العنوان الاستشارة مُعْلِمَة والشورى ملزمة
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 28-مايو-1996
يختلف العلماء قديمًا وحديثًا في حكم الشورى بالنسبة للحكام، فأكثر العلماء المعاصرين وطائفة من علماء السلف يرون أنها واجبة، والرأي الآخر يرى أنها غير واجبة.
ولو رجعنا إلى نصوص القرآن لرجحنا الرأي القائل بالوجوب، فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، وظاهر الأمر للوجوب، ولا توجد قرينة تصرفه إلى الندب.
وقول الله تبارك وتعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} (الشوری: ۳۸) يدل على أن الشورى صفة أساسية للمؤمنين، حيث وردت مع صفات لازمة للمؤمن ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (النجم: 32) ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ (الرعد: 22)، إنه مع ظاهر هذه الآيات فما زال الخلاف قائمًا حتى اليوم، والسبب في ذلك مبني على حكم الشورى بالنسبة للرسول -صلى الله عليه وسلم- هل هي واجبة، أم جائزة ومستحبة ثم بإعمال أثر هذا الحكم على الحكام بعد النبي-صلى الله عليه وسلم؟
والواجب على كل مسلم أن يدرك أن الرسول كانت له صفتان كنبي ورسول، وهو بهذه الصفة ليس محتاجًا للشورى فيستغني عنها بالوحي والإلهام.
والصفة الأخرى رئاسته للدولة التي أقامها وعاصمتها المدينة المنورة، وهو بهذه الصفة يتصرف كقائد ورئيس وهنا كان قول الله له وشاورهم في الأمر، فالأمر بالشورى هنا موجه إليه كرئيس للدولة.
وفي هذا قال الشهيد سيد قطب لقد جاء هذا النص بعد غزوة أحد حيث خالف الرماة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وترتب على ذلك هزيمة المسلمين في أحد فنزل القرآن الكريم يأمر بالعفو عن المخطئين، والاستمرار في الشورى ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، ولكن الإسلام كان ينشئ أمة ويربيها ويعدها لقيادة البشرية وكان في علم الله أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة أن تربي بالشورى، وأن تدرب على حمل التبعة في (ظلال القرآن – مجلد۲، ص ۱۱۹ - ۱۲۰)
إن التطبيق العملي من الرسول الله فيما لا وحي فيه يؤكد على وجوب الشورى من ذلك وعلى سبيل المثال:
1- أخرج البيهقي في شعب الإيمان بسند حسن عن ابن عباس -رضي الله عنهما - قال: لما نزلت وشاورهم في الأمر، قال رسول الله أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا ومن تركها لم يعدم غيًا.
٢ - وفي غزوة بدر
أ - شاور النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه للخروج لمواجهة تجارة قريش.
ب - وشاورهم في ملاقاة قريش عندما خرجت تدافع عن تجارتها.
ج- وشاورهم أيضًا في مكان المعركة.
د- وأخيرًا شاورهم في أسرى هذه المعركة فتح الباري ٨ -٢٩٠، وصحيح مسلم بشرح النووي١٢ - ١٢٤ و86/6 والسنن الكبرى للبيهقي 109/7، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي الحديث ١٧٦٧.
3- وشاور النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة في غزوة أحد وكان يرى البقاء في المدينة حتى إذا دخلوا إليها قوتلوا في الأزقة ورماهم النساء من فوق البيوت، ولكن الأغلبية رأت الخروج شجاعة فنزل على رأيهم فتح الباري - ج٨ ص (٣٤٨).
4- وفي غزوة الخندق شاور النبي -صلى الله عليه وسلم- في البداية، حيث أشار سلمان الفارسي بحفر الخندق، وأخذ برأيه، ثم شاورهم في مصالحة الأحزاب التي حاصرت المدينة بعد أن رأى الصلح على ثلث ثمار المدينة، ولكن رأى الأنصار عدم المصالحة، فنزل على رأيهم فتح الباري ج8 ص ۳۹٥، والمصنف للحافظ أبي بكر عبد الرزاق، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي (٣٦٨/٥).
5- إن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مشاورته كان لا يقبل سكوت من يعنيهم الأمر رضا وموافقة، فعندما استشار الصحابة للخروج لمواجهة قريش في بدر قال: أشيروا على أيها الناس، وتكلم أشخاص من المهاجرين، وسكت الأنصار، وكرر طلب المشورة يريد بذلك الأنصار، لأنهم كما قال ابن هشام حين بايعوه في العقبة، بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعوا منه أبناءهم ونساءهم، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال ذلك، قال له سعد بن معاذ، والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل، قال سعد: فقد آمنا بك وصدقناك فامض يا رسول الله لما أردت ونحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد (السيرة النبوية لابن هشام م۲، ص ٦١٥).
التطبيق العملي من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما لا وحي فيه يؤكد على وجوب الشورى والأمثلة كثيرة.
شبهات المخالفين
إن الذين يستمسكون من المعاصرين، وهم قلة بأن الشورى معلمة لا ينازعون في وجوب الشورى على الحاكم ابتداء لصريح النص القرآني، وإنما يقولون إنه غير ملزم باتباع قرار أهل الشورى ويستندون في ذلك إلى أدلة لديهم أهمها:
1 - أن الله ألزم النبي-صلى الله عليه وسلم- بالشورى، ولكن لم يلزمه بنتيجتها، حيث قال سبحانه وتعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. (آل عمران: 159)
فقالوا إذا عزم على الأمر له أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم. وهذا فهم غير صحيح، وفي هذا قال ابن عطية عن هذا الرأي هذا خطأ، فالحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه والعزم قصد الإمضاء، وقد فصلت ذلك في كتابي الشريعة المفترى عليها، وحسبنا هنا أن ابن مردويه قد روى عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: سئل رسول الله الله عن العزم فقال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم.
إن القول بعدم الإلزام بنتيجة الشورى لا يتلاءم مع الأمر بوجوبها وأنها من صفات المؤمنين كالصلاة والزكاة.
ومع هذا فلو كانت نتيجة الشورى جدلًا غير ملزمة للنبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه مؤيد بالوحي، حيث يصوب له الرأي إذا أخطأ كما حدث في أسرى بدر، فلا يجوز قياس الحكام على النبي -صلى الله عليه وسلم- والتطوع لهم بهذا الحكم، وإهدار التطبيق لعمل للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما ذكرت جانبًا منه على سبيل المثال لا الحصر.
ولا يجوز بحال تفسير معنى العزم والتوكل بما يناقض أمر الله بوجوب الشورى ذلك أن العزم هو الحزم والحذر من الخطأ في التطبيق، أما التوكل على الله فهو في جميع الأمور، فهو الذي بيده الأمور كلها، فلا يفتر أي إنسان بحوله وطوله وقوته ومن معه، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: ٢٥).
2- يستدلون ببعض الحالات التي لم يأخذ بها النبي الله برأي الأغلبية، وهي حالات تكون من اختصاصه واستشارته فيها غيره غير ملزمة له، كما في حديث الإفك حيث استشار علي بن أبي طالب ومولاته أم أيمن، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد فتح الباري8 /426)، وكما في إرساله بعض المسلمين للهجرة إلى الحبشة، وهذه أيضًا في صلاحياته كقائد ورئيس، ومن ذلك أيضًا تعيينه مصعب بن عمير أميرًا بالمدينة على من أسلم بها.
وهناك حالات لم يستشر أو يأخذ فيها برأي الأغلبية، وذلك لوجود أمر من الله تبارك وتعالى كما في هجرته إلى المدينة والتوقيت لها وكما في صلح الحديبية.
وهناك حالات لم يستشر فيها لأنها نفاذ لعهد كما في فتح مكة، فقد كانت خزاعة في حلف النبي -صلى الله عليه وسلم- عهده بعد صلح الحديبية، وكان بنو بكر في عهد قريش ثم اعتدت بمساعدة قريش على خزاعة التي لجأت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لنصرتها طبقًا للحلف الذي بينهما فاستجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- تنفيذًا لهذا الحلف والعهد فكان فتح مكة، وفيه قال ابن إسحاق في السيرة لما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا ونقضوا ما كان بينهم، وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من العهد والميثاق بما استحلوا في خزاعة (السيرة النبوية لابن هشام م ٣، ٤ صفحة ٣٩٤).
3- يظن البعض أن عدم وجود نظام التصويت السري أو العلني في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- دليل على أن الشورى معلمة وليست ملزمة والتصويت المعاصر ما هو إلا وسيلة من الوسائل التي تستخدم المعرفة رأي الأغلبية، وهذه الوسائل تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص ولهذا تركها الإسلام لعرف الناس، واكتفى بالمبدأ، وهو حق الأمة في اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، فلا يشترط الالتزام بوسيلة بعينها، وقد مر بنا أن النبي- صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر أعاد طلب الرأي ليسمع رأي الأنصار على الرغم من أن سكوتهم يعتبر رضًا برأي الذين قاموا وأعلنوا ضرورة الخروج لملاقاة قريش عند بدر.
وقد وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- قاعدة حق الناس في الاختيار فقال لأهل المدينة الذين تجمعوا للتحالف معه في العقبة كما أورده البخاري أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم، وأبطل البيعة بغير مشورة المسلمين فقال: من بايع رجلًا في غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له، ولا الذي بايعه، (رواه أحمد، المنتقى لابن تيمية ص ٥٨, ٥٤٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص (۹۸)
إن الذين يستمسكون من المعاصرين. وهم قلة بأن الشورى معلمة لا ينازعون في وجوب الشورى على الحاكم لصريح النص القرآني.
الأمة في النظام الإسلامي تنصب الحاكم بمقتضى عهد وبيعة وأهل الشورى لا شأن للحاكم باختيارهم
حول سيادة الأمة
لقد كان الدين لدى الفراعنة والقياصرة والأكاسرة وسيلة لإضفاء العصمة والقدسية على الحاكم الذي كان يدعي كما ورد في القرآن عن فرعون ﴿أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: ۲۹)، فكان أن أبطل القرآن الكريم هذه الأنظمة والعقائد الفاسدة وجعل اختيار الأمراء والحكام من الناس الذين يملكون محاسبتهم وعزلهم. وهذا ما يقول به غير المسلمين، فقد قال باول شمتز كلمة خليفة معناها وكيل أو ممثل أو نائب، فنستطيع أن نطلق على الخلفاء كلمة مديري المجتمع الإسلامي والخلفاء لم يكن لهم سوى السلطة الدنيوية.
لهذا فإن الأمة في النظام الإسلامي تنصب الحاكم بمقتضى عهد وبيعة وهذا العقد يمكن أن يمنح الحاكم سلطات مطلقة في أمور ينفرد هو فيها كتعيين أمراء الأقاليم وسلطات مقيدة كما في التزامه بقرار أهل الشورى، فيما لا نص فيه، أو فيما يحتمل وجوهًا عدة وفي المصالح المرسلة.
هذا العقد يحدد مدة زمنية الحاكم تجدد له بموافقة مجلس الشورى أو بالاستفتاء العام كما أن هذا الدستور أو العهد يحدد فترات التجديد. وأهل الشورى أو أهل الحل والعقد بتعبير الفقهاء يمثلون الشعب ينوبون عنه، ولا شأن للحاكم باختيارهم، بل تختارهم الفئات التي يمثلونها، وهم العلماء، والقبائل، والمجموعات المهنية، والعلمية.
ولقد روى أحمد عن عبادة بن الصامت أنه في بداية حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة المنورة اختار المسلمون جماعة من نقباء المهاجرين والأنصار، سبعة من نقباء المهاجرين، وسبعة من نقباء الأنصار (مسند أحمد) (314/5)
وأهل الحل والعقد يختارون الحاكم ولا يصبح هذا الاختيار نافذًا إلا بمبايعة الشعب له عن رضًا واختيار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية لو أن عمر بن الخطاب وطائفة معه قد بايعوا أبا بكر بالخلافة وامتنع سائر الصحابة عن مبايعته لم يصبح إمامًا، إنما يصبح إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة (منهاج السنة) (642/1)
والبيعة للنبي- صلى الله عليه وسلم- إنما هي بيعة طاعة وانقياد، وليست بيعة اختيار وانعقاد كالبيعة للخلفاء، ولهذا فلا يقاس نظام الشورى في حياته -صلى الله عليه وسلم- على نظام الشورى مع الخلفاء من بعده.
لهذا يقول الإمام الباقلاني عن الخليفة وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة ونائب عنها، وهي من ورائه تسدده وتقومه، وتخلعه وتستبدل به غيره متى اقترف ما يوجب خلعه.
ويقول الإمام الكاساني الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل، ولكن الخليفة إذا مات أو خلع لا تنعزل قضاته وولاته لأن الوكيل يعمل باسم الموكل، وفي خالص حقه، أما القاضي فلا يعمل بولاية الخليفة، وفي حقه، بل بولاية المسلمين وفي حقوقهم (بدائع الصنائع (441/10)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل