; الاستعمار والتبشير وجهان لعملة واحدة | مجلة المجتمع

العنوان الاستعمار والتبشير وجهان لعملة واحدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1985

مشاهدات 116

نشر في العدد 715

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 30-أبريل-1985

إندونيسيا أكبر دولة إسلامية تتعرض لهجمة تبشيرية شرسة كلفت منظمات التبشير أكثر من ١٠٠ مليون دولار

• رئيس المنظمة العالمية للتبشير يقول: المسلمون المقيمون في أوروبا هبة من الله، علينا أن نتقبلها، ونقوم بتنصيرهم أو إبعادهم عن الإسلام. 

الحديث عن التبشير بالنصرانية حديث قديم قدم الحروب الصليبية، وقدم الاستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي، في أواخر القرن الخامس عشر كانت النصرانية محصورة تقريبًا في أوروبا وحدها، ولم تكن قد توسعت بعد إلى آسيا أو أفريقيا؛ حيث كان الإسلام دين الشعوب في هاتين القارتين، وحتى في أوروبا كانت أسبانيا والبرتغال تحت حكم المسلمين حتى القرن الثاني عشر عندما أدى الضغط النصراني في البلدين إلى تراجع المسلمين وسقوط غرناطه آخر معقل للمسلمين في أوروبا عام ١٤٩٢ م تحت الهجمة النصرانية، وبعد سقوط أسبانيا والبرتغال انطلقت قوافل المستعمرين التي كانت تضم مجموعة من رجال الدين النصراني متوجهة نحو آسيا وأفريقيا لاستعمار دول القارتين، وتنصير شعوبهما بوسائل متنوعة منها بناء المدارس التبشيرية، واستغلال حاجات المواطنين إلى المساعدات المادية، وإلى الأدوية وغيرها من ضروريات الحياة اليومية، ومع دخول الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي انتشرت الجمعيات التبشيرية العالمية في البلاد الإسلامية، وبدأت تزاول أنشطتها التبشيرية تحت ستار الأعمال الإنسانية والخيرية، والتي من خلالها كانت تلك الجمعيات تبث سمومها في هذه البلدان، وتصطاد الأطفال المسلمين وتجمعهم في ملاجئ خاصة؛ حيث يرضعون النصرانية مع الحليب؛ كي يفقدوا شخصيتهم الإسلامية، ويكبروا على الديانة النصرانية.

تغيير في السياسة التبشيرية

بعد أن اتضحت للشعوب العلاقة المتينة بين الاستعمار والتبشير تنبه رجال الدين المسيحي إلى الخطر، الذي يهدد وجودهم في البلاد المستعمرة، فدعت الجمعيات التبشيرية العالمية إلى مؤتمر تنصيري دولي عقدته بالهند عام ۱۹۳۸، وكان السؤال المطروح أمام المؤتمر هو: ما الإستراتيجية الصحيحة للوصول إلى تنصير المسلمين؟، وقد تبنت دوائر التبشير في ذلك المؤتمر عدة أمور إستراتيجية اعتبرت تغييرًا تاريخيًّا في سياسة التبشير، فقد طلب المؤتمرون التخلي عن اعتبار الحضارة الغربية مرادفة للنصرانية، وعدم اعتبار الرجل الأبيض نفسه أرقى من غيره من البشر، وعدم إظهار دين الخصم بمظهر التفاهة بالنسبة للنصرانية، وعدم إظهار النصرانية كأنها هي الدين، الذي يجب أن تسيطر على الأديان الأخرى. وضرورة التأكيد على أن النصرانية ليست دين الرجل الأبيض فقط بل إنها دين الجميع، وعلى المبشر أن يحرر نفسه من موقف النصرانية العقيم تجاه الأفارقة، الذين رفضوا النصرانية؛ بسبب التفرقة العنصرية التي كان المنصرون يمارسونها علنًا ووجوب نشر الكتاب المقدس بلغات المسلمين أنفسهم.

هجمة تبشيرية على إندونيسيا

بعد أن وضع رجال الدين النصراني إستراتيجيتهم الجديدة ضاعفوا نشاطهم، وبدأوا هجمة تبشيرية جديدة وواسعة أواخر السبعينيات؛ حيث بلغ عدد المبشرين في أفريقيا وحدها نحو ١٠ آلاف مبشر، وفي آسيا أكثر من ٩٠ ألف مبشر. وقد ركزت هذه الهجمة على السودان ونيجيريا في أفريقيا وعلى إندونيسيا وماليزيا في آسيا، وهي جميعًا دول ذات أغلبية إسلامية.

وفي إندونيسيا التي تعتبر أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان تسربت نشاطات المبشرين لمختلف الأقاليم من خلال مركزين رئيسيين هما: مركز لاوانج في شرقي جاوا؛ لتدريب المبشرين على العمل في القرى، وقد تم شراء قطعة أرض مساحتها ۵۰۰۰ متر مربع لهذا الغرض، وافتتح المركز في عام ۱۹۸۱، والمركز الثاني هو مركز التدريب، الذي أنشئ في سوار بابا بجاوا لتدريب المبشرين على تقديم الخدمات التبشيرية، ومن نشاطات هذا المركز تقديم المساعدات المادية للسكان، فيقدم اللبن للأطفال والدقيق لكبار السن، ويبني للأسرة فرنًا صغيرًا، ويعلمهم كيف يطهون طعامهم عليه أو يصنعون الخبز، كما يقدم المركز لسكان القرى أدوات الزراعة والبذور، ويبنون المدارس إلى جانب المستوصفات، وبعض المبشرين يستعملون طائرات عمودية تهبط بهم وسط المناطق النائية بالأرياف؛ حيث يحملون الأدوية وأدوات العلاج وبعض الغذاء.

وقد بلغ عدد الكنائس في إندونيسيا أكثر من 9319 كنيسة في عام ۱۹۸۳، كما بلغ عدد المبشرين المتفرغين حوالي 7 آلاف مبشر. ولهؤلاء المبشرين سفن وطائرات تنقلهم بين ۲۰۰۰ جزيرة تمثل جمهورية إندونيسيا، وفي منطقة كلمنتان الغربية ١٧ مطارًا للمبشرين، وقد بلغت نفقات التنصير في إندونيسيا لأكثر من ١٠٠ مليون دولار أمريكي.

وتوجد الآن في إندونيسيا ١٣ منظمة تبشيرية تقوم بنشاطاتها التبشيرية المختلفة في شتى المجالات.

وفي أفريقيا

عندما وضع المبشرون خطتهم الجديدة كانت القارة الأفريقية في نظرهم مرتعًا خصبًا لتطبيق هذه الخطة، وقد اجتمع في نيروبي عاصمة كينيا مجموعة من المبشرين يعملون في ثلاث عشرة دولة أفريقية، ودارت مناقشاتهم حول العلاقات الإسلامية المسيحية في أفريقيا جنوب الصحراء، وناقشوا مشاكل الهجرة وسكني المدن والنشاطات المشتركة مع المسلمين، وضرورة الزواج المختلط بين المسلمين والمسيحيين، ودور وسائل الإعلام في عملية التبشير.

والتبشير ليس جديدًا في أفريقيا بل التجديد كان فقط في أسلوب المبشرين. ففي «ملاوي» اعتمدت الهيئة العالمية للتبشير ٧٥٠ ألف دولار أمريكي في إتمام المشاريع التي بدأتها الكنيسة في ملاوي مع التركيز على التنصير في مجال التعليم والصحة والتغذية والخدمات الخاصة.

 وفي «غانا» شكلت مجموعة تبشيرية جديدة تتطلع إلى العمل وسط أعضاء الحكومة والقوات المسلحة ورجال الشرطة وحرس الحدود عن طريق توزيع الأناجيل المسجلة على شرائط فيديو وأفلام تبشيرية أخرى.

وفي «كينيا» أنشأ مبشر أمريكي معهدًا زراعيًّا، وجلب معه كل أدوات التعليم الزراعي، ويقوم الآن بمساعدة الأهالي الوثنيين على استصلاح مئات الأفدنة، ويعلمهم الأساليب الحديثة للزراعة وتربية المواشي، وقد ساهم مجلس الكنائس العالمي في إنشاء ۱۸ مركزًا زراعيًّا مماثلًا في كينيا وحدها، وعقد المشرفون على هذه المراكز مؤتمرًا في صيف عام ١٩٨٣ لتقييم نتائج نشاطهم، وتبين أن هذه المراكز الزراعية التعليمية نشرت النصرانية بين الأهالي بصورة تفوق بكثير جهود القساوسة والمبشرين الرسميين في هذه المناطق.

تنصير المهاجرين المسلمين

في الآونة الأخيرة أعلنت المنظمة العالمية للتبشير عن بدء خطة تبشيرية خطيرة للعمل في تنصير المهاجرين المسلمين من العرب والأفارقة إلى ديار أوروبا، وقد قال رئيس هذه المنظمة في تصريحات أخيرة أنه ينبغي عدم الاكتفاء بالدعوة ضد الإسلام في ديار المسلمين، وإنما يجب محاربة الإسلام في نفوس المسلمين الذين هاجروا إلى أوروبا للعمل؛ حيث يوجد في أوربا الغربية وحدها ١٠ ملايين مسلم، ويعيش معظمهم في بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية. 

واستطرد رئيس المنظمة قائلًا: إن الفرصة كبيرة لتنفيذ خطة تنصير العشرة ملايين مسلم المقيمين في أوروبا عن طريق فتح الصدور والبيوت أمامهم، واستقبالهم بالمودة والكرم، فهؤلاء يعانون من العزلة والوحدة، وانعدام الاتصال بينهم وبين شعوب البلاد، التي يقيمون فيها، وعلينا أن نبدأ نشاطنا بدعوتهم للخروج عن الإسلام، وعلينا أن ندرك أن هؤلاء المسلمين المقيمين في ديارنا هم هبة الله لنا، وما علينا إلا أن نتقبلها من الله، ونعمل في صفوفهم لتحقيق هذه الرسالة.

والمتتبع لأوضاع المهاجرين المسلمين في ربوع أوروبا في السنوات الأخيرة يدرك بوضوح أن خطة التنصير هذه مشتركة بين حكومات هذه الدول المضيفة لهؤلاء المهاجرين وبين منظمات التبشير العالمية. فالحكومات الأوروبية بدأت تنفذ الفصل الأول من الخطة منذ سنوات بمضايقة المهاجرين في أعمالهم وتهديدهم بالطرد وتصويرهم للمواطنين بأنهم سبب الأزمة الاقتصادية، التي تشهدها أوروبا، ثم تأتي الكنيسة العالمية لتنفيذ الفصل الأخير من الخطة وهو الظهور بمظهر المنقذ لهؤلاء المساكين من الظلم الاجتماعي، الذي يعانون منه مقابل تنصيرهم أو على الأقل إخراجهم من دينهم الإسلامي أنها خطة شيطانية يجب التنبه لها.

الرابط المختصر :