العنوان الإيمَان بالغيب خرافة الإنكار.. ومنطق الإثبات!
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1974
مشاهدات 78
نشر في العدد 211
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 30-يوليو-1974
وقف أحد أساتذة جامعة الكويت ممن دعوا إلى ندوة أزمة التطور الحضاري - في أحد المرات - خطيبًا تارة، ومتهكمًا تارة أخرى، كان حديثه حول واقع الشعوب العربية التي لا زالت غارقة بثقافات تطفح فوقها الأساطير والغيببيات.. وندد بحقيقة الغيب، ذلك لأنها العائق - في نظره - أمام الشعوب المتخلفة للوصول إلى النهضة والحضارة.
وكان في ذهني آنذاك، أن يستعرض له مقررات علوم هـذا العصر، فهو مع كونه أستاذًا، قد يكون اطلاعه محدودًا بمخلفات العصر الماضي ومقرراته، كان في ذهني آنذاك، أن محاكمته بمقررات علوم هذا العصر قد تجعله يخجل وينسحب من ساحة المؤتمرات والندوات، في تلك الأيام، قرأت للأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله..كلامًا قويًا في هذا الموضوع.. وبث کلامه في نفسي الثقة.. وشجعني على المضي بكتابة الموضوع.. عل ذلك يفيد.. والله الموفق.
• من أقوال علماء هذا العصر ومما توصل إليه بنو الإنسان من حقائق ومعلومات.. نحاكم أولئك الأدعياء.. الذين ما فتئوا يصفون أنفسهم بالمثقفين تارة.. وبالتقدميين تارة أخرى.. نحاكم هؤلاء بأقوال العلماء.. ومقررات العلم.. ذلك لأنها كلمة الفصل بالنسبة إليهم.. نحاكمهم.. ليعرفوا الواقع الذي يعيشون فيه.. وليتنبهوا ويعيشوا في زمانهم.. ويدعوا مخلفات القرن الماضي التي يقتاتون منها.
أما نحن المسلمون.. فكلمة الفصل لدينا، هو ما أخبرنا به الله - جل وعلا - عن طريق الوحي.. أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم.. وبالنسبة إلينا أن ما يقرره الله هو الحق ابتداء بدون النظـر إلى أقوال البشر ومقرراتهم أيًا كانوا.
ونحن هنا إذ نحاكم هؤلاء.. لا نجعل أقوال العلماء ولا مقرراتهم مصداقًا لقول الله.. أو دليلًا على صدق الله تبارك اسمه.. حاشا الله فنستغفره أن نفعل ذلك.
إنما نحن هنا أولًا.. نكشف الستار عن ذلك الجهل الذي يقتات منه أولئك الأدعياء.. ونری کم من السنين مرت على تلك المقررات التي ما زالوا يتشدقون بها.. مقررات يتنكر لها هذا العصر.
ونحن هنا ثانيًا.. نبين للقارئ أن العلوم مهما تناءت عن مقررات الفطرة السليمة.. في نهاية المطاف نجدها تغير اتجاهها إلى الوجهة السليمة.
ونحن هنا ثالثًا.. نقوم بهذا العمل.. وبناء على الفقرة السابقة نقوم بفعل قائم بذاته.. ولیس رد فعل لكل من يتخبط.
إننا هنا نبين أن الإيمان بالغيب هو الحقيقة العلمية التي كل ما يخالفها جهل وتخبط وعناد.
• حقيقة الغيب في العقيدة الإسلامية:
حقيقة الغيب من أبرز مقومات العقيدة الإسلامية.. ومن أهم قواعد الإيمان الرئيسية.. ذلك أن العقيدة الإسلامية تقرر أمورا غيبية هي في صلب العقيدة.
فذات الله- جل شأنه- غيب بالقياس إلى البشر فمن يؤمن بالله يؤمن بغيب.. يجد آثار فعله ولا يدرك ذاته ولا كيفيات أفعاله فإلایمان بالله- جل شأنه- إیمان بالغيب.
والملائكة الكرام- عليهم السلام- وجودهم حقيقة غيبية.. لا نعرف عنها شيئا إلا ما أخبرنا الله- تبارك اسمه.. فمن يؤمن بهم يؤمن بغيب والقدر خيره وشره.. غیب بالنسبة إلينا ما لم يقع.. والإيمان به واجب والبعث بعد الموت.. والآخرة.. ويوم الحساب وما فيه.. الجنة والنار.. كلها بالقياس إلينا غيب.. يؤمن بها المؤمن تصديقًا لخبر الله جل شأنه.. تلك الحقائق الغيبية يذكرها القرآن الكريم في واقع المؤمنين وعقيدتهم ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥)
تلك الحقائق هي من أهم قواعد الإيمان الرئيسية.. ومن أبرزها.. وهي حدود الكفر والإيمان في العقيدة الإسلامية.. ومدارها الأساسي ومحورها العام هو الغيب.
ولأهمية الإيمان بالغيب في العقيدة الإسلامية.. جعل الله سبحانه وتعالى هذا الإيمان صفة لازمة للمؤمنين﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 1 – 2 – 3 – 4 – 5).
• طبيعة الغيب في التصور الإسلامي:
تحت هذا العنوان أنقل ما قاله الأستاذ الشهيد سيد قطب- رحمه الله– في هذا المجال: -
إن القرآن الكريم- وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشئ التصور الإسلامي والعقلية الإسلامية- يقرر أن هناك عالما للغيب وعالما للشهادة.. فلیس کل ما يحيط بالإنسان غيبًا، وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولًا.
إن هنالك سننًا ثابتة بهذا الكون، يملك «الإنسان» أن يعرف منها القدر اللازم له، حسب طاقته وحسب حاجته، للقيام بالخلافة في هذه الأرض، وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية، وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة، وتعمير الأرض، وترقية الحيــــــــــاة والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها.
وإلى جانب هذه السنن الثابتة- في عمومها- مشيئة الله الطليقة، لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها، وهناك قدر الله الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها، فهي ليست آلية بحتة، فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها، وإن جرت وفق السنة التي أودعها الله إياها ، وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها «غيب» لا يعلمه أحد علم يقين، وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون و «الاحتمالات».. وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضا.. وان العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله، وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل، والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض، والتعامل معها على قواعد ثابتة، فلا يفوت المسلم «العلم» البشري في مجاله ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة، وهي أن هنالك غيبا لا يطلع الله عليه أحدا، إلا من شاء، بالقدر الذي يشاء.
« لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان - كجماعة الماديين في کل زمان- يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى.. إلى عالم البهيمة، الذي لا وجود فيه لغـير المحسوس : ويسمون هذا «تقدمية» وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة هي صفه: «الذين يؤمنون بالغيب».. والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين».
هل النتائج العلمية نهائية: -
لأن الإنسان محدود بعمر معين ولان تجاربه محدودة.. يعيش فترة محدودة بالنسبة للأزل.. لذلك كان علمه وما يتوصل إليه متأثرًا بصفاته... فلا استنتاجاته تكون دقيقة.. ولا اجتهاداته تكون نهائية وفي ذلك يقول العالم الطبيعي الفيلسوف «ماريت ستانلي» «أن العلوم حقائق مختبرة.. ولكنها- مع ذلك- تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه، ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه و استنتاجاته.. ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود، فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ .. وهي تبدأ بالاحتمالات وتنتهي بالاحتمالات كذلك.. وليس باليقين.. ونتائج العلوم بذلك تقريبية، وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات، ونتائجها اجتهادية.. وقابلة للتعديل بالإضافة والحذف.. وليست نهائية، وإننا لنرى أن العالم عندما يصل الى قانون أو نظرية يقول.. إن هذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن ويترك الباب مفتوحًا لما قد يستجد من التعديلات».
لم يعد هناك بالإمكان أن نقول عن النتائج العلمية التي يصل إليها العلم صحيحه وقطعية.. إنما كل ما نقوله أن الاحتمال في نتيجة ظنية معينة أكبر بكثير من الاحتمالات الأخرى.
يقول سير «جيمس جينز» الأستاذ في الطبيعة والرياضيات «لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق، أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقًا واحدًا.. وهو الطريق الذي رسم من قبل، لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته، وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول.. وأن لا مناص من أن الحالة «أ» تتبعها الحالة «ب».
أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن هو أن الحالة «أ» يحتمل أن تتبعها الحالة «ب» أو «ج» أو «د» وغيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر نعم في استطاعته أن يقول إن حدوث الحالة «ب» أكثر احتمالًا من حدوث الحالة «ج» وأن الحالة «ج أكثر احتمالًا من الحالة «د» وهكذا بل أن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات «ب» و «ج» و «د» بعضها بالنسبة إلى بعض.. ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين: أي الحالات تتبع الأخرى لأنه يتحدث دائمًا عما يحتمل أما ما يجب أن يحدث فأمره موكول إلى الأقدار مهما تكن حقيقة هذه الأقدار».
• الحقيقة الغيبية في لبنة الكون الأساسية:-
لبنة الكون الأساسية وهي الذرة، تتكون من شحنة موجبة وهي «البروتونات» المتركزة في النواة وشحنة سالبة «إلكترونات» تدور حول النواة في مدارات مختلفة.. وشحنة متبادلة «نيوترونات»عند تحطيم الذرة تخرج الإلكترونات عن مداراتها.. ولكن أي سلوك تسلك يا ترى؟ لا أحد يستطيع أن يقرر كل ما نستطيعه هو التخمين والظن والاحتمال فهي تارة تسلك مسلك القذائف وتارة تسلك مسلك الموجات الضوئية أما أي سلوك حتمي تسلكه فهو في علم الغيب.
• الحقيقة الغيبية في نشأة الحياة وانبثاقها:
يقول عالم الأحياء والنبات «رسل تشارلز اورنست» الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا «لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات.. فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بفشل وخذلان ذريعين. ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التغيير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده! ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجازًا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله، الذي خلق الأشياء ودبرها».
• الحقيقة الغيبية في نشأة الإنسان ذاته: -
الدفقة الواحدة من ماء الرجل تحتوي على نحو ستين مليونا من الحيوانات المنوية تتجه متسابقة نحو البويضة في رحم المرأة لكن أي واحد منها سيصل هذا هو أمر غيبي بحت لا قدرة للاحتمال أن يعمل به.
عند التحام الحيوان المنوي بالبويضة ينتج الجني، الحيوان المنوي يحوي كروموسومات مذكرة ومؤنثة، أما البويضة فتحوي كروموسومات مؤنثة غلبة عدد كروموسومات التأنيث والتذكير هو الذي يقرر مصير الجنين ذكرًا كان أو أنثى.. وهذا خاضع لماذا؟ لقدر الله الغيبي.. ولا دخل لأي شيء ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد: 8 – 9).
من هذا كله:
إن حقيقة الغيب تفرض نفسها على الوجود كله.. على كل ما يدور حولنا.. حتى ليبدو لنا العقل البشري الصغير يتخبط في معميات لولا ذلك البصيص من النور الذي أرشدنا الله إليه ولولا عونه سبحانه وتسخير هذا الكون لنا.
إن حقيقة الغيب تفرض نفسها على نشأة الكون وطبيعته وما علاقة المكان وأبعاده بالزمان وأبعاده؟
ونشأة الحياة وانبثاقها.. كيف بدأت؟ كيف سارت؟ ما هي ارتباطاتها؟
والإنسان ما هو؟ ما الفرق بينه وبين المادة؟ والعقل؟ ما هو؟ ما هي حدوده وماهيته؟
وما هي نهایته؟ هل الموت! أم أن هناك أمور أخرى بعد الموت؟
لا يزال الجواب موكل للغيب في كل هذه المسائل بل في أغلب المسائل وسيظل الجواب غيبيًا إلا أن يشاء الله.
ذلك أن- وكما يقول العالم الفرنسي الكسيس كاريل- « إن ترکیب عقولنا يجعلنا نهتم بالتفكير في الحقائق البسيطة «لأنه يعتبر المسائل الغيبية حقائق معقدة» إذ أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولي حل مشكلة معقدة مثل تركيب الكائنات الحية والإنسان فالعقل كما يقول برغسون يتصف بعجز طبيعي عن فهم الحياة».
أین إذًا الحقائق الثابتة لم يعد هناك من يقرر أن هذه المقررات العلمية ثابتة لا تتبدل ذلك أن الغيب يفرض نفسه في كل مجال ولا يدع للإنسان إلا الاحتمال وحتى علوم الجماد والرياضيات والميكانيكا تلك العلوم التي صنعها الإنسان لم يعد العلم يجزم بمقرر ثابت لها، إذ أنها اعتمدت في بادئ أمرها على أبعاد ثلاثة ولكن بعد إضافة البعد الرابع هل بقت هذه النتائج والمقررات صحيحة مائة في مائة وهل يا ترى لا توجد أبعاد أخرى غير تلك التي عرفها الإنسان.. احتمال وجود ذلك فهذا في علم الغيب، إن القرن العشرين يقول للذين يقتاتون من بقايا ومخلفات القرون الماضية أن كل ما يصل إليه من النتائج هو «الاحتمالات» وأن الحقيقة المستيقنة الوحيدة هي أن هنالك «غيبًا» لا شك فيه والحتمية التاريخية كذلك.
ولأن الذين يتحدثون عن الغيب كذلك يتحدثون عن الحتمية التاريخية.. كما لو كان المستقبل مستيقن.
ولأن «الحتميات» المدعاة تخالف ابتداء مقرر القرن العشرين وهو أنه لا حتميات.. بل احتمالات نقول هذه الكلمة.
من الأوائل الذين تحدثوا عن الحتميات «ماركس» وتنبأ بالكثير لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في المجتمعات المتقدمة صناعيًا البالغة قمة الرأسمالية في جانب وقمة الفقر العمالي في جانب أخر مثل «إنجلترا» ولم يقل ماركس أو يخطر بباله أنها ستقوم في المجتمعات المتخلفة صناعيًا ذلك- كما يقول ماركس- إن عمال المصانع لا ارتباط لهم بشيء بينما عمال المزارع لهم ارتباط بالأرض ولكن نبوءته لم تصدق فلا تزال بريطانيا بلدًا رأسماليًا أما الشيوعية فلم تقم قط في بلد رأسمال، قامت في أكثر الشعوب تخلفًا صناعيًا في روسيا والصين وما إليها كما أن قيام الثورات في روسيا والصين لم تكن قط نتيجة للمقدمات التي افترضها ماركس - تلك المقدمات اللازمة لقيام الشيوعية - يقول العقاد في هذا «فالبلاد الروسية كانت آخر البلاد الأوربية التي يصدق عليها هذا التطور وإنما الثورة التي وقعت فيها بعد الحرب العالمية الأولى ثورة من ثورات الهزائم الكبرى التي امتلأ بها التاريخ القديم والحديث، وكانت سببًا لإسقاط كثير من الدول عن عروشها التي نخرها الفساد وتلقت أمام رعاياها تبعات تلك الهزيمة وجرائرها، مقرونة في أكثر الأوقات بتبعات العجز عن تدبير مصالح أولئك الرعايا.
ولم يذهب عرش «رومانوف» وحده بعد هزائم الحرب العالمية الأولى بل ذهبت معه عروش «هوهنزلرن» و «هابسبرج» و «آل عثمان» وذهبت الهزائم قبل الحرب العالمية بأسرة «المانشو» في الصين على أيدي «سن يات سن» وأصحابه من طلاب الإصلاح.
وكل ما قيل عن نسبة الثورة الروسية إلى الشيوعية فإنما مرجعه إلى الفئة التي كانت تدين بآراء «کارل مارکس» وتسلمت قيادة الثورة بعد تمرد الجيش من أسرة «رومانوف».
فأين نبوءة ماركس وأين الحتميات التي لم يحسب حساب القدر الغيبي فيها.
أما لينين وبعده ستالين فقد تنبأ بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي تري هذه النبوءة هل بقت ربع قرن من إعلانها؟ إنها لم تحيا ربع قرن ذلك لان خروشوف انطلق إلى العالم الرأسمالي حاملًا راية التعايش السلمي.
ومن بعده بريجنيف حمل راية الوفاق الدولي أن بريجنيف تخلى عن رفاقه بل فصلهم من أجل هذا الوفاق وذهب إلى أم العالم الرأسمالي «أميركا» وأخذ يجامل تارة ويستعطف تارة من أجل سياسة الوفاق واستمرارها.
إن الحتمية الوحيدة التي نجزم بها هي وقوع ما يقضي به الله ويجري به قدره.. وقدره غيب لا يعلمه إلا هو وأن الحقيقة الوحيدة التي نجزم بها في هذا المجال هي حقيقة الغيب وكل ما عداها احتمالات.
وأن الأمر الذي يجب أن نوضحه هو أن للكون سننا ثابتة من معرفة الإنسان بها، يستعين بها في خلافة الأرض تحت قدر الله وقضائه.
هذا هو الامر كله ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء : 9)
إسماعيل الشطي
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل