; الإسلام والطبّ الحديث | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والطبّ الحديث

الكاتب محمد عالمكير خان

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1975

مشاهدات 94

نشر في العدد 242

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 25-مارس-1975

لقد اطلعت على هذه النشرة فأعجبني ما فيها من تحقيقات علمية تظهر ما للإسلام من فضل على العلم والإنسانية فترجمتها على عجل إلى العربية واعتقد أن ما فيها من مواضيع حرى بأن يرفع من قيمة الإسلام في نظر الذين يظنون بأن الإسلام لا يماشي العلم، كما أن هذه الابحاث جديرة بعناية العلماء وإني لا أشك أن العلماء إذا ما انصرفوا إلى دراسة القرآن الكريم دراسة واعية على ضوء الحقائق العلمية فسوف يجدون فيه كنوزا لا ينضب معينها، وإن كل موضوع هذه المواضية التي أثارها الصديق الكريـــــــم الدكتور الأستاذ محمد عالمكير خان جديرة بأن تؤلف بحثا قائما برأسه. إن القرآن الكريم بحر ما زال العالم على شاطئه ولم يبلغوا بعد منه غير قطرات ولا عجب فالقرآن الكريم هو كتاب العالم الأبدي الذي سيظل مشعلا للهداية إلى يوم القيامة. الدكتور إحسان حقی (بي ايج دی) بيروت ـ لبنان الإسلام دين الفطرة ويبدو للناظر إليه بعمق أنه بالإضافة إلى كونه مصدرا للروحانية فهو في الوقت نفسه أفضل وأكمل نظام الحياة المادية وأن الذي يسير في نطاق أحكامه لا ينال الكمال في حياته المادية والاقتصادية والسياسية فحسب بل وينال أيضا القوة والصحة والعافية. وإني أعرض على حضراتكم في هذا المجال وعلى ضوء القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، بعض ما بدا لي من الناحية الطبية التي هي اختصاصي الذي أمارسه. إن كل لفظ في القرآن الكريم هو حقيقة أزلية وليست العلوم إلا وسيلة لفهم هذه الحقيقة التي يقول الله سبحانه وتعالى بشأنها في الآية السابعة من سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ال عمران:7) ويبدو من هذه الآية الكريمة أن في القرآن نوعين من الآيات الأولى محكمات وهي الأسس الراسخة في بناء الأحكام القرآنية وهي قطعية، مفهومها واضع ومقاصدها ظاهر لا تحتاج إلى تأويل ولا مجال فيها للتأويل والآيات الآخر هي الآيات التي سماها الله سبحانه وتعالى بالمتشابهات وهي الآيات التي ما زالت، حتى يومنا هذا، عزيزة على إدراكنا ولا يستطيع المرء فهمها بعلمه وحواسه ولا يعرف معناها الحقيقي إلا الله ويؤمن بها الراسخون في العلم. ومما يجب ألا يسهو عن الفكر أن نطاق العلم واسع جدا وهو آخذ بالاتساع يوما بعد يوم وكل خطوة يخطوها الإنسان في ميدان الرقي تزيد في سعة العلم، وأن كل علـى الحياة من علم الدين إلى علم الطب فالهندسة فالزراعة فالصناعة وغيرها يدخل في نطاق مفهوم العلم الذي أشار إليه القرآن الكريم. ومما يزيد في أعجاز القرآن أنه لم يترك حكما من أحكامه أو أصلا من أصوله ناقصا، كما أشار إلى ذلك تعالى بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: آية ۸۹). فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى قد فصل كل شيء بوضوح في القرآن الكريم. وان ما نحتاج إليه هو أن نؤمن إيمانا كاملا ثم نبحث عما نريد: أما فهم الآيات المتشابهات فيتم من خلال أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله التي هي لنا خير دليل، كما قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21 ). وهذه الآية الكريمة تدل على أن الله تعالى قد خلق آخـر رسله نموذجا وأرسله إلى العالم كافة. . وفي الواقع فإن تفسير القرآن الكريم هو من عمل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) متأثرا بهذه الحقائق وعلى الرغم من قلة بضاعتي فإني أتجاسر على أن أقدم إليكم قطرات من بحر هذا العـلم الواسع، وكما هو ظاهر من العنوان فإن موضوع هذه المحاضرة يتعلق بالطب الحديث ولا سيما بتلك الأسس الصحية التي جعلها القرآن الكريم ونبي الإسلام ركنا من أركان بناء حياتنا اليومية. لأن الله سبحانه وتعالى يدعو الإنسان إلى السلامة وإلى القوة. فلنأخذ في شرح ما نقصد ولنبدأ ب: قلة الطعام: فقد قال تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31) ففي هذه الآية أمرنا الله بقلة الطعام ونهانا عن الإكثار منه وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أتباعه بفعله وشدد في منع الإكثار ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». وفي حالة أخرى قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم يأكل في معى واحد والكافر والمنافق يأكل في سبعة أمعاء» (البخاري ومسلم والترمذي) وقال أيضا: «إن الله يبغض الآكل فوق شبعه»، وقال أيضا: »أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة» (ابن ماجة). ومما يدعو الناس إلى التفكير قوله صلى الله عليه وسلم: تعوذوا بالله من الرغب (الكامل لأبي عدي) والرغب هم الذين يكثرون من الطعام. فمن أقواله هذه عليه السلام يبدو بأنه جعل قلة الطعام خاصة من خصائص المسلم وقد أثبت الطب الحديث على أن كثرة الطعام لا تكون سببا لكثير من الأمراض فقط بل إنها تعجل في الشيخوخة وتسبب كثيرا من مصائب الحياة مثل الفالج والعته وعدم استطاعة المرء على التحكم ببوله وبرازه. ولعل أشد الأمراض خطرا التي تنشأ عن كثرة الطعام مرض السكر وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والفالج. . مرض السكر: يحدث هذا المرض من نقص الأنسولين في الجسم، والأنسولين هو الهورمون الذي تفرزه غدة البنكرياس وهو مادة لازمة لأيض (لاحتراق) النشويات: شکل توضيحي لإظهار البنكرياس. كل ما يدخل المعدة من طعام يتحول القسم الأكبر منه إلى مادة نشوية وهذه المادة لا تحرق لإنتاج الطاقة بغير هذا الهورمون وبذلك تزيد كمية السكر في الدم، فالإكثار من الطعام يزيد من عمل الغدة وإذا تكررت هذه الحالة تعبت خلايا البنكرياس وأضربت عن العمل فتقل كمية الأنسولين ومن أصيب بالسكر، وهو رأس الأمراض وأفتكها، كان أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم وبالفالج وبأمراض القلب. الفالج، أمراض القلب، والشيخوخة المبكرة: إن أسباب حدوث هذه الأمراض هي ضيق الشرايين وذلك لأن سلامة الجسم تقوم على وصول الدم، بقدر كاف، إلى جميع أطرافه، والشرايين هي التي تحمل هذا الدم إلى جميع أجزاء الجسم، فإذا الأوعية الدموية التي تغذي الجسم بكامله: ضاقت هذه الشرايين أخذت رويدا رويدا تهمل عملها وتنسد أكثر الشرايين انسدادًا كاملا وتغدو المنطقة التي أصيبت بهذا الانسداد عديمة الحس وتفقد الحياة فإذا ما أصابت هذه الحالة الدماغ حدث الفالج وإذا ما أصابت القلب زاد النبض. وتحدث الشيخوخة المبكرة من ضيق الشرايين وحينما تضيق أكثر شرابين الدماغ يفقد الإنسان القدرة على ضبط بوله وبرازه ويصاب بالعته. إن الشرايين تشبه القنوات وكما أن القنوات التي لا تنظف مرة أو مرتين في السنة من الرسوب التي تمر فيها تنحبس مياهها فكذلك شأن الشرايين تسدها الرسوب التي تسمى كولسترول وهي نوع من الشحم يعلق على جوانب الشرايين، وهذا الشحم لا يأتي من أكل السمن والزبدة والقشدة (كريم) وصفار البيض والكبد والكلاوي والنخاع وأمثالها من الأطعمة الدسمة فقط بل إن كل طعام يدخل المعدة يتحول جزء منه إلى كوليسترول. وعلى الرغم من أن الكوليسترول مفيد جدا للجسم إلا أن كثرتها تضيق الشرايين وكثرة الأكل تكثر كمية الكوليسترول وتضيق الشرايين بسرعة ويبدأ مفعول هذا العارض منذ الثالثة من العمر. التجويف الطبيعي للشريان تصلب الشرايين الذي يسبب ضيقا غير منتظم في تجويف الشريان. واللحم مادة غذائية ضرورية جدا في طعام الإنسان ولكن بعض اللحوم تحوى شحوما كثيرة مثل لحم البقر والجاموس وأقل اللحوم شحما هي لحوم الطيور وقد عد الله سبحانه وتعالى لحم الطير في جملة نعم الجنة حيث قال: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ (الواقعة: 21) ولحم الطير أنفع، ومن الوجبة الطيبة، لمرضى القلب. وبأكل الزيوت التي لا تتجمد بدل السمن الطبيعي أو النباني يقل الكوليسترول في الدم وقد ذكر الله سبحانه وتعالى: الزيتون مرات في القرآن الكريم لفوائده ونحن نرى في شمال إيطاليا، حيث يأكل الناس السمن، انتشار أمراض القلب بينما تقل أمراض القلب في جنوب البلاد حيث يأكل الناس زيت الزيتون. وإن الذين تضيق شرايينهم يصابون عادة بالسكتة القلبية (موت جزء من القلب) بعد أكلة دسمة مشبعة وذلك للصلة القريبة بين المعدة والقلب لأنه لا يفصلهما إلا غشاء رقيق هو الحجاب الحاجز فمتى امتلأت المعدة أثر ذلك على القلب. مرض القلب بالنسبة للمعدة: فمن كانت شرايينه ضيقة وأكل، حتى ولو لمرة واحدة، غذاء دسما دخلت ذرات الشحم في دمه وعلقت في أضيق الشرايين ولا سيما إذا لم يكن هناك من شریان آخر تمر فيه هذه الذرات مثل بعض شرايين الدماغ. وإلى جانب هذا، فإن ذرات الدهن في الدم تسهل عملية التخليط وكذلك فإنها تسهل التصاق الأمراض الدموية بعضها التي بالتالي تؤدى إلى تجلط الدم. السمنة: إن كثرة الطعام تسبب السمنة التي تكون سببا لأمراض كثيرة مما سبق ذكره وإن ما يصيب الناس من أمراض المفاصل في الشيخوخة ولا سيما أمراض مفاصل الساقين إنما يحدث من السمنة. وتبدو على المرء من كثرة الطعام عوارض سوء الهضم والغازات والإسهال. الحرمات الدم: لقد حرم الله أكل الدم وأمر أن يذبح الحيوان بطريقة يذهب معها الجزء الأكبر من دمه لأن أكل الدم، من الناحية الطبية مضر جدا، فالدم حينما يدخل الأمعاء يتفاعل مع جراثيم يتولد منها سم يسمى أمونيا وهو مضر جدا للكبد ويسبب كثيرا من الأمراض.
الرابط المختصر :