; معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية يقيم ندوة في القاهرة عن (1 من 2): الاختراق الإعلامي للوطن العربي: أبعاده وكيفية مواجهته | مجلة المجتمع

العنوان معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية يقيم ندوة في القاهرة عن (1 من 2): الاختراق الإعلامي للوطن العربي: أبعاده وكيفية مواجهته

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996

مشاهدات 71

نشر في العدد 1228

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 03-ديسمبر-1996

  • الدعاية الصهيونية حرصت على السيطرة على وكالات الأنباء الكبرى وتجنيد المراسلين
  • لا بد من تحصين الأفراد والمجتمعات ضد القابلية للاختراق

تحت عنوان «الاختراق الإعلامي للوطن العربي»، أقام معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة ندوة مهمة في فندق «شبرد»، يومي السبت والأحد 23 و24 نوفمبر الماضي، شارك فيها نخبة كبيرة من خبراء الاتصال وأساتذة الإعلام بالجامعات المصرية، وتأتي هذه الندوة الرسمية في إطار تصاعد الضغوط العربية لمقاومة مخططات الهيمنة الغربية والصهيونية على المنطقة العربية، والعمل على كشفها وإجهاضها، والبحث في البدائل المتاحة والمطلوبة لمواجهتها، ولم يكن مصادفة أن يختار المنظمون للندوة عنوانًا صريحًا يعبر عن حالة الغضب والاستياء وهو «الاختراق الإعلامي»، كما لم يكن مصادفة اختيار التوقيت في أعقاب المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في القاهرة قبيل أيام، وفي أعقاب ارتفاع درجة وسخونة الأزمة في المنطقة بين العرب و"إسرائيل".

الندوة ناقشت ماهية مفهوم «الاختراق الإعلامي»، ثم انتقلت إلى أبعاد هذا الاختراق في المجالات المختلفة سواء في الصحافة أو في الأخبار

والمعلومات أو في اختراق القائم بالاتصال أو في التربية والتوجيه والتأثير الإعلامي والثقافي بشكل عام، وكان البحث الأول الذي ناقشته الندوة هو بحث الخبير الإذاعي الأستاذ سعد لبيب – عميد المعهد العالي للإعلام بمدينة 6 أكتوبر ورئيس اتحاد الإذاعات الإفريقية . وتناول تحديد «مفهوم الاختراق الإعلامي»، حيث يشير إلى أنه يعني «المحاولة المتعمدة للتأثير لصالح الجهة المخترقة»، بصرف النظر عن تمشي هذا التأثير أو عدم تمشيه مع مصالح الطرف الأضعف في العملية الاختراقية، والاختراق الإعلامي لا يمكن قصره على محاولة التأثير في المواقف والاتجاهات الإعلامية المتصلة بالأحداث الجارية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، بل لا بد أن يمتد إلى محاولة التأثير الفكري والثقافي، والعبرة هنا ليست في تضمين وسائل الإعلام العربية مواد أجنبية، ولكن الأهم هو مدى ما يمكن أن تفعل هذه المواد في نفوس المتلقين، حتى على قلتها، أي مدى نجاحها في الإقناع والتأثير.

مفهوم الاختراق

ويشير الإذاعي سعد لبيب في دراسته إلى أن مفهوم «الاختراق» يختلف عن الانفتاح الإعلامي والثقافي مع ثقافات العالم المعاصر، وما يتبعه ذلك من استفادة معلوماتية والتعريف بالآخرين، وهو هنا - أي الانفتاح - من عناصر الإثراء الثقافي، كما أن مفهوم «الاختراق» لا يتعلق باستخدام التكنولوجيا الحديثة في مجال الاتصال، لأن هذه التكنولوجيا أصبحت ملكًا للإنسانية، وكل يستخدمها وفقًا لأهدافه السياسية أو العقائدية أو الاقتصادية، وتكنولوجيا الاتصال هي إحدى الركائز الأساسية لحضارتنا المعاصرة، وإهمال استخدامها والاستفادة من إيجابياتها كفيل بأن يقذف بأي مجتمع إلى حضيض التخلف.

ويرى الأستاذ سعد لبيب أن مفهوم «الاختراق الإعلامي»، يتناول بالضرورة عدة عناصر هي:

1 – إحلال المنتج الإعلامي الأجنبي بمختلف نوعياته وما يتصل به من مواد إعلامية محل المنتج الوطني في وسائل الإعلام العربية الوطنية والقومية، أو على الأقل حصوله على نصيب كبير غير عادل فيها.

2 – أن يكون هذا الإحلال نتيجة ضغوط معينة، وليس اختيارًا حرًا ورغبة حقيقية واعية في الاستفادة منها.

3- أن يهدف المنتج الإعلامي الأجنبي بشكل أو بآخر إلى تشكيك المواطن في بعض الركائز الأساسية للثقافة العربية بمعناها الاجتماعي الشامل، أو التأثير السلبي في التوجهات السياسية المرتبطة بالمصالح الوطنية.

 4 - أن يكون الهدف أو النتيجة المنطقية لهذه المواد الإعلامية هي احتكاك قيم واتجاهات ومواقف مناقضة للقيم والاتجاهات التي تشكل لب الحضارة العربية والإسلامية أو التشكيك فيها، وهدم دعائم الانتماء لها أو نثر بذور الإحباط واللامبالاة، وذلك يدخل في دائرة «الاغتراب» الثقافي. 

ويختتم الباحث دراسته مؤكدًا أن أحدًا لا يستطيع أن ينعزل عن التطور الذي يحدث في مجال الإعلام والاتصالات في العالم، ولا يمكن لأي دولة أو مجتمع أن يقف في وجه رياح التغيير والثورة التكنولوجية التي تسود العالم، بل لا بد أن يتعامل معها باعتبارها من حقائق الحياة، سواء رضي المسؤولون عنها أم لا، فهي لا تحتاج في معظم الأحيان إلى إذن بالدخول، الأمر الذي يفرض على المسؤولين عن الأنظمة الإعلامية المحلية ضرورة التعامل معها بوضع السياسات التي تتلاءم مع الأوضاع الجديدة، ولا بد من التأكيد على أن «الاختراق» الإعلامي لابد أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاختراق الثقافي، ولا بد من العمل من أجل تحصين الأفراد والمجتمعات ضد القابلية للاختراق. 

تحيز الوكالات الكبرى

أما بحث الدكتور محمود الشريف - أستاذ الصحافة بجامعة حلوان – فكان عنوانه «الاختراق في مجال الصحافة»، حيث يشير في مقدمته إلى «أن الإعلام الدولي يجري حاليًا بشكل غير متوازن، متحيزًا لصالح الدول الكبرى المتقدمة التي يملك  مواطنوها الوكالات الكبرى، وفارق الإمكانات البشرية والتقنية والمالية بين وكالات الأنباء الكبرى وبين الوكالات المحلية العربية جعل من الأخيرة - في أحيان كثيرة – مجرد حلقة وسطى تتلقى أخبار الوكالات الكبرى كي تعيد بثها إلى الوسائل الإعلامية «المحلية» التي تبادر هي الأخرى بنشرها كما جاءت من الوكالات الكبرى، والكم الهائل الذي يتراكم كل ليلة من أخبار العالم، لا يتيح - في أحيان كثيرة – لحارس البوابة الإعلامي فرصة التدقيق، وبالتالي تتسلل أخبار كثيرة تحتوي على أبعاد داخلية موظفة توظيفًا دعائيًا، تكمن خلف البعد الظاهري للأخبار.

