العنوان الاستراتيجية الفرنسية في الخليج العربي بين النفط والتسليح والحشود البحرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1980
مشاهدات 70
نشر في العدد 464
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 08-يناير-1980
السلاح الفرنسي ينافس الأسلحة الأخرى في دول الخليج
حشود فرنسية بحرية قريبة من الخليج بدعوى حماية الطريق النفطية
فرنسا تبيع السلاح مقابل المقايضة بالنفط
وزارة الدفاع الفرنسية أعدت مشروعًا للتدخل في الخليج في حالة الطوارئ
أشارت «المجتمع» في كثير من أعدادها الماضية إلى الدور الفرنسي الذي تحاول حكومة الرئيس ديستان أن تلعبه في المناطق الساخنة من العالم، من خلال محاولات الفرنسيين أن تكون دولتهم هي القوة الثالثة بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وإذا عدنا بالذاكرة إلى أن صفقة هذا القرن من الأسلحة كان ثمنها ۲۰ مليار دولار عام ١٩٧٤، وعرفنا أن الجمهورية الفرنسية نازعت الولايات المتحدة في هذه الصفقة. ودخلت مع الأمريكان في صراع حول الطائرة الفرنسية ف ١ والطائرتين الأمريكيتين ف ١٦ وف ٣ وعقدت صفقة الطائرات مع دولة مثل بلجيكا ودول أوروبية أخرى... عندها نقف على حقيقة هي «أن الفرنسيين ما زالوا مستمرين في نزعتهم الأوروبية التي تهدف للوصول إلى استقلالية عن التوجيه الأمريكي المحض» وإذا كان الجنرال ديغول مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة هو الذي رسم خطوط هذه الاستقلالية فإننا لا نستطيع الزعم بأن الرئيس ديستان يسير على خطى ديغول السياسية تمامًا.
وإنما هناك نوع من الاستقلالية عن التيار الأمريكي العالمي عند حكام الإليزيه.
الساسة الفرنسيون والمنطقة العربية:
منذ خروج الفرنسيين من المستعمرات العربية وحكومات الإليزية المتتابعة تحاول تثبيت وجودها في المناطق العربية بشتى الطرق وذلك حرص على شيئين:
۱. الحصول على امتيازات خاصة بفرنسا تتعلق بالطاقة ابتداءً من التنقيب عن البترول وانتهاء بالاحتكارات الفرنسية لتصريف ما يمنحها إياه الامتياز
۲. فتح أسواق للأسلحة في المناطق العربية المستقلة أو الساخنة على الأقل، ولا سيما وأن لعبة السلاح التي لعبها الأمريكان والروس طيلة الفترة التالية للحرب العالمية الثانية قد جعلت الروس والأمريكان صاحبي الامتياز في اقتسام سوق السلاح العربية.
فرنسا بين النفط والسلاح في منطقة الخليج:
بعد الحظر النفطي الذي مارسه بعض الدول العربية «جزئيًا» إثر حرب۱۹۷۲ التفت العالم لتأمين مستقل للطاقة. ودخلت الدول الكبرى في صراع خفي حاولت مؤتمراتها في كثير من الأحيان أن تخفف منه... بيد أن دوافع النزاع كانت أقوى، الأمر الذي جعل كل دولة تبحث عن مصادر خاصة بها لتأمين النفط الذي هو أهم مصادر الطاقة في الربع الأخير من القرن العشرين.
ولما كان الصراع الدولي حول الطاقة يعتمد في كثير من الأحيان على مبدأ المقايضة، فقد دخلت فرنسا في هذا الباب منذ عام ١٩٧٤ عندما رفعت حظر بيع السلاح عن الدول العربية. وفتحت باب توريده على مصراعيه بعيدًا عن الاستراتيجيات الدولية الأخرى. وبدخول الفرنسيين في لعبة السلاح والنفط وجدوا أنفسهم في معترك جديد للصراع الدولي، الأمر الذي أدى بهم إلى حشد جانب من قواتهم البحرية حول منطقة الخليج التي هي سوق لتصدير النفط من ناحية وسوق لبيع السلاح من ناحية أخرى، ففي عام ١٩٧٥- أنشأت فرنسا في القسم الغربي من المحيط الهندي، وهو يسيطر على مداخل خليج النفط العربي «قيادة قطاع» على البارجة «لاثارت» التي تزن حمولتها ٢٦ ألف طن وتضم إلى جانب ذلك مدمرات مواكبة وثلاث سفن دوريات ساحلية مزودة بالصواريخ، فضلًا عن الاستعراض البحري الذي بدأته حاملة الطائرات الفرنسية «كليمنصو» منذ خمس سنوات مضت في ذلك القسم من المحيط الهندي.
السلاح الفرنسي في أسواق الخليج:
لقد نفذت فرنسا في استراتيجيتها الرامية في فتح أسواق للسلاح الفرنسي مزاحمة بذلك كل من الروس والأمريكان... ففي تقرير لمجلة الوطن العربي التي تصدر في باريس، جاء في العدد الصادر بتاريخ ١٤/١٢/١٩٧٩ أن فرنسا احتلت المرتبة الثالثة في تصدير الأسلحة إلى مختلف دول العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، فقد بلغت مبيعات الأسلحة الفرنسية ما قيمته ۱۷٫۳ مليار فرنك فرنسي في العام المنصرم «۱۹۷۸» بالإضافة إلى توصيات وعقود لصنع أسلحة مختلفة بقيمة ٢٣٫٢ مليار فرنك فرنسي. وبعملية حسابية يعرف الإنسان أن مبيعات فرنسا للسلاح قد تضاعفت أربع مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، وقد اعتبر المراقبون أن هذا تطور كبير بالنسبة لعمر صناعة السلاح الفرنسي في الفترة الأخيرة، ولعل أبرز الدول الخليجية التي ابتاعت السلاح من فرنسا مؤخرًا هي العراق وقطر والبحرين. ففي ١٠/٥/١٩٧٩ ذكرت صحيفة الشرق الأوسط السعودية أن العراق وقع مع فرنسا على شراء صفقة أسلحة جيدة بقيمة ١٥٠٠ مليون دولار وهي تشمل شراء ١٠٠طائرة ميراج «ف ۱» وغيرها من الأسلحة الحديثة في مقابل النفط، وقد ذكرت الشرق الأوسط أن تلك الصفقة تكريس للسياسة المشتركة التي بدأت تمارسها كل من بغداد وباريس، ويذكر هنا على سبيل أن العراق قد تحول من السياسة التي كانت تربطه بشراء الأسلحة من الاتحاد السوفياتي إلى سياسة أخرى تكون فرنسا بنتيجتها هي صاحبة الحظ في سوق السلاح والنفط في العراق.
ومن أحدث الأخبار عن سياسة التسليح الفرنسي للعراق- ما صرحت به مصادر مطلعة مساء الخميس ٢٠/١٢/١٩٧٩ونقلته القبس الكويتية حيث ذكرت «أن العراق وقع عقدًا مع فرنسا لشراء ٢٤ طائرة جديدة من طراز «ميراج إف ۱» وقالت المصادر إن هذه الطائرات ستنضم إلى 36 طائرة من نوع «ميراج إف ۱ إس» اشتراها العراق عام ١٩٧٧.
أما توريد السلاح إلى دول خليجية أخرى، فقد وردت فيه تقارير صحفية آخرها ما ذكرته المصادر السابقة مساء ٢٠/١٢/١٩٧٩ من أن قطر وقعت عقدًا جديدًا مع فرنسا لشراء 6 طائرات تدريب من طراز «الفاجت».
هذا ولا تقف مسألة السوق الخليجي للسلاح الفرنسي على توريد الأسلحة إلى دول الخليج، وإنما هناك ما يتعدى العلاقة الاقتصادية القائمة بين النفط والسلاح إلى علاقة تنظيمية تتعلق بتراب الوضع العسكري على أساس الإفادة... الخبرة الفرنسية كما حصل في البحر مثل: ففي ۱۱/۹/۱۹۷۹ نقلت الشرق الأوسط السعودية من باريس عن أ. ف. ب خبرًا يفيد أن دولة البحرين... أبدت على لسان ولي عهدها عزمها على الإفادة من الخبرة الفرنسية فيما يتعلق بتنظيم دفاعها، وذلك رغبة منها في تنمية قوتها العسكرية» .وهنا يحسن أن نستمد من الأرشيف السياسي لدولة البحرين خبرًا تناقلته وكالات الأنباء عام ۱۹۷۷ مفاده... أن البحرين ألغت في شهر حزيران يونيو ۱۹۷۷ الاتفاقية البريطانية التي تمنح الأسطول الأميركي حق قاعدة الخبير عن الشرق الأوسط ۱٣/۹/۱۹۷۹.
إذًا فالفرنسيون- وهم المنظمون الجدد للدفاع في البحرين ملأوا الفراغ الذي حصل- استراتيجيًا- في هذه النقطة بخبرتهم على تنظيم دفاع دولة البحرين وتنمية قوتها العسكرية.
ليس من الصعوبة بمكان تحديد هذه الخطوط، فإذا كان الخط الأول المتشعب بين النفط والسلاح يبحث عن قوة اقتصادية مستقلة فإن للاستراتيجية العسكرية نصيبًا وافرًا من هذه الخطوط.
فمصادر النفط متنازع عليها بين الدول العملاقة.
والدول العملاقة حشدت عشرات السفن بدعوى حماية مصالحها ومصادر الطاقة التي تحرص عليها.
إذًا... فما المانع من أن تكون فرنسا واحدة من الدول التي تكرس لاستراتيجية عسكرية خاصة بها؟؟.
. ففرنسا التي تسيطر على جزر استراتيجية صغيرة تمتد من جيبوتي إلى مدغشقر وتقوي مركزها في القرن الأفريقي تدعى أن ذلك بهدف مراقبة طريق النفط الذي يبدأ من الخليج صراحة... بل إنها تدعى أنها راغبة لحماية مصادر الطاقة الفرنسية... وقد علل احد ضباط البحرية الفرنسية المتواجدة قرب منطقة الخليج هذه الاستراتيجية العسكرية قائلاً:
«إننا نريد أن نتأكد من أنه لن تعمد قوة معادية الي التلاعب بمصادر نفطنا».
- وفرنسا تحتفظ بحامية فرنسية من «٤٦٠٠» جندي وبحار في جيبوتي بعد أن تم منح جيبوتي استقلالها قبل سنتين، وذلك بهدف الإفادة من هؤلاء في أوقات الأزمات التي تعرض المصالح الفرنسية للخطر على حد تعبير رجال الإليزيه.
وفرنسا تستعد لبناء استراتيجية تعتمد على القوات الخاصة في الخليج... فقد ذكرت مجلة «لاسيمار أنسيمار إشبلية» الفرنسية في الربيع الماضي أن وزارة الدفاع الفرنسية قد أعدت مشروعًا عمليًا للتدخل في منطقة الخليج في حالة الطوارئ.
وقالت المجلة : أن أربعة ألاف جندي من الوحدات الفرنسية المتفوقة يجرون تمرينات لمهمات مختلفة وأن هذه الوحدات ستكون على استعداد للإغارة على حقول النفط العربية في حالة توسع أزمة الطاقة.
إذا فإن الفرنسيون الذين تمكنوا من فتح أسواق الخليج لسلاحهم ..يعتبرون ذلك خطا من خطوط استراتيجيتهم الخاصة في المنطقة السلمية... الأمر الذي يجعل المراقبين يتساءلون
هل تعيش فرنسا في أحلامها الاستعمارية القديمة، وهل ستعود فرنسا للتمركز في المنطقة العربية وهي تعتبر نفسها أنها تعيد أمجاد الأجداد الخالدة!!
إننا لا نستطيع الآن أن نجيب عن هذا السؤال.. بيد أننا ننقل الآن خبرًا سردته مجلة النيوزويك الأمريكية ونقلته جريدة الهدف الكويتية يوم ١٩٧٩/١٢/٢٠ ومفاده: «أن فرنسا تعد مشروعًا لحلف يضم بلدان الخليج والجزيرة ويتكون من العراق والسعودية وإمارات الخليج العربي.
وأمام هذا الخبر يقف المرء منتظرًا ما سيحدث في المنطقة من مفاجآت!!.
ترى إلى متى سيظل الخليج ( بنقطه وأسواقه ) بابًا مفتوحًا يدخله كل الباعة السماسرة القادمون من العالم الاستعماري؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل