; الابتكار.. طعم آخر للحياة.. الرسول ﷺ أعظم المبتكرين | مجلة المجتمع

العنوان الابتكار.. طعم آخر للحياة.. الرسول ﷺ أعظم المبتكرين

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 05-مايو-2007

مشاهدات 58

نشر في العدد 1750

نشر في الصفحة 59

السبت 05-مايو-2007

تناولنا في الحلقات السابقة وسائل الإيضاح المبتكرة التي كان يستخدمها النبي ﷺ في تربيته للصحابة الكرام، وفي هذه الحلقة نتطرق إلى الوسائل المبتكرة التي كان يستخدمها بيده لإيصال المفاهيم والقيم.

  •  ثانيًا: وسائل الإيضاح القريبة 

وهي التي يستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب من الصحابة الكرام، إما بلمسها أو بتوضيحها بالرسم، أو ما شابهها، ومن أمثلتها:

  •  التربية على التعلق بالآخرة 

إذا كان الابتكار يتجلى في مجال استخدام "وسائل الإيضاح" في وسيلة من الوسائل، فلا نراه يتجلى بوضوح مثل تجليه في هذا الحديث الذي يذكر هذه الوسيلة الجريئة التي استخدمها الرسول، حيث عمد إلى جثة جدي تفوح منه رائحة العفن، ليكون هو وسيلة الإيضاح لإيصال مفهوم حقارة الدنيا عند الله تعالى.

 فعن جابر بن عبد الله أن الرسول ﷺ مر بالسوق، داخلًا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت فتناوله، فأخذ بأذنه ثم قال صلى الله عليه وسلم «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟، قالوا والله لو كان حيًّا، كان عيبًا فيه! لأنه أسك فكيف وهو ميت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم.[1] ( 1)

 يتعجب المرء من هذا الذكاء المتميز، إذ كيف يخطر ببال أيًّا كان من مبتكري العالم أن يستخدم جثة حيوان ميت لإيصال مفهوم ما، وربما نجد من يتحدث وبقربه هذه الوسيلة، أما أن يعمد إلى رفعها بيده والذباب يحوم حولها، والرائحة النتنة تزكم الأنوف منها، فهذا مالم يسبقه إليه أحد، إنه أراد صلى الله عليه وسلم بحواره مع الصحابة أن يوصلهم إلى أقصى درجات التنفير من هذه الجثة، حتى إذا اطمأن لوصولهم إلى هذه الدرجة، قذف برسالته التي أراد إيصالها، وهذا بحد ذاته أسلوب فريد في إيصال المفاهيم، فكيف إذا اقترن بهذه الوسيلة الفريدة؟!

  •  لوحات نبوية

 لم يعهد عن نبي قبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه استخدم الرسم لإيصال المفاهيم، فالوسيلة عندما تمسك بين يدي المعلم ويستخدمها أمامهم تكون أكثر أثرًا من الوسيلة التي لا يمسكها بيده وتكون بعيدة عنهم، فعن أنس رضى الله عنه قال: خط النبي ﷺ خطوطًا فقال «هذا الإنسان، وهذا أجله، فبينما هو كذلك جاء الخط الأقرب»[2].

كان صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يوصل هذا المفهوم بكلمات وعبارات، ولكن ابتكاره وسيلة الرسم تؤكد أن ما يراه الإنسان بعينيه كصورة، وما يقترن بها في العبارات أكثر رسوخًا في العقل الباطن من الكلمات المجردة.

 وبسبب فاعلية هذه الوسيلة لم يكتف الرسول بلوحة واحدة بل لجأ إلى تكرار هذه الوسيلة لمفاهيم أخرى... وهذا ما يؤكده الصحابي الجليل ابن مسعود رضى الله عنه عندما أخبرنا بأن الرسول ﷺ خط خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال صلى الله عليه وسلم «هذا الإنسان وهذا أجله محيط به- أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارج أجله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا»[3]

 لقد سبق الرسول ﷺ فناني العالم بأسرهم في اللوحات التجريدية التي لم يكتشفها العالم ألا في القرن الثامن عشر، عصر فناني الثورة الصناعية التي بهرت لوحاتهم العالم بخطوطها التجريدية بعيدًا عن الأرواح واللوحات الواقعية الكلاسيكية، بل تمتاز عن لوحاتهم التي لا تتحدث إلا عن طلاسم غير مفهومة بالحقائق الإنسانية والحقائق التي تنتظره بعد مفارقته لهذه الحياة.

  •  ثالثًا: استغلال الحوادث وأعمال الصحابة

 وثالث هذه الوسائل هي استغلاله للظواهر الطبيعية وبعض أعمال الصحابة رضي الله عنهم.

  •  إصبع النبي ﷺ

 يصدم إصبعه الشريفة، فيخرج منها دم، فيلجأ إلى وسيلة مبتكرة، باستغلاله لهذه الفرصة، أفضل استغلال، ويربي صحابته على أنه غير مكترث مادام في سبيل الله، فيقول صلى الله عليه وسلم له مخاطبًا إصبعه أمامهم. «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت»، وهو هنا يربيهم على الاحتساب عندما يصابون في سبيل الله، ويذكر الأجر ليهون عليهم المصاب.

  •  التنفير من لبس الذهب

 يرى النبي أحد الصحابة الكرام يلبس خاتمًا من الذهب فلا يكتفي أن ينهاه عن لبسه، ويبين حرمته، بل يعمد إلى الابتكار في الأفكار، لا يصلح إلا لمن يمتلك سلطة فيغير ذلك بيده الكريمة، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول رأى خاتمًا من الذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى حجرة من النار فيطرحها في يده؟، فقيل للرجل بعد أن ذهب الرسول خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبدًا، وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم[4]، هذا هو الأثر الذي تركته تلك الوسيلة في نفس ذلك الصحابي الكريم.

 

=================
 

[1] - مسلم ( ٢٩٥٧ )

[2] - رواه البخاري - فتح الباري ( ٦٤١٨ )

[3] - رواه البخاري - فتح الباري ( ٦٤١٧ )

[4] - رواه مسلم ( ۲۰۹۰ )

الرابط المختصر :