; الاختراق الصهيوني للبنان من بوابة جزين | مجلة المجتمع

العنوان الاختراق الصهيوني للبنان من بوابة جزين

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1998

مشاهدات 84

نشر في العدد 1324

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 03-نوفمبر-1998

برزت مواقف مسيحية متشنجة بعض الشيء، بمناسبة الحديث المتجدد عن مصير مدينة «جزين» المحتلة، ومن يتولى رعايتها وحمايتها، في ظل الطرح الإسرائيلي المستمر، المعروف باسم «جزين أولاً» الذي يعني استعداد إسرائيل للانسحاب أولًا من المدينة مع ما يستبطن ذلك من ضرورة فتح مفاوضات أمنية وسياسية مع لبنان، تكون مقدمة لعقد معاهدة «سلام» شاملة بعيدًا عن سورية.

إن عودة «جزين» إلى الأضواء الإعلامية والسياسية، يرجع أساسًا إلى العمليات الناجحة لمجموعات المقاومة الإسلامية، في تلك البقعة من الجنوب التي حصدت مؤخرًا - بواسطة العبوات الناسفة - بعض مسؤولي المليشيات العميلة، كان آخرها، تفجير قنبلة بموكب المسؤول الجديد للعملاء في جزين المدعو جوزف كرم الملقب به «علوش» مما أدى إلى مقتل أربعة من مرافقيه، وجرح اثنين ولم يكن قد مضى على تسلمه لمهامه سوى أيام.

 وتكاثرتْ العبوات الناسفة على الطرق المحيطة بمدينة جزين، وأصابت عملاء، كما نالت من مدنيين أبرياء، وبرغم أن المقاومة الإسلامية نفت استهدافها المدنيين في عملياتها، واتهمت إسرائيل بزرع العبوات لأهداف رخيصة، إلا أن تحركًا موازيًا انطلق من جزين نفسها، تحت اسم «التجمع الجزيني»، وغيره، واتجه إلى القيادات المسيحية والإعلامية - الرسمية منها وغير الرسمية والديني منها خصوصًا - في العمق اللبناني.

 وجوهر المطالب التي تجولت بين المواقع المختلفة: تحييد جزين من العمليات العسكرية باعتبارها لا تزال في عهدة الدولة اللبنانية، بخلاف ما هو سائد في مختلف المناطق، والعفو عن العملاء الجزينيين لاضطرارهم إلى التعامل مع العدو ودخول الجيش اللبناني إلى المدينة، وانخراط الجميع في إطار الدولة. بما في ذلك عملاء انطوان لحد، والحصول على ضمانات دولية وإقليمية بعدم دخول أي جهة حزبية إلى جزين، ومنع حصول أي عمليات ثأرية قد تؤدي إلى: تهجير السكان، كما حدث قبل أكثر من ١٣ عامًا لدى انسحاب العدو الإسرائيلي من مناطق مسيحية مجاورة لجزين في نطاق ما يسمى بشرق صيدا، حتى أن بطريرك الموارنة حمل في عظته الأسبوعية، على ما سماه قتل اللبنانيين للبنانيين في استعادة غير موفقة لأجواء الحرب الأهلية المنصرمة.

 فالذين يُقتلون ويَقتلون هم المقاومون من جهة. وعملاء العدو من جهة أخرى. وقَدْ استدعى تصريح البطريرك صغير ردودًا إسلامية جافة مع شيء من اللوم والتنديد.

 واعتبر بيان المطارنة الموارنة أن أحداث مدينة جزين - التي لا تزال في عهدة الدولة اللبنانية وحمايتها، خلافًا للجنوب المحتل الذي له وضعه الخاص - تقلق البال أي تلك الأحداث الأمنية، وقَدْ أفرغت المنطقة من سكانها، وهناك من يتساءلون هل ما حدث مخطط له لاستبدال سكان بسكان؟

 حزب الله يرفض

من جهته، كان «حزب الله»، واضحًا في موقفه وأعلن أمينه العام السيد حسن نصر الله: أنه ليس بالإمكان تحييد أي منطقة عن نطاق عمليات المقاومة ضد العملاء، حتى لا تصبح مأوى وملاذًا لهم، وحتى لا يضرب مفهوم المقاومة عندما يتم التمييز بين منطقة لبنانية محتلة وأخرى.

كما أن المسؤولين السياسيين على اختلاف مواقعهم، أكدوا رفضهم الوقوع في «فخ جزي» وأن الدولة لا تعقد صفقات مع العملاء، ولا تعامل مع «جيش لبنان الجنوبي»، كقوة أمر واقع، ولا تجري أي اتصال معها، سواء كان ذلك بطريق مباشرة أو عن طريق طرف ثالث.

 ومما أثار الشكوك أكثر من هذه التحركات وتوقيتها، أن تحولات معينة جرت مؤخرًا في جزين حيث تجمعت مجموعات من «القوات اللبنانية» المنحلة قانونيًا، في المدينة، ويقدر العدد الإجمالي لها بالعشرات - وأتى معظمهم من المناطق المحررة- بل من عمق كسروان والشمال، ومن العاصمة بيروت، وهؤلاء غرباء عن المدينة، وأشخاص موتورون بسبب سجن زعيمهم سمير جعجع ويسبب أخر أكثر أهمية هو انكشاف شبكاتهم السرية، وإلقاء القبض على بعض الخيوط التي أوصلت إلى اكتشاف الباقين المتخفين، وذلك كله في سياق المعلومات المتواترة عن قرب انسحاب جيش العملاء من المدينة، بسبب الخسائر الموجهة التي تصيبه يوميًا.

 وتأكيدًا للسياق المذكور، فجر موقع حصين قرب جزين من قبل العملاء أنفسهم، حتى لا تستخدمه المقاومة فيما بعد، والموقع معروف باسم «تومات نيحا» وهو ذو أهمية استراتيجية يشرف على البقاع الغربي ومرجعيون وجزين، ويرتفع عن سطح الأرض ١٦٧٠ مترًا، وقَدْ تمكنت المقاومة الإسلامية من استهدافه برغم صعوبة الوصول إليه. بنحو ٤٤ عملية على مدى السنوات السالفة، حتى أن الموقع ذاته تبدل مرتين بسبب الهجمات المتواصلة عليه.

 في حالة إخلائها.

ومجمل الوقائع المذكورة، يطرح تساؤلات عدة. مثل ماذا سيكون الموقف لو تم إخلاء جزين؟ هل تدخل المقاومة إلى مشارف المدينة؟ أو يتولى الجيش اللبناني مهمة حماية المنطقة بكاملها؟ هل ينسحب العملاء اللحديون ويبقى «القواتيون» لافتعال معارك طائفية مع المقاومين الإسلاميين كما كان دابهم طوال الحرب الأهلية، أي أنه فخ يستدرج به الإسرائيليون الحكومة والمقاومة؟

إن الحقائق تثبت بمجملها وتفصيلها أن جزين محتلة، دون أي مواربة، وأن افتعال الالتباس حول المسألة يندرج في سياق المخطط الإسرائيلي إياه فجزين - كما هو معروف- خضعت للاحتلال الصهيوني المباشر، عام ۱۹۸۲م، وبقيت كذلك تحت الإشراف غير المباشر حتى عام ١٩٨٥م، عندما انسحبت إسرائيل من صيدا وجوارها.

 وقضاء جزين يضم ٥٦ بلدة وقرية منها ٤١ قرية لاتزال تحت الاحتلال، والوصول إلى جزين هناك ممران أو معبران ليس لها طريق آخر غيرهما، وهما معبر باتر - جزين في الشوف، ومعبر كفر فالوس - جزين في شرق صيدا، وبين المعبر والمدينة المحتلة تنتشر مليشيا لحد التي تفرض إجراءات أمنية مشددة منها تغيير لوحات السيارات القادمة إلى جزين بأخرى صفراء اللون والحصول على اللوحات الصفراء، لا بُدَّ من تقديم طلب للحصول على تصريح بالتجول في المنطقة، ولا يعطى التصريح المذكور إلا بعد إعلام المخابرات الإسرائيلية.

 وأقصى ما يعرضه العدو انسحاب مشروط باتخاذ تدابير أمنية استثنائية في المناطق التي سينسحب منها، لمنع عمليات المقاومة، واستيعاب العملاء في الأجهزة الأمنية الرسمية المولجة بحفظ الاستقرار في المناطق إياها.

 وليس مستغربًا أن تشترط إسرائيل على لبنان تحديد عدد الجنود اللبنانيين في المناطق المشار إليها، وحجم تسليحهم، وأسماء الضباط المسؤولين.. إلى آخره.

 ومثل ذلك فرضه الإسرائيليون على لبنان في اتفاقية ١٧ من مايو عام ۱۹۸۳م، وهي الاتفاقية التي سقطت أو ولدت ميتة، بسبب الرفض الإسلامي القاطع لها.

 إذن أن تكون جزين محتلة مباشرة أو بالمداورة، ليس هذا هو المهم، الأهم أن جزين هي نقطة اختبار، ومزلق صهيوني لن ينطلي بسهولة على لبنان.

الرابط المختصر :