العنوان الاتحاد الأوروبي في دورة جديدة التحديات الخارجية تعجل بتوحيد أوروبا
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 19
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 27-يناير-1998
الاتحاد الأوروبي في دورة جديدة
التحديات الخارجية... تعجل بتوحيد أوروبا
باريس: د. محمد الغمقي
بداية من شهر يناير الحالي ولمدة ستة أشهر، تتولى بريطانيا رئاسة
الاتحاد الأوروبي وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة نظراً لخصوصية الموقف البريطاني في
العديد من القضايا الأوروبية وآخرها الوحدة النقدية التي تعمل حكومة توني بلير على
تحقيقها لكنها ليست مستعدة للالتحاق بركب بقية الدول الأوروبية في العمل بالعملة
الأوروبية "أورو" قبل حوالي عام 2002 م.
ويبدو أن رئيس الوزراء البريطاني يسعى لتوظيف هذه الدورة من أجل تقديم
صورة ساطعة عن بريطانيا ويدفع المشروع الأوروبي إلى الأمام بعد أربعين سنة من وضع
معالم تأسيسه.
هذا المشروع يعود إلى أربعة عقود عندما وقع يوم 25 مارس 1957 م مسؤولو ستة بلدان أوروبية "دول البنلوكس
الثلاث بالإضافة إلى إيطاليا وفرنسا وجمهورية ألمانيا الفدرالية"، اتفاقية
تأسيس المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وما بين هذا التاريخ ونهاية عام 1977 م شهدت أوروبا تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية
رسخت لدى دوائر القرار فكرة الوحدة كضرورة للكيان الأوروبي من أجل مواجهة التحديات
الداخلية والخارجية.
توسيع الاتحاد
ويتساءل المتابعون للشؤون الأوروبية عن مشروع الوحدة الأوروبية في ظل
إقرار مبدأ توسيع الاتحاد الذي يضم حالياً خمسة عشر بلداً والاستعداد للتعامل
بالوحدة النقدية عملياً بدءاً من عام 1999 م، وفي هذا الإطار عقدت بمجلس الشيوخ الفرنسي
ندوة بعنوان "التحدي الأمريكي تهديد أم أمر إيجابي للبناء الأوروبي"،
شارك فيها شخصيات سياسية فرنسية وغير فرنسية، مثل رئيس المجموعة الأوروبية السابق
جاك ديلور ورئيس الحزب الديجولي "التجمع من أجل الجمهورية"، فيليب سقوان
وتمحورت الندوة حول فكرة أساسية تتمثل في أن أوروبا يجب أن تتحرك بسرعتين
متفاوتتين الأولى: تترجمها النواة الصلبة منها المجموعة المؤسسة للكيان الأوروبي،
والثانية تعبر عنها المجموعة المترددة أو البطيئة في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي.
والرأي الغالب والمتفائل بتحقيق حلم راود شعوباً وحكاماً وقادة
أوروبيين منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى ثم الثانية.
وزادت ضرورة توحيد الكيان الأوروبي زمن الحرب الباردة بين المعسكر
الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقاً والمعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة
وكان الموقع الاستراتيجي لأوروبا في نقطة التماس بين المعسكرين قد لعب الدور
الأساسي في تحالف عسكري "ناتو" يضم إلى جانب عدد من بلدان أوروبا
الغربية الولايات المتحدة وكندا، وتركيا واليونان.
وبعد سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، برزت في الساحة
الأوروبية إشكالات داخلية اقتصادية واجتماعية متمثلة أساساً في تفاقم البطالة
وتراجع النمو الاقتصادي وتصاعد موجات العنصرية وتحولها إلى تيارات سياسية ذات وزن
شعبي عبر ما تفرزه المحطات الانتخابية وصناديق الاقتراع، وزادت مقابل ذلك التحديات
الخارجية مثل الضغوط الناجمة عن سيطرة النمط الاقتصادي للسوق وما يسمى بالعولمة
على الطريقة الأمريكية وتنامي المنافسة الآسيوية ـ الأمريكية وتقلب روسيا وريثة
الاتحاد السوفيتي بين وضعها المهتز داخلياً وطموحها المستمر للعب دور مؤثر في
الساحة العالمية وفي منطقة الشرق الأوسط وأوروبا.
وقد أعطت التحديات الخارجية دفعة للعملية التوحيدية للكيان الأوروبي
وترجمت لذلك قمة لكسمبرغ الأخيرة يومي 12 و 13 / 12 / 1997 م المخصصة
للنظر في ضم دول تنتمي إلى أوروبا الوسطى والشرقية إلى الاتحاد الأوروبي، كما أن
قطار الوحدة قطع أطواراً كبيرة منذ أربعين سنة في العديد من المجالات الاقتصادية
والأمنية، وتعتبر اتفاقية شنغن التي تم اعتمادها في مارس 1990 م محطة مهمة في
فتح الحدود بين معظم الدول الأوروبية الأعضاء، في الاتحاد الأوروبي الحالي لحرية
تنقل الناس والبضائع، ومعلوم أن هذه المسألة أثارت تخوفات لدى بعض الدول من تفاقم
ظاهرة الجريمة والمرتكبين لها باستفادة المتعاقدين لها من الحرية التي تتيحها هذه
الاتفاقية، لكن الضمانات المتفق عليها تحول دون الوقوع في هذا المطب المر.
وكان قد سبقها التوقيع على اتفاقية ماستريخت عام 1991 م التي حددت المقاييس التي يستوجب على البلدان
احترامها من أجل المرور إلى المرحلة الأخيرة للوحدة الاقتصادية والنقدية، وكانت
هذه الاتفاقية محل أخذ ورد في الأوساط السياسية الحزبية داخل الدول الموقعة بين
معارض ومؤيد بتحفظ، ومؤيد متحمس لأنها تربط بين المعطى القومي والمعطى الأوروبي،
ورأى البعض في هذا الربط إنقاصاً لسيادة البلد الموقع.
معطى سياسي جديد
ونفس الجدل يدور حالياً حول الوحدة النقدية التي ستدخل حيز التطبيق
بداية من عام 1999 م باستعمال العملة الموحدة "أورو"، بيد
أن المعطى الأساسي الذي شهدته أوروبا عام 1997 م بقيام
حكومتين اشتراكيتين في كل من بريطانيا وفرنسا هذين البلدين القطبين في أوروبا أوجد
نفساً جديداً للمشروع الأوروبي مع التركيز على البعد الاجتماعي... لهذا السبب تعد
قمة لكسمبرغ الأوروبية الأولى للشغل التي عقدت يومي 11 / 21
محطة
مهمة في إعطاء المشروع الأوروبي بعداً اجتماعياً قريباً من هموم المجتمعات
الأوروبية التي تعاني أزمة البطالة وما تبعها من مشاكل اجتماعية ونفسية، وقد كان
للثنائي توني بلير وليونيل جوسبان "رئيسا الحكومتين" الدور الفعال في
توجيه اهتمامات المسؤولين الأوروبيين إلى البعد الاجتماعي والبحث عن استراتيجية
مشتركة لحل معضلة البطالة التي ستكون العائق الرئيسي أمام تقدم مشروع البناء
الأوروبي.
وهكذا تحولت الأزمة الاجتماعية المعقدة إلى حافز كبير لتقوية الروابط
الإقليمية من أجل القدرة على مجابهة التحديات الخارجية في ظل عصر التكتلات
الاقتصادية والسياسية وارتباط مصير الشعوب ببعضها، وبهذه الخلفية، يسعى القادة
الأوروبيون إلى تذليل الصعوبات الداخلية وتقريب وجهات النظر والتصورات والرؤى بين
مختلف أطراف الاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى سياسات متقاربة في كل المجالات
التي تهم الوحدة الأوروبية بدءاً بالمجالات الاقتصادية وانتهاء بالمجال السياسي.
ولا يخفى أن لكل طرف مصالحه وحساباته الخاصة، الأمر الذي انعكس على
الموقف الأوروبي في القضية البوسنية وفي قضايا الشرق الأوسط وبعض الملفات الأخرى،
وترتبط بالنقطة الأخيرة كيفية التعامل مع الحضور الإسلامي في أوروبا سواء في شكل
كيانات "البوسنة، تركيا" أو جاليات تمثل أقليات داخل المجتمعات
الأوروبية، وهذا التعامل يتفاوت من بلد إلى آخر بحسب سياسة كل دولة عضو في الاتحاد
الأوروبي فيما يتعلق بملف الهجرة واللجوء السياسي وموقفها من الصحوة الإسلامية.