين العراقيين هو
القائل:
«إن الإسلام دين شيطاني وشرير وهو دين الإرهاب. وإن الفرق بين الإسلام والمسيحية هو كالفرق بين الظلام والنور» (٢).
فهؤلاء المنصرون الأجانب - وعملاؤهم في الداخل - لا علاقة لهم بمنظومة القيم المسيحية التي لا تختلف في المسيحية عنها في الإسلام.. ففي أشهر مؤتمراتهم التي عقدوها لتنصير المسلمين مؤتمر «كولورادو» سنة ۱۹۷۸م أعلنوا - ويا للغرابة! - أن الكوارث التي يصنعها الاستعمار الغربي في بلاد الإسلام هي نعم ومعجزات إلهية لأنها تخل بتوازن الضحايا المسلمين الذين يضطرون إلى بيع عقائدهم لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء!.. لقد قالوا في هذا المؤتمر:
«لكي يكون هناك تحول إلى النصرانية، فلا بد من وجود أزمات ومشكلات وعوامل تدفع الناس أفرادًا وجماعات، خارج حالة التوازن التي اعتادوها، وقد تأتي هذه على شكل عوامل طبيعية، كالفقر والمرض والكوارث والحروب، وقد تكون معنوية، كالتفرقة العنصرية والوضع الاجتماعي المتدني».
وفي غياب مثل هذه الأوضاع المهيئة، فلن تكون هناك تحولات كبيرة إلى النصرانية، وإن تقديم العون لذوي الحاجة قد أصبح أمرًا مهمًا في عملية التنصير، وإن إحدى معجزات عصرنا أن احتياجات كثير من المجتمعات الإسلامية قد بدلت موقف حكوماتها التي كانت تناهض العمل التنصيري فأصبحت أكثر تقبلًا للنصارى» (۳).
هذا هو التنصير الممنوع الذي يتكلم قساوسته بلغة ومنطق «ميكافيلي» (١٤٦٩ ١٥٢٧م) والذين نجدهم عند الكوارث الطبيعية - كالتسونامي.. والزلازل وفي ساحات الحروب الأهلية - في البوسنة والهرسك.. وجنوب السودان.. ودارفور يقتنصون ضحايا هذه الكوارث والحروب وينصرونهم لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء يقدمونها «باسم يسوع المسيح»!
الخارجية الأمريكية تدعي منع الحكومة المصرية حرية التبشير بالمسيحية وهي دعوى مجانبة للصواب حيث إن لكل صاحب دين سماوي حرية عرض دينه
وإذا كان تقرير الخارجية الأمريكية قد أشار إلى «التقرير العلمي» الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامية في ذي الحجة سنة ١٤٣٠هـ، نوفمبر سنة ۲۰۰۹م، فإن هذا التقرير العلمي إنما كتب ونشر ردا على كتاب تنصيري أجنبي طبع ووزع بمصر، عنوانه «مستعدين للمجاوبة» انتحل واضعوه وناشروه اسم باحث قبطي هو المهندس سمير مرقس فوضعوا اسمه على غلاف الكتاب ليوهموا أن المؤلف قبطي مصري، فيوقعوا بين المسلمين والأقباط. الأمر الذي أزعج المهندس سمير مرقس فأصدر بيانًا نشرته الصحف يومئذ، يعلن فيه براءته من هذا الكتاب التنصيري واستنكاره لهذا التدليس.
ميادين عرض عقائد النصارى لا تقف عند الكنائس والأديرة ومدارس الأحد وكليات اللاهوت.. وإنما تتعدى ذلك إلى المنابر الإعلامية العامة والمسيحية
التنصير الممنوع في مصر هو هذا الذي يمثل الجناح الديني للغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة والمعاصرة
ولأن هذا الكتاب التنصيري الأجنبي قد تضمن ازدراء للإسلام، وتكذيبًا لعقائده وتدليسًا على علماء الإسلام، فلقد قام مجمع البحوث الإسلامية بالرد عليه، دفاعًا عن الإسلام، وحماية للسلام الاجتماعي والأمن الديني بين المسلمين والمسيحيين في مصر.
ولقد استخدم المجمع في هذا الرد مناهج وآداب علم مقارنة الأديان، منبها على أنه إنما يتصدى لهذا الاختراق الأجنبي، مع الاحترام لعقائد المسيحيين المصريين.
فمنع هذا اللون من التنصير، هو أمر مختلف عن حرية الدعوة إلى المسيحية وداخل في إطار التصدي للغزو الفكري الذي يقوم على ازدراء دين الأغلبية - الإسلام - ومنعه هو جزء من الحفاظ على الاستقلال الحضاري، وصيانة الأمن الاجتماعي، والوفاق الديني، وقطع الطريق على الفتن الطائفية.. وليس تعصبًا إسلاميًا ضد المسيحية، التي يعترف بها الإسلام، ويحترم رموزها ويحمي مقدساتها، على النحو الذي يعرفه الجميع. بل إن هذا التنصير الأجنبي الممنوع طالما مثل خطرًا على الكنائس المسيحية القومية، التي عانت منه كثيرًا، لا لازدرائه دين الأغلبية - الإســـلام فـقـط – ولا لاقتناصه الكثير من أبناء هذه الكنائس القومية فحسب، وإنما - أيضًا - لأنه لا يعترف بمذاهب هذه الكنائس القومية.. ومن ثم فإنه لا يحترم مسيحيتها!
الهوامش
(۱) «نيوزويك»، عدد ٢٠٠٣/٣/١١م.
(۲) محمد السماك: «الدين في القرار الأمريكي»، ص ۸۹، طبعة بيروت، سنة ٢٠٠٣م.
(۳) ديفيد أفريزر: «تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين»، وروبرت بنكيت: «الغذاء والصحة وسائل لتنصير المسلمين» وثائق مؤتمر كولورادو: «التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي»، ص ٢٤٢، ٢٨٦، ۸۲۷ طبعة مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطا سنة ١٩٩١م.