العنوان الاختلاف في الرأي- من مقاعد الحوار إلى سوح الصراع!
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 69
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 11-يوليو-2000
اتسم المشرقيون- ونحن منهم- بحدة مزاج هو بعض إفرازات تلك البيئة التي احتجنها العقل واستبطنها الشعور واللاشعور في ذواتنا حتى وإن فصلتنا عن الصحراء المسافات بمئات الكيلو مترات، فقد يتأتى ذلك لبعضنا، وإن لم يكن قد وطئت أقدامه أرضها ورملها أو أطل على كثبانها ورسومها الدارسات، لكنه- من حيث لا يريد ولا يشعر- أسير بدائيتها وجفافها وحبيس أطرها ورهين معطياتها من حيث الفكر والثقافة والعاطفة والسلوك وما ترشح عن أجوائها، حيث ألقت بظلالها على قرارنا السياسي، وتعاملنا اليومي، وتعاطينا السلوكي، ولم تنج الثقافة ولا حملة لوائها من هذا الإفراز المر الذي كون المعادلة المعقدة الراهنة في عالمنا الإسلامي لنعاني جميعًا من الضعف والإنهاك.
فالمثقف مهما كبر أو كابر هو ابن بيئته، يتأثر بها وإن عقد العزم على التأثير فيها، وتغيير مفرداتها، وهو منتجها وإن جهل إمكان إنتاجها بمقاسات جديدة، وهو حبيس تأطيرها وإن سعى لتطويرها باعتباره مغيرًا اجتماعيًا في أمة لا سبيل لها إلى مواكبة الحياة المتسارعة الخطوات بلا تغيير فيها أو تطوير لها ولمناهجها وبرامجها.
ومعلوم أن ثقافتنا المشرقية في لحمتها وسداها قد نسجت خيوطها قيم الإسلام وتجارب الإنسان، وتدافع المجتمعات في الحياة بكل ما فيها من خصوصيات وحساسيات وحسابات، مما ولد خمائر الإفراط والتفريط، وأنتج معاجين الغلو التي علقت بالثقافة وألبستها أثواب المزاج، ليعكر صفوها ويتسبب في إيجاد محنة الخلط بين أصالة الفكر الإسلامي وألوان المزاج التي صبغت ساحة الثقافة والفكر بألوان فاقعة وربما ناشرة، وبدا التمييز بينهما أمرًا في غاية الصعوبة والتعقيد إلى الحد الذي أضاع وضوح الرؤية في تشخيص ما هو إسلامي عما هو مزاج شخصي، وبين ما هو موضوعي أو ذاتي وما هو مقدس أصيل أو طارئ دخيل، ويزداد الأمر سوءًا حينما يصبح التعصب للرأي بديلًا للنص الثابت أو حينما تخضع المقدسات لوساوس وإيحاءات الذات، فنأتي بها هجينًا مشوهًا يفتقد إلى الأصالة بقدر ما علق به من كدر الذات والأهواء والمشتهيات، ونحن هنا لا ننطلق من افتراضات وهواجس وتخرصات وإنما نصطدم كل يوم بظاهرة مرضية تجاوزت مرحلة الجزئية وحالة المقطعية، لتتحول إلى معضلة مستعصية تحتاج إلى جهود كبيرة حتى يمكن تجاوزها، وما تخيلناه ثوابت مقدسة لا تمس، وأوحينا للأمة بعصمتها من الخطأ والزلل لم تكن إلا آراء قابلة للبحث والنقاش أطرتها الذات بما لا تستحقه من الصفات، وأخذتها الأمة أخذ المسلمات وبالشكل الذي يصعب بعده على فرسان الوعي إعادة صياغة العقل الشعبي وفقًا للحقيقة، وملاكاتها، وبما قد يحول الجماهير إلى أضداد نوعية لمن يحاول مناقشة مسلماتها التي لم تكن من المطلقات والبدهيات والثوابت والمقدسات وإنما حولها الخلط أولًا، والمزاج الحاد المنفعل ثانيًا إلى عقبات في طريق الوعي وإعادة تشكيله، أو إعادة النظر فيما يجوز فيه التفكير ألف مرة، للوصول إلى الحق وإظهاره وتبينه.
إن مسؤولية المثقف لا تكمن في مراجعة الذات فحسب، وإنما في تقويم ما اعوج في أفكار وممارسات أيضًا، وإن تطلب المجتمع من ذلك المزيد من المعاناة والاستحقاقات التي هي بعض ضرائب الوعي وفواتير التصدي.
ولا شك أن مراجعة الذات تؤهلنا للتعاطي مع الرأي الآخر باحترام واهتمام وبذلك تسود ساحة الفكر أجواء من المرونة والإيجابية المفضية إلى التلاقح الثقافي والتعاطي الفكري السليم، وهو ما من شأنه تموين الحياة بالمزيد من العطاء الثقافي المطلوب لكي لا تبتلى ثانية بظاهرة الصراع والتدافع المقيت التي شهدتها ساحات الفكر الإسلامي بين الذين لو قدر لهم قبول الرأي الآخر أولًا وإعادة النظر بما لديهم من آراء وأفكار قبل إلباسها ثوب القداسة وهالة الثابت الأصيل، ثانيًا: لأغدقوا على ميادين الفكر والثقافة ألوانًا رائعة من الإبداع والتطوير للحياة الإسلامية كلها، ولما تحول الاختلاف في الرأي حول مسألة ما إلى مبررات للاستئصال وذرائع إبادة، ولما كان بإمكان مؤثرات البيئة والمزاج أن يقفزا على أسوار البحث العلمي ويتسلقا فوق حصون المنهج السليم، لتغتال المعرفة، وتحرم الأمة من أساطين العطاء، ونتاج المبدعين.
إن ساحتنا الإسلامية اليوم مرشحة لولادة سجال جديد تقف خلفه دوائر وسلطات ومؤسسات لا تريد لأمتنا خيرًا، وتجهد إلى تسويق الاختلاف في الرأي إلى سوح الصراع بدلًا عن مقاعد الحوار، وصالات التفاهم والانسجام، والبحث المعرفي، وقد يجد أعداء الإسلامية في تعصبنا للرأي، وفي رؤيتنا للذات على أنها من المقدسات، سهام صيد لاقتناص الجمال والكمال واغتيال الإيجابية والمرونة والتكامل والانسجام لتخلو الساحة من حملة الهم وفرسان الوعي وأرباب الفكر عبر انشغالهم بأنفسهم وبإخوانهم، كل ذلك يجري في عالم يتآمر فيه أعداء الله على الإسلام والمسلمين، ونحن في معمعة الجدل العميق والعقيم، فلنكن بمستوى التحديات ولنبتعد عن كل ما يعكر صفو ساحاتنا الإسلامية من صراعات ومساجلات وخصومات وإلا فالعدو متربص، ولات حين مناص.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل