; الاستعداد لرمضان.. وتنقية القلوب من الشبهات | مجلة المجتمع

العنوان الاستعداد لرمضان.. وتنقية القلوب من الشبهات

الكاتب سمير حلواني

تاريخ النشر السبت 07-أغسطس-2010

مشاهدات 67

نشر في العدد 1914

نشر في الصفحة 50

السبت 07-أغسطس-2010

  • ابن رجب الحنبلي: لا بد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق فيكون هو العالم بهذا الحكم وغيره يكون الأمر مشتبها عليه  
  • ما ترك الله ورسوله حلالًا ولا حرامًا إلا مبينًا لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض 
  • المشتبهات التي يقصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست موجودة في الدين ولكن في عدم وصول بيانها لبعض العلماء

المتأمل في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»؛ يجد فيه تنبيهًا وتوجيهًا واضحين لضرورة الاستعداد لشهر رمضان المبارك، الذي يكتب للإنسان أجره أو وزره، وذلك حسب استعداد الإنسان ونيته في استقبال رمضان، والاستعداد له كما ورد في الحديث «انظر: «لطائف المعارف فيما لأشهر العام من الوظائف» لابن رجب الحنبلي، تجد فيه الكثير من التوضيح في هذا الباب».

لذلك أحببت أن أنبه إخواني الأحبة الكرام لبعض الأمور المهمة التي عصفت بأمة الإسلام في هذا العصر، وحتى يتنبه المسلم الحريص أن يكون قلبه في قمة الصفاء والاستعداد لنيل التوفيق ومعالي الدرجات في شهر رمضان المبارك.

احذروا الشبهات

أنطلق في حديثي هذا عن موضوع الشبهات والتحذير منها.. ولعل من أفضل ما قرأت في هذا الباب هو شرح الإمام ابن رجب الحنبلي يرحمه الله في كتابه المشهور «جامع العلوم والحكم»، والذي يشرح فيه بتفصيل واضح «الأربعين النووية»، ومنها الحديث السادس الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم فيما اتفق على صحته الشيخان البخاري ومسلم إن الحلال بيّن وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».

اكتمال الدين

وقبل أن أشرع في توضيح ما كتبه الإمام ابن رجب حول موضوع الشبهات، أحب أن أثبت وأوضح أمرًا حتى يكون الموضوع لا التباس فيه، فعند طرح موضوع الشبهات قد يظن البعض أن هناك خلافًا أو عدم وضوح أو عدم اكتمال لأمور الدين، وهذا غير صحيح، وسيتم توضيحه من خلال هذا المقال، ينبغي أن نعرف أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) وقال العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما مات رسول الله حتى ترك السبيل نهجًا واضحًا، وأحل الحلال وحرم الحرام، ونكح وطلق وحارب وسالم ...». 

وقال أبو ذر رضي الله عنه: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علمًا».

شرح ابن رجب

وننتقل الآن إلى صلب موضوعنا، وننقل ما أورده الإمام ابن رجب يرحمه الله في موضوع المشتبهات، قال: «وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالًا إلا مبينًا ولا حرامًا إلا مبينًا، لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على جله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب، منها: أنه قد يكون النص عليه خفيًا لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم ومنها أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر فيتمسكون بما بلغهم أو يبلغ النصان معًا من لم يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ والمنسوخ، ومنها ما ليس فيه نص صريح وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف فيه أفهام العلماء في هذا كثيرًا.

ومنها ما يكون فيه أمر أو نهي فيختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي محل النهي على التحريم أو التنزيه.. إلى أن قال يرحمه الله: ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهًا عليه ولا يكون عالمًا بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها فعندما قال: «لا يعلمهن كثير من الناس فدل على أن من الناس» من يعلمها وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها وليست مشتبهة في نفس الأمر». انتهى كلام الإمام ابن رجب يرحمه الله.

ولنسمع تطبيق ما قاله صلى الله عليه وسلم على نفسه، فقد ورد أن الحبيب صلى الله عليه وسلم آرق من الليل فقال له بعض نسائه: يا رسول الله أرقت الليلة؟ فقال: «إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه»، يعني: يقصد أن سبب أرقه بسبب أكله هذا المشتبه في حله له صلى الله عليه وسلم: حيث لا تحل له الصدقة. 

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع في ماء.

وقال صلى الله عليه: «فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان الترك».

 وقال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا ىمما به بأس». 

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «تمام التقوى للعبد أن يتقي الله حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام».

تراكم الذنوب 

وأختم الحديث بالقول: إن العالم أصبح يموج بالشبهات من مأكل ومشرب ومنكح وسماع ومشاهدة، وهذه القلوب رقيقة حساسة تتأثر بالحسن إيجابًا وبالسوء سلبًا؛ لذلك نبه الحبيب من تراكم الذنوب وخاصة الصغائر فقال: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على العبد فيهلكنه»، وحذر ربنا سبحانه وتعالى من الران، وهو الذنوب تجتمع على القلوب فتعمى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم ما كَانُوا يَكْسِبُونَ (المطففين:14)، وقال صلى الله عليه وسلم موضحًا هذه الآية : «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا» «بضم الواو وسكونها» فأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، فأصبحت القلوب على أحد قلبين أبيض كالصفاة لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، وأسود مرباد «شديد السواد» كالكوز مجخيًا «كالإناء المقلوب على فمه» لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما شرب من هواه».

اسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يجنبنا وإياكم على القلوب واتباع الشهوات وأن يرزقنا توبة وإنابة قبل رمضان وقبل الممات لعل الله أن يطلع على قلوبنا فيجدها بيضاء نقية فيدخلها في عباده الصالحين. 

كيف نستقبل رمضان؟

ها هو ذا الشهر الكريم يقف على بابك أخي المؤمن، منتظرًا الإذن من الله بالدخول.. فكيف أنت مستقبله؟ وماذا أنت فاعل فيه؟ هل تستقبله بالانشغال باللهو وطول السهر هل تتضجر من قدومه ويثقل عليك؟ أم تستقبله بالتوبة النصوح، والعزيمة الصادقة على اغتنامه وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة؟ وإليك بعض فضائل الأعمال في رمضان:

۱ - الصوم: قال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. يقول عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك «أخرجه البخاري ومسلم» وقال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»  «أخرجه البخاري ومسلم». 

2- القيام، قال سبحانه، ﴿وعباد الرَّحْمَنِ الذين يمشون على الأَرْضِ هَوْنًا وإذا خاطبهم الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا والذين يبيتون لرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (الفرقان). 

وقال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» «أخرجه البخاري ومسلم».

3-قراءة القرآن وما أكثر الآيات والأحاديث الواردة في فضل تلاوة القرآن وسماعه والعمل به وتعلمه وتعليمه، وما أجدر أن يكون ذلك في رمضان، فهو شهر القرآن.

 4- الصدقات، فالمؤمن في ظل صدقته يوم القيامة ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، والأحاديث غيره كثيرة، والأجر في رمضان مضاعف. 

5 - الاعتكاف: لا سيما في العشر الأواخر وهذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. 

٦- العمرة: إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، وهل بعد هذا فضل؟

7- الإكثار من الأعمال الصالحات بوجه عام، من كثرة الذكر وصلة الأرحام والتوبة النصوح والتأمل وقضاء الحاجات وتفريج الكربات وارتياد المساجد وحلق القرآن. 

عبد المنعم أبو السعود 

الرابط المختصر :