العنوان الاستراتيجية الإعلامية الإسلامية وتحديات العولمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
مشاهدات 50
نشر في العدد 1419
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
هل توجد استراتيجية واضحة المعالم محددة الأهداف ذات فاعلية في الواقع للمؤسسات الإعلامية في معظم دول العالم الإسلامي؟
الإجابة هي لا بكل تأكيد، فالذي نراه هو حالة من التشرذم والعشوائية مع شيوع آفات قاتلة تعاني منها أكثرية وسائل الإعلام المقروء والمرئي والمسموع في معظم بلدان العالم الإسلامي، وكان هذه الآفات هي القاسم المشترك الذي يجمع بين معظمها، ومنها التبعية للإعلام الأجنبي في نقل المعلومات والأخبار والبرامج والصور والفوضى وانعدام التنسيق على مختلف المستويات القطرية والعربية والإسلامية، والابتذال وبلادة الحس لدى تعرضها لقضايا الأمة المصيرية أو التحديات الكبرى التي تواجهها في ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة والتنمية والتطور الاجتماعي.
والنتيجة المؤلمة لذلك كله أن هذه الوسائل الإعلامية ذات التأثير الخطير في تشكيل الوعي وتنوير العقول، بدلًا من أن تسهم في صياغة العقل المسلم صياغة جادة سليمة نجدها تؤدي إلى تغييبه وتسطيحه، وشغله بتوافه الأمور، وإغراقه في الفنون الهابطة، كما تؤدي إلى خلخلة المعايير الاجتماعية الأصيلة وزعزعة أسس الهوية، وتفكيك منظومة القيم والمبادئ والأخلاقيات الإسلامية، والانحراف بالسلوكيات الفردية والجماعية عن جادة الصواب إلى طرق الغواية والفساد وبالرغم من الفرص الإيجابية الهائلة التي توفرها ثورة المعلومات، وما يصاحبها من تطورات متلاحقة في وسائط الإعلام والاتصال، وهي أمور يمكن توظيفها في المحافظة على الخصوصية الثقافية الإسلامية والدفاع عن هوية الأمة وتقديمها للعالم بصورة تليق بتاريخها العريق وإنجازاتها الحضارية بالرغم من ذلك وبالرغم من الإمكانات المادية الكبيرة التي تمتلكها المؤسسات الإعلامية وبخاصة الرسمية. في معظم الدول العربية والإسلامية، إلا أنها لا تزال عاجزة وعازفة عن إنتاج مواد إعلامية، وبرامج ثقافية أصيلة وهادفة ومتطورة في الوقت ذاته. اللهم إلا ما ندر. ومن ثم فهي عاجزة أيضًا عن أداء رسالتها في تنوير عقول أبناء الأمة وصقل مواهبهم وتنمية مهاراتهم على النحو الذي يمكنهم من القيام بواجباتهم في الحياة، ويساعدهم على أداء مهمة الاستخلاف في الأرض وتعميرها.
أسباب هذا العجز والعزوف كثيرة من أهمها أن معظم وسائل الإعلام، بما في ذلك الفضائيات العامة والخاصة في أغلبية الدول الإسلامية تسيطر عليها نخب علمانية مصابة بحالة من الاغتراب الثقافي، ومنسحقة تحت أقدام التفوق الإعلامي الأجنبي الغربي والأمريكي بصفة خاصة، ومن ثم فهذه النخب هي من أكبر العوائق أمام إمكان الاستفادة من الفرص التي تتيحها الثورة المعلوماتية والإعلامية، ففضلًا عن عجزها عن الابتكار والإبداع نجدها تلجأ إلى النقل والتقليد الأعمى، وتفضل استيراد المواد الإعلامية الثقافية والإخبارية من الوكالات الأجنبية، وهي بذلك لا تضيع فقط فرص الإفادة من منجزات التقدم التكنولوجي وتوظيفها في التعبير عن الذات وتطوير الثقافة الخاصة، وإنما تسهم أيضًا في إحكام سيطرة الاستعمار الإلكتروني، على عقول أبناء الأمة ووجدانهم وعواطفهم.
إن مهمة الإعلام بوسائله المختلفة ليست مجرد حشو العقول بالمعلومات والأفكار والصور والرموز الغثة التي توظف الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام المتطورة في نقلها ونشرها على أوسع نطاق جماهيري، بل مهمته الأساسية تتمثل في تثقيف العقول، وصقل الوجدانات وترقية العواطف وتنميتها على أسس اخلاقية، وتوجيه السلوكيات وترشيدها، ولن يتم ذلك إلا إذا توافرت رؤية إسلامية استراتيجية واضحة للإعلام في عالمنا العربي والإسلامي.
هناك جهود تبذلها منظمة المؤتمر الإسلامي- منذ سنوات- في سبيل بلورة وتفعيل استراتيجية إعلامية للدول الإسلامية غير انها لا تزال تراوح مكانها، ولم يظهر لها أثر في الواقع، إذ لم تتجاوز مرحلة تشكيل اللجان تلو اللجان أو عقد المؤتمرات التي لا تنجز شيئًا، وغالبًا ما تكتفي بتكرار الأفكار والاقتراحات والتوصيات والقرارات أو محاولة وضع بعض البرامج التنسيقية مثل البرنامج الإسلامي لتنمية الإعلام والاتصال وآخر الأخبار في هذا المجال محاولة تأسيس الملتقى الإسلامي للمنتجين في ميداني الإذاعة والتلفاز، ومن المقرر عقد دورته الأولى في طهران خلال الشهر الجاري طبقاً لتوصيات مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في دورة الإسلام والعولمة التي عقدها في العاصمة الماليزية كوالالمبور ما بين 27 - 30 يونيو الماضي إن الشيء الإيجابي الذي يمكن أن تفرزه تلك الجهود هو أنها تتم بشكل مؤسسي وعلى مستوى العالم الإسلامي، ولكنها تتم بخطوات شديدة البطء، فضلًا عن أن ما يتم الاتفاق عليه يظل - في معظم الحالات. حبيس الأدراج والأوراق، ولا يجد قوة تنقله إلى حيز التنفيذ، ومثل هذا الأداء البطيء والمجمد لا يتسق مع التحولات السريعة التي يشهدها العالم في تكنولوجيا الإعلام ووسائط نقل المعلومات، وما ينتج عن ذلك من كثافة في الاتصالات وفي التدفق الهائل للأفكار والمعلومات مع التوسع المستمر للعولمة واختراقها للأنساق الثقافية غير الغربية بصفة خاصة وفي مقدمتها النسق الثقافي العربي الإسلامي، الأمر الذي يفرض تحديات صعبة على المؤسسات والجهات المعنية بشؤون الإعلام والثقافة في بلادنا من زاوية ضرورة تطوير أدائها، وإثبات وجودها، ودفعها إلى حلبة المنافسة العالمية، ولن يتأتى لها ذلك . في عصر التكتلات والشركات الإعلامية العملاقة عابرة القارات. إلا وفقًا لرؤية استراتيجية إسلامية تجتمع عليها مؤسسات الثقافة والإعلام في الدول الإسلامية بحيث تقوم هذه الاستراتيجية على الأسس الآتية:
1- وضع ميثاق أخلاقي للعمل الإعلامي والالتزام به على النحو الذي يحفظ ذاتية الأمة ويصون هويتها الإسلامية.
2- تطوير البرامج والمواد الإعلامية والثقافية والاعتماد على الذات في إنتاجها بحيث تعكس واقع المجتمعات الإسلامية ومشكلاتها وتغذي طموحاتها وأمالها وتحررها من أسر الهيمنة الإعلامية الأجنبية.
3- التنسيق والتكامل بين مختلف وسائل الإعلام ومؤسساتها وقنواتها. العامة والخاصة - العربية والإسلامية.
إن وسائل الإعلام أصبحت هذه الأيام إحدى الركائز الأساسية لصياغة عقل الإنسان المسلم.. وتلك أمانة ينبغي على المسؤولين عن الإعلام أن يرعوها حق رعايتها وأن يقوموا بواجبهم تجاهها بما يرضي الله عز وجل ويصون عقول أجيال الأمة من التشتت والضياع بين الأفكار الشاذة، والمذاهب المنحرفة والإثارة الهابطة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل