; الاستثمارات العربية في الخارج والمصالح القومية | مجلة المجتمع

العنوان الاستثمارات العربية في الخارج والمصالح القومية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1990

مشاهدات 60

نشر في العدد 964

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 24-أبريل-1990

بدعوة من المؤسسة العربية لضمان الاستثمار انعقدت في مطلع مارس المنصرم بالكويت ندوة «الأجهزة الوطنية المشرفة على الاستثمار»، وقد شاركت في الندوة 12 دولة عربية بالإضافة لحضور كل من ماليزيا والفلبين، وكان تركيز الندوة منصبًّا على قضية توطين الاستثمارات العربية في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، والعمل على زيادة الاستثمارات الوطنية وتشجيعها على تدعيم القدرة الذاتية للإمكانيات المتاحة، وقد أشار مدير عام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار مأمون إبراهيم حسن إلى تناقص تدفق الاستثمارات بين الدول العربية في السنوات العشر الأخيرة من 6.2 مليار دولار إلى 2,8 مليار دولار، وقضية الاستثمار لرؤوس الأموال العربية برزت للسطح منذ مطلع السبعينيات، ومع تزايد آثار الفورة النفطية الأولى؛ حيث شاع مصطلح الفوائض المالية تعبيرًا عن الزيادة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط عقب حرب 1973م؛ حيث أصبحت العوائد المالية أكبر من أدوات الاستيعاب الوطني للدول المنتجة للنفط، ومن هنا نشأت الحاجة إلى إيجاد البدائل الاستيعابية لتثمير تلك الأموال بما يحفظ أصولها من التآكل الناتج عن تبدل القيمة الشرائية للعملات وبما يحقق أرباحًا آنية ومستقبلية، فاتجهت الإدارات المالية إلى الغرب الرأسمالي بحثًا عن أجواء الاستقرار السياسي والاقتصادي السائدة هناك، وإيقانًا من دواعي التكامل للعملية الاستثمارية فيه.

دواعي

جاءت هجرة رؤوس الأموال العربية إلى الغرب الرأسمالي تبعًا لمسببات تبدو منطقية نسبيًّا؛ حيث إن تراكم الفوائض النقدية، والذي شكل همًّا اقتصاديًّا في مطلع السبعينيات، كان أكبر من الطاقة الاستيعابية للدول المنتجة للنفط، مما حدا بالإدارات المالية في تلك الدول إلى البحث عن مجالات استيعابية تحفظ للأموال قيمتها وتمنعها من أدواء التآكل الناجم عن التضخيم، وهذا الوصف ينطبق على الأوعية المالية الغربية، والتي تمتلك من الجاذبية عناصر التأهيل والتنظيم الفني مما يجعلها خارج دائرة التنافس والمقارنة مع الأنظمة المالية وأدواتها في الدول العربية.

والغرب الرأسمالي بما له من خبرة واسعة في مجال جذب الاستثمارات فطن لقضية استثمار الفوائض النقدية، والتي تعد مسألة غاية في الأهمية على نطاق الاقتصاد الدولي، فكان السعي المتضافر للفت انتباه الإدارات المالية العربية إلى الإمكانيات المتقدمة، التي يمتلكها، وفي ذات الوقت عملت دول الغرب الرأسمالي على تحسين فرص العمل الاستثماري أمام الأموال المهاجرة؛ طمعًا في كسب المزيد منها، ومن جانب آخر فإن آلية التخطيط الرأسمالي في الغرب تنسجم في تناسقها الدوري مع نواتج الإنتاج الكبير، الذي أقدمت عليه الدول المنتجة للنفط في مطلع حقبة السبعينيات، وربما كانت للدول الغربية بعض الإشارات الإغرائية لدخول الدول المصدرة للنفط إلى ذلك الحيز من الإنتاج، ومن ثم جاء نقل الفوائض المالية؛ ليساعد من جانب آخر في خلق استثمارات جديدة تقلل من آثار زيادة الأسعار في النفط، وإن كانت الدول الغربية يومها قد أقلقها زيادة تلك الأسعار إلا أنها شجعت الاستمرار في تدفق النفط؛ لتلبية حاجاتها الآنية والمستقبلية بغض النظر عن المشروعات المقدرة من قبل الدول المصدرة للنفط.

ومن الدواعي في هجرة الأموال العربية كذلك افتقاد المنطقة العربية إلى الأوعية الاستيعابية المتقدمة، فالدول العربية بعامة لا تملك تراثًا اقتصاديًّا مستقلًا، وإنما تعتمد اقتصادياتها في الأغلب على مناهج وسلوكيات المركز الاقتصادي، وهذا ينطبق على تلك الدول الآخذة بنظام الاقتصاد الحر أو ذات النهج المشترك أو ذات التوجيه المركزي للنشاط الاقتصادي، كما هو في الدول الاشتراكية، ويأتي أيضًا المبدأ الأكثر شيوعًا عن سبب هجرة الأموال النفطية والخاص بالاستقرار السياسي، وهو داء شاع في الدول العربية غير النفطية مما يجعل رأس المال العربي يسعى لمناطق أكثر استقرارا وأقل تقلبًا في سياستها الاقتصادية.

الأموال

على الرغم من أن رؤوس الأموال العربية أخذت شهرة واسعة في الغرب الرأسمالي إلا أنها لم تخرج من الدائرة الرقمية إلى حيز الاستثمار العيني «الأصول»، مما جعل هذه الأموال، والتي تقدر بأكثر من 570 مليار دولار لا تشكل قوة اقتصادية لها فعالية الأموال المستوطنة هناك، فأغلب الاستثمارات العربية ظلت حبيسة أجهزة الاستثمار الأسهل كالبنوك والبورصات، وأسواق التبادل النقدي؛ اقتناعًا بالأرباح السريعة، التي تدرها تلك المؤسسات غير أن الاستغناء بهذه المجالات أفقد الأموال العربية على عظم حجمها الدور الاقتصادي والسياسي، الذي كان يمكن أن تلعبه لو أنها اتخذت أساليب الاستثمار في امتلاك الأصول الثابتة للشركات والمؤسسات والعقارات؛ حيث تصنف هذه المؤسسات الأخيرة «الأصول» روح المشاركة في المجتمع الاقتصادي، وتخلق بالتالي وزنًا سياسيًّا مؤثرًا على الأوضاع القائمة، وذلك من خلال الضرائب التي تؤديها، والعمالة التي تؤويها، بالإضافة للمشاركة في تقديم النشاط الاقتصادي؛ مما يشكل وضعية متشابكة ومتصلة بأسباب القوة في المجتمع الرأسمالي، وتؤهل تلك الوضعية الاستثمارات؛ لتلعب دورًا رائدًا في التعامل المستقبلي غير تلك الصفة أو الميزة، التي انجلت عن الاستثمارات العربية، مما جعلها عرضة للتقلبات النقدية دون أن تسفر عن مشاركة حقيقية في النشاط الاقتصادي العربي، فضلًا عن أن الاستثمار في المؤسسات النقدية يعرض رأس المال لتقلبات الدورة الاقتصادية، وانهيار البورصات، وتأثر البنوك بالموجات التضخمية بصورة مستمرة.

المخاطر

تتعرض الأموال العربية المستثمرة في الغرب إلى عدة مخاطر، تجعل من الاستثمار في الغرب مغامرة لا تقل عن تلك التي رأت الإدارات المالية بأنها سببًا في هجرة الاستثمار عن الدول العربية، فالدول الغربية في الآونة الأخيرة على أقل تقدير لا ترغب في أن تتحول الاستثمارات العربية إلى أداة مشاركة في النشاط الاقتصادي إلا من خلال الأجهزة التي تعدها الدولة المستضيفة للاستثمار، وتحولت لغة الديمقراطية الاقتصادية إلى مجرد شعارات، وقد ظهر ذلك واضحًا مع عدة وقائع أبرزها: التعامل الذي فرضته الولايات المتحدة على شركة سنتافي الكويتية المعروفة، والذي خرجت فيه الولايات المتحدة على المألوف والتقاليد الاقتصادية وقوانينها، وذات الأمر ينطبق على تصرف المملكة المتحدة مع أسهم شركة «بريتش بتروليوم» عندما تمكن مكتب الاستثمار الكويتي في لندن من شراء 22% من أسهم الشركة، فالرأسمالية الغربية بعامة لا تريد لرؤوس الأموال العربية أن تقوم بدور المشارك في النشاط الاقتصادي الفعلي، ولهذا فإن المجال يكاد ينحصر في الاستثمارات الهامشية أو تلك التي ترتبط بالاستثمار في المؤسسات النقدية، والتي تبقى عرضة للتآكل والتقلبات النقدية؛ حيث بلغت خسائر العرب من جراء انهيار بورصة نيو يورك في يوم الاثنين الأسود أكثر من 260 مليون دولار «مؤسسات وأفراد»، وفي مجال المخاطر التي تواجه الاستثمارات العربية خطر التجميد (أمريكا مع إيران)، أي: رفض الدولة المستضيفة للاستثمار من تمكين الدولة المستثمرة من استرجاع أصولها المالية، كذلك هناك رفض تحويل الأرباح، وهو ما حدث لإيران وبعض الدول العربية، وهناك مخاطر التفليس للمؤسسات كما حدث لبنوك كبرى وشركات كشركة «دریکسل».

قضية قومية

إن الاستثمار في الدول الغربية يشكل خطورة قومية بالغة للأمة العربية والإسلامية؛ حيث إن الغرب الرأسمالي يحمل كثيرًا من وزر المشكلات العربية الإسلامية حاليًا، وهو تاريخيًّا وثقافيًّا يعد في المربع العدواني للأمة، مما يجعل الاستثمار فيه دعمًا له في امتلاك المزيد من أسباب القوة، وأكثر ما ينطبق هذا الشأن على الولايات المتحدة، التي تلعب دورًا مزدوجًا في تفكيك الأمة العربية وتدعيم عدوها الأول «إسرائيل»، والاستثمارات التي تتفيأ ظلالها تتحول كغذاء آلي، وتقني لمصلحة عدو الأمة العربية، ولذا فإن الاستثمار في الولايات المتحدة يجب أن ينظر إليه بكثير من الشك والجدوى العكسية، وعمومًا فإن الواجب القومي يحتم أن تعيد الدول العربية بعامة النفطي منها وغير النفطي استثماراتها في الخارج؛ حيث إن عدم الالتفات إلى الاستثمار في الدول العربية يؤدي بالضرورة إلى مزيد من تخلفها؛ مما يجعل كل سعي مستقبلي أكثر تعقيدًا، وكلما تسارعت مشاريع التنمية في الدول العربية كان ذلك أكثر ضمانًا لاستثمارات وطنية تحقق الفائدة للدول المستثمرة والدول المضيفة للاستثمارات، فبالإضافة إلى أن المتغيرات الدولية الحالية تجعل الأمة العربية الإسلامية في مقدمة الصراع مع الرأسمالية المتصاعدة بعد أن دمرت الاشتراكية الماركسية أدواتها الدفاعية، وأذعنت لسطوة الرأسمال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

257

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!