; الاستراتيجية النووية الأمريكية تجاه العالم في ظل النظام العالمي الجديد | مجلة المجتمع

العنوان الاستراتيجية النووية الأمريكية تجاه العالم في ظل النظام العالمي الجديد

الكاتب نادر عبدالغفور أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 11-أبريل-1995

مانشيستر- بريطانيا

بعد سقوط المعسكر الاشتراكي برئاسة الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات، وانتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، تغيرت كثيرًا الإستراتيجية السياسية والعسكرية الغربية التي استندت أساسًا على تلك المواجهة، ومن جملة الأمور التي استدعت إعادة النظر الإستراتيجية النووية الأمريكية لمواجهة احتمال حصول دولة من دول العالم الثالث على سلاح نووي، يمكنه تهديد مصالح الولايات المتحدة وحليفاتها، ويقول جون باورز- المستشار السياسي للوكالة الاتحادية الأمريكية للطوارئ- في مقال له نشر في مجلة «أوربز» في شتاء هذا العام: «إن السياسة النووية الأمريكية نجحت بدرجة هائلة في احتواء الخطر النووي الشيوعي لفترة أربعة عقود؛ لأن تلك السياسة اعتمدت على التأكد من أن القادة الروس سيطروا بصورة تامة على السلاح النووي، وأنهم تفهموا خطورة ذلك السلاح بالنسبة للطرفين، لكن تطور الأحداث بعد انتهاء الحرب الباردة أدى إلى خلق حالة من الارتباك في السياسة النووية الأمريكية»، ويقول باورز: «إن خطر السلاح النووي اليوم هو أعظم من أية فترة مضت منذ إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما قبل خمسين عامًا».

ومن الجدير بالأمر أن باورز يشير إلى حقيقة لم تكن تذكر من قبل، وهي تسريب الولايات المتحدة بعض أسرارها النووية إلى الاتحاد السوفيتي في مطلع الستينيات كجزء من إستراتيجية الاحتواء النووي، والتفاهم بين القوتين العظميين آنذاك، ويمكن للولايات المتحدة وحليفاتها العيش باطمئنان في حالة حصول الصين والهند وجنوب إفريقيا و«إسرائيل» على السلاح النووي، إذ توجد مع هذه الدول مصالح كثيرة مشتركة وتفاهم مستمر، لكن الولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل حصول أية دولة إسلامية- حتى وإن كانت ضمن المحور الأمريكي- على مثل هذا السلاح، ولهذا السبب أثارت الولايات المتحدة مسألة إمكانية حصول الباكستان على السلاح النووي في منتصف الثمانينيات كجزء من تلك الإستراتيجية القديمة لوضع ضغط عالمي، وحث الباكستان على التخلي عن ذلك التوجه.

المهم في هذا الأمر أن سياسة نزع الأسلحة النووية من دول العالم الثالث استدعت ضرورة إعادة النظر في بداية التسعينيات، وعلى ضوء المستجدات السياسية الجديدة، وسياسة النظام العالمي الجديد الذي ركز عليه الرئيس الأمريكي بوش في عام 1990م، وفي تلك الفترة مرت الولايات المتحدة بفترة من العزل السياسي بعد انتهاء الحرب الباردة، وبروز العامل الاقتصادي الذي سيطرت عليه ألمانيا الموحدة واليابان، ويتطرق إلى هذه الحقيقة جون بولوش وهافي موريس في كتابهما «حرب صدام» الذي نشر عام 1991م، ويقول الكاتبان: «إن الولايات المتحدة عاشت في عزلة كبيرة كادت أن تفقدها موقع قيادة العالم، وإن مسألة الدور المستقبلي للولايات المتحدة كانت في تخبط، خصوصًا بعد بروز دور اليابان وألمانيا، في نفس الوقت بدأت أوروبا في الشعور بنوع من الاستقلالية عن المحور الأمريكي، وهي استقلالية يمكن أن تكون عسكريًّا واقتصاديًّا في آن واحد».

