; الاستعمار الجديد تحت لافتة الديمقراطية المزعومة | مجلة المجتمع

العنوان الاستعمار الجديد تحت لافتة الديمقراطية المزعومة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 58

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 9

السبت 22-فبراير-2003

مرت العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب بعدد من المراحل التاريخية من الحروب الصليبية إلى الاستعمار العسكري المباشر إلى دعم الدكتاتوريات والنظم الانقلابية والنظم الانقلابية الاستبدادية. 

وقد عاش معظم بلدان العالم الإسلامي نصف القرن الأخير تحت حكم انقلابي دكتاتوري بعيد عن الشورى، غاب فيه رأي الشعوب وزورت إرادتها وكممت الأفواه وزج بالمصلحين والدعاة في السجون والمعتقلات، وعلق عدد من علماء المسلمين على أعواد المشانق، وجيء بالانقلابيين من العسكر والبعثيين واليسار وغيرهم ممن رعتهم المخابرات الأجنبية، أمريكية وأوروبية، وهيأتهم لتلك المهام بعد أن رحل الاستعمار العسكري المباشر.

ومنذ ذلك التاريخ لم يشهد معظم دول المنطقة خيرًا، إذ انهزمت الأمة في معظم معاركها العسكرية «المفتعلة» والسياسية والاقتصادية، وأصابها التخلف والتدهور المرسوم في شتى المجالات، حتى ضجت الشعوب، ولم يعد في قوس صبرها من منزع، خاصة ورياح التغيير وحرية التعبير والاختيار تهب على مختلف أرجاء العالم الإسلامي إلا عالمنا العربي والإسلامي، والتقدم والنهضة يشملان مناطق شتى من المعمورة، فيما عالمنا العربي والإسلامي يواصل تراجعه بانتظام، وهي أحوال تولد السخط العام وتنذر بنشوء القلاقل وعدم الاستقرار. 

وقد شعر الغرب أن الخيوط سوف تفلت من يده، ولذلك غير نغمته وبدأ يعزف على وتر جديد اسمه الديمقراطية، والرغبة في تشجيع التطور الديمقراطي في العالم الإسلامي.

في الرابع من ديسمبر الماضي ألقى السفير ريتشارد هاس، مدير قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية، خطابًا أمام مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن اعترف فيه بصراحة نادرة بأن الجهود الأمريكية الرامية إلى تشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي كانت أحيانًا عرجاء وغير كاملة، وقال بالنص: «الحقيقة أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، لم تجعل من الديمقراطية أولوية بشكل كافٍ في العديد من أجزاء العالم الإسلامي، وعلى الأخص في العالم العربي. 

في بعض الأحيان، تجنيت الولايات المتحدة النظر بتعمق في الأعمال الداخلية للبلدان لصالح تأمين دفق متواصل من النفط، ولكبح التوسع السوفييتي والعراقي والإيراني وللتعامل مع القضايا المتصلة بالنزاع العربي - الإسرائيلي ومقاومة الشيوعية في شرق آسيا أو تأمين حق الحصول على القواعد لقواتنا العسكرية، وهكذا، ولإهمالنا تقديم المساعدة لتعزيز المسار التدريجي نحو الديمقراطية في العديد من علاقاتنا المهمة، بخلقنا ما يمكن تسميته «الاستثناء الديمقراطي»، فأتتنا فرصة مساعدة تلك البلدان لكي تصبح أكثر استقرارًا، وأكثر ازدهارًا، وأكثر سلامًا، وأكثر تكيفًا مع ضغوط عالم في طور «التعولم».

هكذا يعترف مدير قسم التخطيط السياسي بوزارة الخارجية الأمريكية بما قامت به بلاده طوال نصف القرن الماضي، لقد ضحت بمصالح الشعوب الإسلامية وساعدت على كبت حريتها وضرب إرادتها، وساندت الاستبداد السياسي والعسكري.

فما الذي تغير اليوم حتى يقال إن واشنطن قد غيرت رأيها؟

يحاول هاس إقناعنا بأن تحولًا صادقًا حدث في السياسة الخارجية، إذ يقول إنه «ليس من مصلحتنا - أو من مصلحة الشعوب التي تعيش في العالم الإسلامي - أن تواصل الولايات المتحدة هذا الاستثناء، سوف تتعامل السياسة الأمريكية بنشاط أكبر لمساندة الاتجاهات الديمقراطية في العالم الإسلامي أكثر من أي وقت مضى».

كما يحاول هاس أن ينفي أن تكون وراء إثارة هذه القضية في هذا الوقت بالذات محاولة لإخفاء المصلحة الأمريكية في تغيير نظام العراق، أو محاولة قلب الأنظمة في الشرق الأوسط، أو أن يستخدم الشعار كعملية تأديبية ضد الذين ينظر إليهم كأعداء لأمريكا.

وكم كان بودنا أن نرى الدليل على صدق ذلك الحديث لولا ما تلاه مما سمي بمبادرة الشراكة التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول وشرط فيها التغيير الديمقراطي بتغيير مناهج التعليم، وفرض تمثيل المرأة، مقترنًا بالإصلاحات السياسية والاقتصادية المزعومة. 

فهي إذن مبادرة إلزامية لا خيار فيها: تقبل بها وإلا جاءت العصا الأمريكية لتؤدب رافضها، إنها نمط جديد في السلوك الأمريكي للتغيير بالقوة وفرض الديمقراطية، كما حصل في كوسوفا وأفغانستان، وكما هو مقترح للعراق وللسلطة الفلسطينية وللعالم العربي ككل.

وهي تأتي متزامنة مع محاولات السيطرة العسكرية على العالم العربي، واختيار القيادات السياسية الجديدة ممن صنعوا على عين الغرب وانسلخوا من مجتمعاتهم وقيمها وأخلاقها ليتولوا إدارة المؤسسات الديمقراطية «الجديدة» لاستكمال الديكور الزائف المطلوب.

وهكذا بعد فشل دعاة اليسار والشيوعية والقومية، يأتي دعاة الليبرالية والانفتاح والتسامح ليكملوا مسيرة التبعية من تحت قبة البرلمانات والمؤسسات الديمقراطية المدعاة.

تلك هي الخطوط العريضة للخطة التي يراد فرضها، ونشير هنا إلى ثلاثة أمور:

1 - إذا كانت أمريكا صادقة حقًا في سعيها لخدمة العالم الإسلامي، فإن المطلوب منها بالأساس أن ترفع دعمها عن الأنظمة الاستبدادية الانقلابية، وحينها ستزول من تلقاء نفسها.

2 - أن تقف موقفًا عادلًا تجاه قضايا الشعوب العربية والإسلامية، وعلى الأخص القضية الفلسطينية، ولا تكيل بمكيالين في تحيزها لصالح العدو الصهيوني. 

3 - أن على واشنطن أن تدرك أن الشعوب الإسلامية تتوق إلى الحرية وإلى ممارسة الشورى وحقها في التعبير والاختيار، على أن يأتي ذلك من الداخل ولا يفرض عليها من الخارج، فكما يقال الحرية تؤخذ ولا تعطى، وإذا صدق ذلك على الحكام فمن باب أولى يصدق على الطرف الغريب الذي يريد التدخل في أمور الشعوب.

فلتدرك أمريكا ذلك ولتوفر جهودها وأموالها ولتبحث عن الطريق الصحيح للتعايش مع العالم الإسلامي، بالتسليم بحقوقه كاملة، وعدم التدخل في ثوابته وخصوصياته ومناهجه، فهذا التدخل مرفوض رفضًا تامًا من الشعوب ويثير على أمريكا مشكلات لا حصر لها ولا حدود، وكفانا ما عانينا على يد الغرب من أهوال ومصائب.

الرابط المختصر :