ويؤكد الدكتور محمود الشريف أن وكالات الصحافة والأنباء الكبرى تتخذ موقفًا متحيزًا إلى جانب النشاط الإعلامي "الإسرائيلي"، وهو أمر أكدته دراسات كثيرة، وبالتالي فهي توظف أخبارها لخدمة أفكار "إسرائيل" ومصالحها الحيوية، وتكاد تكون بوقًا لهذه الأفكار والمصالح، تتبناها وتحرص على بثها وتعمل على تدعيمها، ولما كانت الدعاية "الإسرائيلية" الصهيونية دعاية منظمة غير عشوائية لا تعتمد على النشاط الارتجالي، وإنما تعتمد على دراسات واضحة الأهداف المرحلية والأبدية، فإن سعي الدعاية الصهيونية كدعاية دائمة وشاملة حرصت على أمرين:

الأول: السيطرة على وكالات الأنباء الكبرى وعلى تجنيد المراسلين بصفة خاصة.

الثاني: أن تلجأ إلى عدد من الأساليب الفنية المختلفة حتى تضمن تحقيق هدف دعايتها، ومن هذه الأساليب تحرير وصياغة أخبار متعددة الأبعاد، تحوي بعدًا ظاهرًا، وبعدًا آخر خفيًا، أو عدة أبعاد جانبية خفية، على أن يكون البعد الظاهر إخباريًا عاديًا محايدًا، لكن البعد الخفي يدافع عن "إسرائيل" كوجود وكسياسة وكمصالح.

ويشير الدكتور الشريف إلى أنه «كلما نشطت حملة تدين ممارسات "إسرائيل" إثر أحد مواقفها أو حوادثها، نشرت إلى جانب هذه الحملة الصحفية  مجموعة من الأخبار "الإسرائيلية" مزدوجة الأبعاد، لكل منها بعد خارجي يشجع الصحف العربية على نشر الخبر، وبعد داخلي كامن تحت السطح الظاهر للخبر، يوحي بدعاية "إسرائيلية" إنسانية أو علمية تمجد إنجازًا "إسرائيليًا" أو سلوكًا»، ويضرب لذلك عدة أمثلة، منها خبر عن تزايد الظباء وموضوعه عن اهتمام "إسرائيل" بحماية الحياة البرية، وأنها خلال سنوات قليلة حمت الظباء في محمية حتى عاد عددها كما كان في الأزمان السابقة، ولم يقم المحرر الثاني – العربي – بمتابعة بعده الداخلي الذي يعرض "إسرائيل" التي تهتم بالبيئة والحياة البرية، ولهما أنصارهما في العالم أجمع، ونسي المحرر أن بالجريدة حملة على قسوة "إسرائيل" التي قصفت المدنيين في الجنوب اللبناني، وكل ما قام به المحرر هو أن بدَّل جملة أرض "إسرائيل"، بجملة «أرض فلسطين المحتلة»، وخبر آخر عنوانه «كشف أثري هام»، وبعده الداخلي يبين اهتمام "إسرائيل" بالتراث والتاريخ، أما البعد الآخر فهو أن "لإسرائيل" آثارًا تبحث عنها، بما يجعل القارئ يسلم بأن لليهود آثارًا في فلسطين، أي لهم حق الوجود على أرض أجدادهم! وخبر ثالث عنوانه: «عزل فيروس سرطان الرئة»، وموضوعه نجاح العلماء الصهاينة في عزل الفيروس المسبب للسرطان، وهو نجاح لم يصل إليه العلم بعد، ويوحي بالتفوق العلمي والطبي لليهود، ويماثل هذا الخبر نماذج كثيرة عن إنجازات "إسرائيل" العلمية والصناعية والزراعية، إن هدف هذه الأخبار التي تخترق إعلامنا هو تقديم صورة أفضل لإسرائيل، وتعديل بعض أركان الصورة الموجودة في ذهن القارئ.