ومن هذا كان على الولايات المتحدة أن تعمل بجدية وبسرعة للسيطرة على قيادة العالم في ظل التطورات الجديدة التي سادت الكثير من دول أوروبا الشرقية والغربية في بداية التسعينيات، ويبدو أن صدام حسين وفر الفرصة الذهبية للولايات المتحدة لإعادة التصدر في قيادة العالم، وذلك باحتلاله دولة الكويت، وهي دولة عربية مجاورة، كانت تربطه معها علاقات حميمة إبان الحرب العراقية الإيرانية، تلك الفرصة لم يكن ليفوتها الرئيس الأمريكي بوش لاستعادة قيادة العالم، وحسب ملاحظات المحللين السياسيين فإن السرعة والنشاط التي أبداها بوش أثارت الكثير من الأسئلة حول حقيقة التوجه الأمريكي، وهل هو لتحرير الكويت أو لأسباب أخرى كثيرة تتعلق بمصالح أمريكا في المنطقة؟ وبالطبع فإن هذا يثير سؤالًا آخر وهو: هل صدام دخل الكويت بمحض إرادته، أو أن هناك أصابع خفية شجعته في الخفاء لأسباب تتعلق بمصالحها الاقتصادية والعسكرية؟

إن مسألة احتلال دولة الكويت أتت في نفس الوقت بالولايات المتحدة لإعادة رسم إستراتيجياتها المختلفة، وعلى رأسها الإستراتيجية النووية، وأثار بعض المستشارين العسكريين للحكومة الأمريكية أسئلة تتعلق حول شخصية صدام حسين، وهل كان بإمكان الولايات المتحدة مواجهته في حالة امتلاكه للسلاح النووي؟ بل إن شخصية صدام غير المنطقية وغير المتوازنة لا يمكن الاعتماد عليها، لو امتلك حاكم العراق السلاح النووي، وهو الرجل الذي استخدم السلاح الكيمياوي ضد شعبه، وعلى مرأى ومسمع العالم، لذلك كان لابد من استبدال الإستراتيجية النووية القديمة بإستراتيجية جديدة أكثر حزمًا في مواجهة حصول دول العالم الثالث- وخصوصًا الإسلامي- على مثل هذا السلاح، وطبقًا للمعلومات الغربية فإن صدام كان يسعى وبجدية للحصول على مثل هذا السلاح، وبتشجيع من الغرب، لذلك كان لابد من التخلص من هذه الإمكانية بطريقة أو بأخرى، ولكن كيف حصل العراق على مثل هذه التقنية؟ ومن الذي شجعه عليها؟

ما حقيقة القنبلة النووية العراقية؟

بدون أي شك لم يخف النظام العراقي طموحه لامتلاك القنبلة النووية، وهي حقيقة أكدها صدام حسين في الكثير من خطاباته وتصريحاته الإعلامية، حتى إنه تبجح أمام الرأي العام العالمي بامتلاكه لصمامات التفجير النووي، بل إن صدام حسين أكد في تصريح له عرض على شاشة التليفزيون الفرنسي في عام 1989م أن العراق لا يملك السلاح النووي، إلا أنه لا يرى أية مشكلة في الحصول عليه بمساعدة إحدى الدول الغربية، هذا الأسلوب الإعلامي الأحمق استغل بجدارة من قبل الحملات الإعلامية الأمريكية والإسرائيلية لضرب مقدرات العراق النووية، وكأن صدام لم يحصل على التقنية بدون موافقة ومباركة الغرب خلال فترة حربه مع إيران، بل إن الإعلام الغربي صور العراق كأنه من الدول العظمى المتطورة تقنيًّا، والتي تمتلك المصانع والكوادر الضرورية لهذه الصناعة، في الوقت الذي كان ولا يزال الشعب العراقي يرزح فيه تحت وطأة الاضطهاد السياسي والضغط الاقتصادي.

وفي الواقع فإن طموح العراق النووي لم يكن وليد الحقبة الزمنية التي سبقت احتلال الكويت، وإنما يرجع إلى منتصف السبعينيات، وبروز نجم صدام حسين كرئيس حقيقي للنظام العراقي، وأفول نجم أحمد حسن البكر، ومما عزز تلك المرحلة الثروة الهائلة التي جناها صدام من عائدات النفط، وازدهار أسواقه، مما دفعه للانتقال عبر عواصم الكثير من الدول الأوروبية كمرشح أساسي لقيادة دول عدم الانحياز، لذلك يمكن أن نعزو أسباب الطموح العراقي النووي إلى عاملين أساسيين هما: إيران التي كانت تمثل العدو الرئيسي للولايات المتحدة، بالإضافة إلى العامل الشخصي، وهو حب صدام حسين للظهور كقائد عربي وعالمي على مسرح الأحداث الدولية، وخلال فترة منتصف السبعينيات أرسل النظام العراقي الكثير من الطلبة الموالين لحكمه في بعثات دراسية إلى الدول الغربية للتخصص في مجالات الكيمياء الصناعية، والفيزياء النووية، وهندسة المفاعلات الذرية، وكانت حصة الأسد من نصيب بريطانيا وفرنسا وأمريكا.

وقد دربت الشركات الألمانية الكوادر العراقية للتخصص في برامج الصناعة النووية، وبرامج التدريب هذه كانت جزءًا من الجهود العراقية للحصول على الكادر المتخصص في الصناعات العسكرية النووية بدلًا من الاعتماد المباشر على الخبراء الأجانب، وأشرفت على برامج التدريب هذه شركات وهمية تابعة أساسًا للمؤسسة العسكرية العراقية التي أشرف عليها أقارب صدام، ومن هذه الشركات مؤسسة «الفاو العامة» التي مقرها بغداد التي كان هدفها الحصول على الأجهزة والمعدات اللازمة من مصادرها الغربية، وتمت عملية نقل التقنية بصورة هادئة خلال فترة الثمانينيات، وبمباركة الولايات المتحدة وحليفاتها حتى أزمة احتلال الكويت في مطلع التسعينيات، وعلى سبيل المثال التقى وفد من شركة «مان التقنية الألمانية» سرًّا مع وفد عراقي يضم مهندسين متخصصين في تقنية تصميم أجهزة النبذ الطاردة في عام 1988م، لتزويدهم بمثل هذه المعدات التي تستخدم لعزل اليورانيوم المخصب.

تقنية صناعة القنبلة الذرية

يتطلب صنع القنبلة النووية الحصول على كمية معينة من اليورانيوم العالي التخصيب، ويمكن الحصول على هذه الكمية إما عن طريق الكميات المتولدة عن المفاعلات النووية السلمية، أو الحصول عليها من مصدر خارجي، وكانت الطريقة الأخيرة هي التي استخدمتها «إسرائيل» في الستينيات لسرقة كميات من اليورانيوم المخصب من أوروبا، وهربتها عن طريق البحر إلى مجمع مفاعل ديمونة الإسرائيلي، هذا إن صح القول أنها سرقت، وأنها لم تعط مجانًا «لإسرائيل»، ويستخدم اليورانيوم المخصب أو البلوتونيوم في قلب القنبلة للحصول على التفاعل الانشطاري المتسلسل الذي لا يمكن وقفه، وينتج البلوتونيوم صناعيًّا بواسطة المفاعلات الذرية عن طريق تشعيع الوقود النووي في وحدة صناعية كيميائية معزولة، وقد منع العراق من الحصول على هذه المادة بعد أن قصفت إسرائيل مفاعل تموز في عام 1981م، أما اليورانيوم فيمكن إنتاجه في وحدة صناعية لفصل النظائر المشعة، وباستخدام تقنية النبذ الطارد الغازية، وتستخدم في القنبلة الذرية عاكسات معدنية مصنوعة من اليورانيوم الطبيعي، أو البريليوم، أو التنجستن الذي يحيط بالمواد الانشطارية، ويجمعها معًا لأطول فترة ممكنة؛ للسماح بالعملية الانشطارية بالاستمرار وعكس النيوترونات إلى المواد الانشطارية، للإسراع من عملية الانشطار النووي، وهذه العملية ليست بالصعبة، ويمكن الحصول على موادها بسهولة، وتحيط بالعاكسات المعدنية من الخارج عبوات ناسفة شديدة الانفجار لتشكيل موجات ارتجاجية تركز على المواد المشعة، وتضغط هذه الموجات القوية على المواد المشعة، لكن هذا يتطلب وضع العبوات الناسفة ذات الانفجار البطيء والسريع حول العاكسات بطريقة خاصة للحصول على الموجات المطلوبة.

أما صمام انفجار القنبلة فهو عبارة عن مجموعة من الأجزاء الإلكترونية التي يمكنها إحداث الانفجار في العبوات الناسفة التقليدية، ولكن صمام القنبلة النووية يجب أن يعمل خلال فترة جزء من الواحد بالألف من الثانية، ويملك الصمام مكثف الانفجار وزر سريع الانفتاح.

ومن المعلوم أن صدام حسين تبجح أمام عدسات الكاميرات العالمية قبل حرب تحرير الكويت بامتلاكه الصمام الإلكتروني للقنبلة النووية، في الوقت الذي تنفي فيه «إسرائيل» دائمًا امتلاكها لأي سلاح نووي، وهذا دليل واضح على حب صدام للتبجح، وكشفه للأوراق التي يمتلكها، مما وفر الفرصة الثمينة لتهيئة المجتمع الدولي نفسيًّا لضرب مقدرات العراق.

وتشير مصادر الاستخبارات الغربية أن ثلاثة علماء عراقيين من مؤسسة «القعقاع» العسكرية حضروا مؤتمرًا علميًّا أمريكيًّا في عام 1989 حول تقنية صمامات الانفجار «الكرايترون»، وقاموا بالاستفسار حول صناعتها وكيفية الحصول عليها، وبالفعل اشترى العراق حوالي 150 مكثفًا إلكترونيًّا يستخدم في صناعة صمامات الانفجار من شركة ماكسويل إلكترونيكس الأمريكية عام 1989م، ويتطلب الانشطار النووي وجود كمية معينة من مصدر نيوتروني يقوم بقصف المواد المشعة وابتداء عملية الانشطار، ويمكن إنتاج النيوترونات إما بواسطة مصادر من البريليوم والبولونيوم أو مولد نيوتروني متقدم، وقد حصل العراق على مولدات نيوترونية لاستخدامها في استكشافات النفط، لكن هذه غير مؤهلة للاستخدام في صناعة القنبلة النووية إلى معدن يستخدم في القنبلة، وهذه العملية بسيطة تتطلب عزل اليورانيوم المخصب عن وقود المفاعل، ويمكن القيام بها خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الثلاثة أسابيع، ولعل من أصعب مراحل تصنيع القنبلة النووية هي مرحلة الحسابات النظرية التي تطلب استخدام الحاسبات الإلكترونية السريعة جدًا، وتستخدم هذه الحاسبات للقيام بحسابات التصميم والتصنيع والسلوك الديناميكي وقوة الانفجار المتوقعة، وتستخدم أيضًا لدراسة الخواص الفيزيائية والكيميائية للمواد المستعملة في درجات الحرارة والضغط العاليين، وعملية الانشطار المتسلسل، والاستمرار بها، وغيرها من الحسابات، ومع أن هناك حاجة مهمة للقيام بمثل هذه الحسابات؛ إلا أنه من الممكن القيام بها بدون استخدام الحاسبات السريعة، بالإضافة إلى ذلك فإن تصنيع مثل هذه القنبلة يتطلب تجربتها مختبريًّا وميدانيًّا، وهي عملية تحتاج إلى خبرة ودراية فائقة، بالإضافة إلى أجهزة معقدة بضمنها أجهزة القياس الأشعة السينية الصادرة عن الانفجار وغيرها من الأجهزة الإلكترونية، وتعتقد الدوائر العلمية أن العراق لا يملك مثل هذه القدرة والأجهزة للقيام بعملية الاختبار.

الإستراتيجية النووية الأمريكية الجديدة

من هذا يتبين أن العراق بإمكانياته المحدودة، وبالرغم من انفتاح الأسواق الصناعية الأوروبية والأمريكية في الثمانينيات، لم يتوصل إلى القدرة الكاملة لإنتاج مثل هذا السلاح الفتاك بعكس «إسرائيل»، التي زودت بكل ما تحتاجه- ومجانًا- لتطوير المواد والمعدات التي تكفي لإنتاج العشرات من القنابل النووية، ومع ذلك كان يجب التخلص من طموحات صدام النووية، وهذا ما تم عبر لجان الأمم المتحدة التي استهدفت التخلص من جميع الأجهزة والمعدات والمواد التي بذل من أجل الحصول عليها الملايين من الدولارات، بل إن المواد المشعة التي يمكن أن تستخدم في صنع السلاح النووي تم نقلها إلى روسيا وأمريكا وبموافقة النظام العراقي.

