; الاخيرة.. يريدون جعلها معضلة!! | مجلة المجتمع

العنوان الاخيرة.. يريدون جعلها معضلة!!

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2008

مشاهدات 72

نشر في العدد 1816

نشر في الصفحة 66

السبت 23-أغسطس-2008

يملك المسلم، بقوة التعاليم التي تلقاها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، مفاتيح ذهنية ووجدانية حاضرة في التعامل مع أية حالة أو ما يخيل للناس أنها معضلة، من مثل القدر والحرية، وهي مفاتيح تتميز بالعفوية، والصدق والشمولية، والقدرة على التوفيق بين الثنائيات، وعدم التشنج على النظرة أو الرؤية أحادية الجانب.

وقضية القدر والحرية. على سبيل المثال. لا تشكل في ضوء ذلك أية معضلة بالنسبة للمسلم، على مستوى الفكر أو الحياة، في نطاق المثقفين أو الناس الاعتياديين.. إن مفاهيم القضية، ومرتكزاتها وملامحها الأساسية معروضة أمامهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، بقدر مدهش من المرونة والانفتاح الحكمة يريدها الله سبحانه.. وهي بهذا تمنحهم التوحد والسكينة، والقناعة والاطمئنان في لحظات الاحتراق واللهاث المحموم في سعير الحياة الدنيا، ومطالبها التي لا تنتهي، وآلامها وأحزانها ومصائبها التي تمطر على الإنسان أحيانا كما تسخ السماء في مواسم الشتاء.. هذا بجانب أنها تمنحهم القدرة على الاندفاع والاستشهاد في لحظات التضحية الكبرى.

 ولكن الغربيين والمتأثرين بهم في ديارنا، يريدون بالقسر، أن يجعلوا من المسألة معضلة يصعب حلها وتفسيرها، تماما كما فعلوا في قضية المرأة المسلمة، وقضايا أخرى كان الإسلام قد وضعها في مكانها المناسب، فجاء المرضى والمنحرفون لكي ينقلوا إليها العدوى ويصيبوها بالمرض العضال.

 إن مشكلتهم في أساسها أنهم يريدون أن يقيسوا فعلهم على فعل الله سبحانه، وعلمهم على علم الله سبحانه.. وهذه مسألة مستحيلة بكل المقاييس، وبالتالي فإنها ستتمخض عن جملة لا حصر لها من المعضلات والإشكاليات كتلك التي يجادل فيها البعض بخصوص القدر والحرية.

إن علم الله سبحانه مطلق يحيط بأفعالنا حتى قبل أن يبرأها ولكن هذه الأفعال في دائرة الإرادة الإنسانية إنما تتشكل وفق معطيات هذه الإرادة، لا تنحرف يمينا ولا شمالًا، ولو بمقدار بوصة واحدة.

إننا نحس بهذا ونلمسه في خبراتنا اليومية.. في دراستنا.. في تخصصاتنا.. في وظائفنا.. في سلوكنا الأخلاقي، بل حتى في موقفنا الديني.. والنتائج تجيء دائما منبثقة عن أسبابها بالتكافؤ المحسوب..

ولطالما أشار القرآن الكريم إلى هذا في العديد من آياته البينات وهو يعرض للفعل البشري في إيجابه وسلبه على السواء:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف:5)، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69)، ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (السجدة:24)، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً (المائدة: 13). وكثيرا ما ترد عبارة ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾، وعبارة ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.

مرة أخرى.. إن علم الله سبحانه يحيط بأفعالنا، ولكنه - إذا صح التعبير - يدعها تتشكل في دائرة الخيار البشري دونما أي قدر من الضغط والإكراه.. رغم أن الله سبحانه. منذ لحظات هبوط آدم أراده خلاصًا للإنسان، وحذر من النكوص عنه والتفلت منه: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256)، ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ ( ق: 45)، ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية :22).

وقد بلغ الأمر حد أن الله سبحانه يمد في عمر الطغيان، ويفتح أمامه الطريق إلى النهاية، وفق آجال مرسومة في علم الله، لكي يأخذه بنهايته هذه، سواء في الدنيا أو الآخرة، بعد أن يوقع الحجة عليه كاملة غير منقوصة، ويجيبنا. بذلك على السؤال المحير، لماذا هذا المدى المفتوح للطغيان؟ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة:15)، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام:110)، ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (يونس:11)، ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم:84) ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا () وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف:58-59)، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (النحل:61).

 وكثيرًا ما تمنى بعضهم من الطواغيت أن يخففوا من ظلمهم ويعدلوا سياستهم، ويكفوا أذاهم عن الشعوب والجماعات التي ابتليت بهم، وأن يؤوبوا إلى الاستقامة والخير بعد أن ألفوا الشر وتعاملوا معه عشرات السنين.. ويجيبهم كتاب الله سبحانه بأن هذا في معظم الحالات لا يمكن أن يكون لأن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس:81)، ولأنهم ما داموا قد اختاروا طريق الشر والضلال، فإن لهم أن يمضوا فيه إلى نهايته لكي يؤخذوا به هناك. وهذا. بطبيعة الحال. يختلف عن أوبة الاعتياديين العاديين من الضلال والمارقين إلى الخير والاستقامة والصلاح، حيث باب التوبة مفتوح على مصراعيه.

 النتائج بأسبابها، ومن يزرع الشوك لا يحصد وردًا.. لا يحصد إلا الشوك والحسك.. ذلك هو منطق الحق والعدل الذي قامت عليه السموات والأرض.. وأية محاولة للالتفاف على هذه الحقائق لا تعدو أن تكون خطأ علميًا أو التواء نفسيًا.. وقد أراد هذا الدين أن يبرئ المسلم من الاثنتين.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل