العنوان الاجتهاد بين هاجس التأصيل وتحدي التحرير
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر السبت 04-أكتوبر-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1571
نشر في الصفحة 50
السبت 04-أكتوبر-2003
باريس:
احتفلت مجلة رؤى الصادرة عن مركز الدراسات الحضارية بباريس بسنتها الرابعة وعقدت في هذا الإطار ندوة حول مسيرتها ومستقبل قضاياها حضرها جمع من المثقفين المتابعين للمجلة، و«رؤى» مجلة فكرية فصلية تعنى بقضايا التجديد والمستقبل الإسلامي، يقوم عليها بعض المثقفين بجهد تطوعي في محاولة لسد الفراغ في الكتابة الفكرية الإسلامية إزاء الزخم الفكري في عاصمة مثل باريس، ونسبة الأدمغة العربية المهاجرة المرتفعة في أوروبا والغرب عمومًا.
وتناولت رؤى خلال مسيرتها مواضيع وقضايا عديدة -في شكل ملفات محورية- من بينها:
المواطنة
السلطة
حرية التعبير والتعددية
الدين والسياسة
التعليم والهوية
التجديد في الفكر الإسلامي
مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب ماذا نملك من مقومات الحضارة؟
إشكالية الحوار والصراع بين الحضارات.
وكان محور العدد الخير هو «الاجتهاد بين هاجس التأصيل وتحدي التحرير»، شارك فيه ثلة من الباحثين والمفكرين من بينهم الأساتذة د. يوسف القرضاوي، ود. طه جابر العلواني وجمال البنا، ود. عبد الرزاق قسوم أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر ود سعيد شبار أستاذ بجامعة القاضي عياض بني ملال بالمغرب ود. محمد المستيري رئيس تحرير «رؤى» ود. خالص جلبي ولطفي المجدوب الباحث في الدراسات الإسلامية بالنمسا.
وتوقف هذا الأخير في مقاله «الاجتهاد في اصطلاح الفقهاء» عند مفهوم الاجتهاد وحكمه، وخلص إلى أن الاجتهاد هو «بذل الطاقة والجهد من قبل الفقيه في تحصيل حكم شرعي، وهو فعل بشري يمارسه العقل المسلم في ضوء الشرع وهديه، وهو قابل للصواب والخطأ»، مشددًا على أن صوابيته في زمن معين ولمجتمع معين لا تعني بالضرورة امتداد هذه الصوابية لبقية العصور والمجتمعات «وهو ما لا ينال بالطبع من قدسية القيم في الكتاب والسنة وعصمتها، وإنما يؤكد قدسيتها وعظمتها، وأن القيم تبقى هي المرجعية والمعيار الضابط لكل اجتهاد».
وتطرق د. عبد الرزاق قسوم في مقاله «الاجتهاد بين هاجس التأصيل وحتمية التأويل» إلى ضرورة المزاوجة بين التأصيل والتأويل والتأصيل الذي يعني في مفهومنا الوفاء للنص المقدس والاستظلال بروح أحكامه والالتزام بقيمه وتعاليمه، لا ينفي التأويل الذي هو ضرورة فكرية والزامية دينية وحتمية عصرية، مشيراً إلى تخوف العقل المسلم من ولوج ما يعرف في الغرب «بالهيرمينوطيقا» أو علم تأويل المقدس بسبب أزمة المعاصرة الغربية وما جرته على الإنسان الغربي من ويلات.
والاجتهاد المنشود في نظره «ليس منهجًا فقهيًا يميز الحلال والحرام باسم الفقه الديني لكنه منهج حضاري، حافز على بذل الجهد العقلي والعلمي والتكنولوجي لفهم ما يحيط بنا في عالم التقدم التكنولوجي والعولمة الثقافية الوافدة، وإذا كان الاجتهاد هو منهج تقريب الفهم وتوضيح المفاهيم بين العقل المحدود والوحي الممدود، فإن التأويل هو حلقة الوصل المفقودة بين النص الإلهي والواقع البشري أي أنه أداة ربط بين السماء والأرض في فك رموز الألوهية في مخاطبة الإنسان على الأرض من خلال الوحي، وهو آلية الاجتهاد التي من شأنها تحريك سكونية الذهنية الراكدة وإخراجها من الكمون الفكري إلى الصحوة العقلية، ومن التيه التاريخي إلى الرشاد الحضاري».
وشدد على أن الاجتهاد أو التأويل لا يعني بالضرورة مناقضة التقليد، مشيرًا إلى الثورة الفكرية التي أحدثتها النقلة التوفيقية لدى المسلمين الأوائل بين الاجتهاد والإبداع وبين ما أسماه «زمانية النص وحداثية العقل»، ونبه إلى بعض المنزلقات الخطيرة مثل تجميد زمانية النص، ونزع فكرة القداسة عن النص واعتبارها أحد العوائق في طريق الإبداع والنظرة الاختزالية للمقدس وللدين بوجه عام وحصره في مجرد ظاهرة تاريخية واجتماعية يخضع كأية ظاهرة اجتماعية لقوانين التطور.
من ناحيته، أشار د. سعيد شبار في مقاله «الاجتهاد والرأي، قراءة في أوجه التداخل والتكامل» إلى أن فكرنا الحديث والمعاصر أكد دور الرأي وعلاقته بالاجتهاد والرأي عند من يعتبره مصدرًا من مصادر التشريع بعد النص إنما يريد به القياس والاستحسان والاستصلاح ويستشهد بموقف الدريني في كتابه «المناهج الأصولية»، الذي يفسر الاجتهاد بالرأي ببذل للجهد العقلي في النصوص استثمارًا لطاقات النص في جميع دلالاته على معانيه وأحكامه، وتحديدًا لمراد الشارع منه، ولا سيما إذا كان النص خفيًا بالاعتماد على الأدلة والقرائن ثم الترجيح بما يغلب على الظن أنه مراد من النص، وقد يلجأ إلى حكمة التشريع التي من أجلها شرع حكم النص، وبناءً عليه يختلف منهج الاجتهاد بالرأي عن منهج الظاهرية «الذين يحتكمون إلى ظاهر النص»، كما يختلف عن منهج الفيلسوف الذي يحتكم إلى الفكر المحض أو منطق العقل المجرد فكل من المنهج اللغوي المحض والمنهج العقلي المحض لا يتفق مع طبيعة التشريع بما هو نصوص ودلالات وإرادة وروح ومقاصد.
وفي بحث بعنوان «نظرات حول الشروط العلمية للاجتهاد»، أكد د. يوسف القرضاوي أن التحرير من هواجس الخوف من التأويل ومن الرهبة تجاه التراث أمر مطلوب ولا شك فلا ينبغي للمسلم أن يتقيد إلا بمحكمات النصوص المعصومة، أما اجتهادات البشر فيأخذ منها ويدع وفقًا للمعايير والأصول المتفق عليها، أما التأويل فلا يستغني عنه عالم، ولكن بشروطه وضوابطه، وإلا فقدنا الثقة باللغة ودلالاتها، وضاعت الحقيقة بين «الباطنية» الذين أسرفوا في التأويل حتى مرقوا من الدين و«الظاهرية» الذين بالغوا في الوقوف عند حرفية النصوص.
ونبه إلى خطورة «الاستخفاف بالتراث» الذي يجب أن يكون «منارة تهدي لا قيدًا يعوق، وكل العلوم في الدنيا لا يبدأ فيها عالم من الصفر، وإنما يبني اللاحق على ما أسسه السابق، وبهذا تتطور العلوم وترقى».
كما نبه إلى خطورة «الجرأة على التأويل» من غير المتخصصين ومن الدخلاء وأنصاف العلماء ومن بعض الشباب الذين جعلوا من أنفسهم مراجع دينية، يناطحون العمالقة والأئمة، فكأن الدين وحده هو الذي أصبح كلا مباحًا.
يقول د. القرضاوي: «إننا لا نريد أن نحجر واسعًا، ولا نريد أن نغلق باب الاجتهاد، وقد فتحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأمة، ولكن لا يجوز أن يفتح لكل من هب ودب».
واشترط في الاجتهاد المعرفة المتكاملة بعلوم الإسلام الأصيلة بحكم تشابكها لما لهذا التكامل من أثر في الاقتراب إلى الرشد وإصابة الحق علاوة على ما يسميه الإمام أحمد معرفة الناس أي «معرفة الحياة المعاصرة وتياراتها الفكرية والثقافية المختلفة، والإلمام بثقافة العصر ومعارفه»، ودعا إلى مد جسر التواصل بين الفقه والحديث، حتى تزول الفجوة القائمة بين المدرستين الفقهية والحديثية، ونبه إلى خطورة التخصص غير المتكامل في المنهج الدراسي الحالي للكليات والمعاهد العليا الإسلامية، ويرى أن تأصيل الاجتهاد المعاصر، يكون باجتهاد حقيقي في العلوم التي تتعلق بالمنهج، وهي علوم أربعة علم أصول الدين وعلم أصول الفقه وعلم أصول التفسير وعلم أصول الحديث.
وفي بحثه «العقل المسلم بين الاجتهاد والتقليد» ذكر د. طه جابر العلواني الأطوار التي مر بها العقل المسلم من عقل برهاني متألق جوال صنعته آيات الكتاب العزيز، وهدي الرسول الكريم، إلى أزمة ثقة بين النقل والعقل تطورت إلى صراع مفتعل بينهما وبروز المعتزلة والأشاعرة وأهل الرأي وأهل الحديث ومن إليهم، ثم مرحلة التقييد العقلي ومصادرة صلاحياته وملكاته الأصلية، والركون التام إلى عقلية التقليد واعتبار التقليد هو الأصل.
وتحدث عن تنزل الاجتهاد في إطار مشروع حضاري كامل تعود الأمة بمقتضاه إلى موقف الوسطية والشهادة على الناس، وأن لا يبقى الاجتهاد محصورًا في الفقه الذي تحول من وسيلة لضبط حياة الناس ووقائعها بضوابط الشريعة، إلى وسيلة لتبرير الواقع المطلوب -في بعض الأحيان- وإشباع الرغبة في التفريع والوصول إلى أحكام الافتراضات في أحيان أخرى.
من هنا تأتي ضرورة تحديد منهجية تقوم على اكتشاف العلاقة بين الوحي والكون عن طريق بناء النظام المعرفي الإسلامي والمنهجية المعرفية القرآنية ومنهج التعامل مع القرآن العظيم، ومع السنة النبوية المطهرة، وقراءة التراث الإسلامي قراءة سليمة، والتعامل مع التراث الإنساني، مشددًا على ضرورة فهم عالمية الخطاب القرآني، فنحن أمام خطاب إلهي في القرآن الكريم يمضي متدرجًا من العائلية إلى القبلية ثم إلى الأممية ثم إلى العالمية، يقابله تدرج في الخطاب التشريعي من شرائع الإصر والأغلال إلى شرعة الرحمة والتخفيف.
ويرى د. محمد المستيري في مقاله العوائق الموضوعية للاجتهاد المعاصر، أن محاولات الاجتهاد ظلت في معظمها حبيسة الارتهان الحضاري للأمة، معبرة عن أزمة الفردانية في الإبداع وقلة التورع من الجهل والانشداد إلى السلطة والقابلية للتبعية، فولدت أنماطًا من الفتوى الجزئية التراثية لا ترقى حتى إلى نتاج الأسلاف، ولا تجيب عن التحديات المعاصرة، إنما تخضعها لما نطق به الأسبقون واعتبر أن ضعف الرؤية الاستراتيجية للعمل الاجتهادي جعل موضوعاته عرضة لتأثير نزعات التقليد، والهامشية، والحداثية، والثورية.
من ناحيته تطرق د. خالص جلبي في مقاله «في جدلية التفكير والتكفير» إلى ظاهرة التكفير التي يعتبرها «لونًا من ادعاء الألوهية»، ومرضا مرده وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وله دوران «الانغلاق على النفس»، و«عدم التطور» من ناحية، و«حديث المونولوج»، و«التعالي» من ناحية ثانية. وتقود ظاهرة التكفير وعدم التسامح مع الآخر تلقائيًا إلى إغلاق باب الحوار والاضطهاد والإكراه، والنفي من الأرض، والقتل والتهجير الجماعي، وهي أمور تكررت في القديم والحديث وعند كل الأمم، ويرى «أن ظاهرة التشدد التي تقود للتكفير لا تخص جماعات الخوارج الخطيرة في التاريخ الإسلامي، بل هي ظاهرة إنسانية في أي مجتمع علاه التعصب وأرسل العقل في إجازة مفتوحة إلى منفى بعيد».
من خلال ما تقدم، فإن الاجتهاد -كما جاء في كلمة تحرير مجلة رؤى- «ليس علمًا ولا فنًا ولا فلسفة، وإنما منهجًا في الإبداع والتجديد من أجل الارتقاء بمسؤولية الفرد التاريخية وبالشهود الحضاري لأمة المسلمين، وهو مفتاح النهوض والنكوص عليه سبيل للتخلف والتبعية لأنه المنهج الكفيل بتحديد الهوية الفكرية لرجل الحضارة المسلم، ومن ثم هوية فعله وبنائه داخل حركة الإنسانية».
وليس الهدف من هذا المنهج تخصيص المعرفة ضمن نخبة التأويل، وإنما إخراج دلالاتها لعموم التنزيل، حتى تتحول مادة للتهذيب والتربية النفسية والعقلية والاجتماعية وقاعدة لتأسيس الحضارة ومراجعة أدائها.
وحاولت مجلة رؤى -من خلال تطرقها لملف الاجتهاد من زوايا متعددة منهجية وفلسفية وفقهية وعملي- تقديم إضافة منهجية جديدة على طريق إحياء الاجتهاد والمساهمة في فك عقدة السؤال عن معادلة الاجتهاد المعاصر، وصفة المعاصرة في الاجتهاد هي قاعدة تحكيم العادة والعرف التي يشترطها فقه التنزيل، فهي ليست منهجًا حداثيًا تغريبيًا، بل رد إسلامي جديد على تحديات الحداثة الغربية من خلال اعتماد الأصول وتحرير الرأي واعتبار المتغيرات في الواقع وبعدها المستقبلي.
وشددت على ضرورة تجاوز النظرة الجزئية والفردانية الضيقة نحو الرؤية الكلية للعمل الاجتهادي، وإحياء فضيلة الاجتهاد على أساس وصلها بأمانة الخلافة في الأرض والشهود على الناس، وذلك من أجل الانتقال من ثقافة الفتوى إلى ثقافة التجديد الأمر الذي يتطلب تربية الأجيال القادمة على قيمة الاجتهاد حتى تتحول إلى ثقافة جامعة مؤسسة لاحترام الاختلاف وتشجيع الإبداع وقبول النقد والرأي الحر.
العنوان البريدي المجلة رؤى: rouacecp@hotmail.com