وبعد نجاح هذه التجربة الميدانية من الأسلحة النووية في دولة من دول العالم الثالث، بدأت الإستراتيجية الجديدة تتخذ أبعادًا مختلفة، وتستهدف الإستراتيجية النووية الأمريكية الآن بعض الجوانب والاحتمالات المختلفة، منها كيفية مواجهة الصراعات النووية المحلية والتي منها احتمال الاشتباك النووي بين الهند والباكستان، خصوصًا عند عدم وجود السيطرة التامة للولايات المتحدة أو روسيا على مثل هذه الدول، ومع ذلك فإن مثل هذه الدول لا يمكن أن تشكل خطرًا مباشرًا على الولايات المتحدة، لبعد المسافة الجغرافية، إلا أنه يمكن ضرب مصالحها القريبة مما يعرضها للخطر.

ومن الاحتمالات الأخرى إمكانية حصول بعض الجهات المعادية والإرهابيين على سلاح نووي، يمكنه تعريض الولايات المتحدة من الداخل أو الخارج للخطر.

أما الاحتمال الثالث والمهم: فهو انتقال التقنية النووية والمواد من دول المعسكر الشيوعي سابقًا إلى دول غير حليفة للولايات المتحدة، ومنها إيران والعراق وليبيا وكوريا الشمالية، وبالفعل تسعى الولايات المتحدة وبعض حليفاتها للحد من تسرب مثل هذه التقنية إلى دول أخرى، وترتكز هذه الإستراتيجية الآن على مقولة: إن الذي يسعى للحصول على السلاح النووي لابد أنه يسعى أيضًا لاستخدام مثل ذلك السلاح، لذلك فإن الإستراتيجية التي تم تطبيقها على العراق يمكن أن تطبق على دول مماثلة لحثها على التخلص من التوجه النووي.

ويركز بعض المختصين الأمريكان على إستراتيجية أخرى، وهي إستراتيجية الاحتواء التي اتبعتها الولايات المتحدة بنجاح في عهد الرئيس الأمريكي كنيدي، بعد أن سربت بعض المعلومات النورية للاتحاد السوفيتي، وساعدت السوفييت للسيطرة على سلاحهم النووي، وهذا التوجه الجديد يركز على مساعدة بعض الدول ذات التوجه النووي (بالطبع الحليفة منها، أو التي يمكن جذبها نحو المحور الأمريكي) للسيطرة على الأسلحة التي تنتجها تلك الدول، ومن ثم الحد من استخدامها ضد مصالح الولايات المتحدة، وضمن هذا التوجه تساعد الولايات المتحدة تلك الدول في برامج التدريب والتعليم والتخطيط لوضع برنامج كامل للسيطرة الداخلية على تلك الأسلحة، وربما استخدم هذا التوجه مع كوريا الشمالية إبان الأزمة الأخيرة للحد من الطموح النووي الكوري.

بالإضافة إلى ذلك هناك تركيز أيضًا على سياسة الدرع النفسي والعسكري، وهي السياسة التي يعتقد الأمريكان أنها نجحت في منع صدام من استخدامه سلاحه الكيمياوي ضد قوات الحلفاء إبان أزمة احتلال الكويت، وضمن هذه الإستراتيجية توفر الولايات المتحدة القوات والتقنية اللازمة، وتوزعها ضمن مناطق معينة من العالم، خصوصًا المناطق الساخنة لتشكيل قوة ردع حازمة، وضمن الإستراتيجية الجديدة يمكن للولايات المتحدة استخدام قنابل نووية ميدانية صغيرة، وأسلحة ذكية كصواريخ توماهوك التي استخدمت ضد العراق لضرب المواقع النووية التي يشتبه بها في أية دولة من دول العالم الثالث كجزء من سياسة الردع الحازم.

لهذا فإن مغامرة صدام حسين باحتلاله الكويت أدت بالولايات المتحدة إلى إعادة النظر في الكثير من الأمور الإستراتيجية، وبذلك قدمت تلك المغامرة خدمة لا يمكن أن تجزى لتركيز الهيمنة الأمريكية على مقدرات الشعوب، خصوصًا العالم الإسلامي في القرن القادم.

الرابط المختصر :