وسائل لاختراق الإعلام

وينبه الدكتور محمود الشريف في دراسته إلى أن الدعاية الصهيونية استخدمت عدة عناصر لاختراق إعلامنا من خلال التلبيس على القائمين بالتحكم في وصول الأخبار والموضوعات إلى المواطن العربي، منها عنصر الطرافة، مثل نشر خبر عنوانه «قناديل البحر للتصدير»، ومضمونه أن بحارًا "إسرائيليًا" أعلن أنه يريد أن يستغل قناديل البحر بعد إزالة المواد السامة منها للتصدير إلى اليابان التي تعتبره طعامًا شهيًا، وأنه - أي البحار "الإسرائيلي" – أعلن أنه يتوقع تحقيق ربح ضخم من هذا المشروع، أيضًا أسلوب المبالغة وإثارة الدهشة مثل اليهودي – 72 عامًا – الذي رفع دعوى طلاق من زوجته أمام محكمة تل أبيب وعمر زوجته 63 عامًا، بدعوى أن برودتها لا تطاق، وأنها أصبحت تتمنع عليه! والبعد الواضح في الخبر أن الرجل "الإسرائيلي" كفء رغم تقدم سنه! ومن الأساليب أيضًا تحميل الأخبار بجزء إخباري يروج هدفًا لا يتفق مع توجهاتنا الإعلامية، أيضًا توظيف حيلة التنازل، بأن يحوي الخبر بعدًا ظاهرًا ضارًا "بإسرائيل"، لكنه يحوي بعدًا آخر يراد به النفاذ إلى القارئ العربي، ويساهم في تكوين صورة "الإسرائيلي" المستهدفة، وهو أسلوب تكرر نفاذ أخباره إلينا كثيرًا. ومنها خبر المقاتل المصري سيد زكريا خليل الذي استشهد في حرب 1967، بعد أن أبلى بلاءً حسنًا شهد به قاتله، فالبعد الظاهر للخبر أن "الإسرائيلي" يعترف ببطولة أحد مقاتلينا، التي حازت إعجاب الإسرائيليين وتقديرهم، لكن البعد الداخلي للخبر يرسخ صورة "الإسرائيلي" الصادق مع نفسه ومع الآخرين، والذي تهزه الشجاعة ويعترف بها ويحترمها! أيضًا تستخدم الدعاية الصهيونية أسلوب خلق قصص إخبارية مثيرة لها بعد مضموني ظاهر وأبعاد مضمونية جانبية هدفها تحسين الصورة العامة.

عصر التليفزيون

اما البحث الذي قدمته الدكتورة منى الحديدي  - رئيس قسم الإذاعة بكلية الإعلام جامعة القاهرة - فعنوانه «اختراق القائم بالاتصال»، حيث تشير في البداية إلى أن «عصر التليفزيون وما تلاه من تطور ملحوظ في تكنولوجيا الاتصال عمومًا والفضائي خصوصًا، اقترن بظهور عدد من الظواهر على الساحة الإعلامية ذات أبعاد اجتماعية وثقافية بالغة الأهمية وشديدة الحساسية على شعوب دول العالم الثالث، محدودة الإمكانيات الاقتصادية والتكنولوجية والفنية، وانتشر الحديث عن الغزو الثقافي والهيمنة الفكرية والاغتراب والاستعمار الثقافي بسبب سيطرة المواد الإعلامية الأجنبية على اختلاف أشكالها، وغلبة الفكر الأجنبي التجاري بمضمونه غير التنموي، على أغلب وسائل الإعلام والترفيه».

وتشير الدكتورة منى الحديدي إلى أنه بالرغم من جهود اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال منذ عشرين عامًا (منذ عام 1976م) والتي ضمت ممثلين ينتمون إلى جميع المناطق الجغرافية، فما زالت المشكلة قائمة وما زال التركيز على مخاطر المواد الأجنبية التي تعتبر وسيلة للاختراق ومصدر التهديد الأمني واستقرار الشعوب اجتماعيًا وثقافيًا ونفسيًا، ليس فقط على مستوى دول العالم الثالث والمنطقة العربية، بل على كثير من الدول الأوروبية المماثلة إلى حد كبير في التفكير والعقيدة والسلوك الاجتماعي والسياسي للقوى الإعلامية الكبرى «الولايات المتحدة الأمريكية»، والتي تشكل بلا منافس المصدر الرئيسي والمورد الأول للإنتاج التليفزيوني والسينمائي لأغلب دول العالم، ولعل الفرنسيين والإنجليز يمثلون نموذجًا واضحًا المحاولة التصدي الأوروبي للتدفق الإعلامي الأمريكي، والوقوف أمام أساليب الاختراق الأجنبي لشعبيهما، حيث اتخذوا بعض الإجراءات الوقائية لمواجهة الآثار السلبية على حياة مواطنيهما مثل تحديد نسبة لا يمكن تجاوزها بالنسبة للبرامج المستوردة من إجمالي ساعات البث التليفزيوني.

أخطر من المخدرات والأوبئة!

وتشير الدكتورة منى الحديدي أيضًا إلى أن المشكلة في المجتمع العربي أكثر تعقيدًا عن مثيلاتها في المجتمع الأوروبي بسبب الاختلافات الجوهرية في المعتقدات والسلوك الاجتماعي والخط السياسي وواقع الحال، مقارنة بما تحمله المواد الإعلامية الأمريكية والغربية، مما قد يجعل التعرض المكثف وغير الانتقائي يؤدي إلى حالة الاغتراب وشعور بالدونية والعجز عن التفاعل والمشاركة في تسيير حركة المجتمع، وهو لا يقل ضراوة عن إدمان المواد المخدرة أو آثار انتشار الأوبئة والكوارث الطبيعية التي تصيب جزءًا من المجتمع بالشلل والضعف والسلبية.

وترى الدكتورة منى أن مشكلة الاختراق الإعلامي لا تقتصر على ما تحدثه بعض المواد الأجنبية الوافدة من مظاهر تغريب للمتلقي، بل اتخذت طريقًا آخر للجمهور عبر الإنتاج الإعلامي الوطني نفسه، هذا الإنتاج الذي يحمل صفة العربية أو المحلية اسمًا، إلا أنه يكون في كثير من الأحيان أجنبي المضمون والجوهر، وافد الفكر والتوجهات، وتتساءل صاحبة الدراسة: هل القائمون بالاتصال في المؤسسات الإعلامية العربية تم إعدادهم وتأهيلهم علميًا وثقافيًا وشخصيًا ومعنويًا لتحمل مسؤوليتهم بكفاءة واقتدار في ظل المتغيرات الدولية المتعاقبة؟ فالفرد المثقف لا يمكن أن يسقط في فخ التأثيرات، وهل القائمون على هذه العمليات «التعليم والتدريب والتأهيل» من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمدربين في المؤسسات الإعلامية يشكلون عاملًا مساعدًا لنفاذ وسيطرة الفكر الأجنبي جنبًا إلى جنب مع المواد الإعلامية الأجنبية مما يساعد على المزيد من عوامل الاختراق وطمس مقومات الشخصية العربية وانصهارها في نظم مجتمعية خارجية؟ 

وتخلص صاحبة البحث إلى أن هناك مشكلتين رئيسيتين في الدراسات الإعلامية العربية سواء على المستوى الأكاديمي أو التطبيقي: أولًا: مشكلة التدريس وإعداد الكوادر الإعلامية، فرغم انقضاء أكثر من خمسين عامًا على بداية الدراسات الصحفية والإعلامية بالمنطقة، ومع وجود ما لا يقل عن عشرين مؤسسة أكاديمية ما بين قسم أو معهد أو كلية، إلا أن أغلبها يعاني من نقص في الكوادر الأكاديمية، خاصة في بعض التخصصات الإعلامية الحديثة، وضآلة الإمكانيات العملية من استديوهات وأجهزة، بالإضافة إلى انفصام العلاقة أو ضعفها بين المؤسسة التعليمية والمؤسسات الإعلامية، إلا أن أخطر هذه المشاكل يتمثل في خضوع البرامج الدراسية بهذه الأقسام للمؤثرات الغربية وبخاصة الأمريكية والفرنسية، مما يعوق تكوين الكادر الإعلامي المدرك لمشكلات مجتمعه واحتياجاته المعرفية، وثانيًا: مشكلة الدراسات الإعلامية العربية وتتمثل في فقر المكتبة الإعلامية العربية على مستوى الكتب المؤلفة والدراسات الميدانية والكتب المترجمة، فالأولى ينقصها الأصالة، والثانية ينقصها الارتباط بالقضايا العربية المعاصرة، والثالثة لا تتركز على أمهات الكتب، وغني عن البيان ما يترتب على ذلك من آثار التشويه الأكاديمي، وترسيخ النموذج المثالي الأوحد، ولا بد بالتالي من إعادة النظر في مناهج ودراسة علوم الاتصال وفنون الإعلام على المستوى العربي كسبيل أساسي لإعداد الكوادر الإعلامية وتطوير الموارد البشرية العربية، بما يمكن وسائل الإعلام العربية من أداء المهام المطلوبة منها ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين.

دراسة خطيرة

وقد قامت الدكتورة منى الحديدي صاحبة الدراسة، بإجراء بحث على القائم بالاتصال في كلية الإعلام جامعة القاهرة من المؤهلين بالخارج لمعرفة دورهم في توجيه الطلاب وتأسيسهم فكريًا على النموذج الغربي كنموذج أوحد، ومعرفة اتجاهاتهم نحو الإعلام الغربي والعربي، وذلك من خلال استبيان بالمقابلة الشخصية لجمع المعلومات شملت 14 من أعضاء هيئة التدريس والمعيدين والمدرسين المساعدين من المؤهلين بجامعات أجنبية فكانت النتائج كالتالي:

  1. -  57% شعروا بالنقص والقصور العلمي عند الدراسة بالخارج.

2 – 79% تمنوا لو كانت دراستهم بالخارج قد بدأت مبكرًا، أي في مراحل سابقة.

3 – 64% يرغبون في السفر لأمريكا مرة ثانية للدراسة، أو البحث أو التدريب «ذهب إلى أمريكا 64% من هذا العدد».

4 – 79% أعربوا عن اعتقادهم بتميز اللأستاذ الأجنبي وتفوقه علميًا عن الأستاذ بالداخل.

5 – 42.9% يرون أن مناهج دراسة الإعلام في الجامعات العربية لا تساعد على تكوين إعلامي معاصر.

6 – 92.9% يرون أن الدراسة بالجامعات الأجنبية تنمى بالضرورة اهتمامات الفرد وكثرة معارفه.

7 – 42.9% يرون أن الدراسة بإحدى الجامعات الأجنبية ضرورة للتكوين العلمي الجيد.

8 – 50% لم يوافقوا على أن نسبة البرامج الأجنبية في القنوات التليفزيونية العربية مرتفعة جدًا.

9 – 50% يرون أن القنوات الفضائية الأجنبية بالنسبة للقائم بالاتصال في المجتمعات العربية تشكل نوعًا من الاختراق الإعلامي والثقافي.

وترى الدكتورة منى الحديدي في ختام دراستها أن المؤشرات تؤكد قوة وعمق جوانب التأثر بالنموذج الغربي في التعليم إلى حد عدم الاعتراف بإسهامات وبقدرة المدرسة الوطنية على تحمل دورها في إعداد الكوادر الإعلامية، وهذا التأثر يمكن أن ينتقل بدوره إلى الدارسين وهم في مرحلة التشكيل العلمي، والإعداد لتحمل مهامهم المهنية، مما ينعكس بالتالي على اتجاهاتهم واهتماماتهم ودرجة تفاعلهم مع المجتمع، ويظهر ذلك فيما بعد عندما يتولون دورهم كقائمين بالاتصال حيث يأتي إنتاجهم بعيدًا عن واقع المجتمع وهمومه وقضاياه وطموحاته، وغير معبر عن قيمه ورموزه وتراثه.

وتؤكد الدكتورة منى الحديدي أن مواجهة أساليب الاختراق على أشكالها وأساليبها تعد مسؤولية تربوية وتعليمية وإعلامية في آن واحد، وواجب كل الأجهزة والمؤسسات العاملة في هذه المجالات أن تتحمل مسؤوليتها لتلافي أساليب وطرق الاختراق، والتي تزداد مع تفاقم الهوة والفجوة بين الشمال والجنوب.

الرابط المختصر :