; الإسلام في سيلان «سریلانكا« | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام في سيلان «سریلانكا«

الكاتب محمد شكري

تاريخ النشر الثلاثاء 11-فبراير-1975

مشاهدات 127

نشر في العدد 236

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 11-فبراير-1975

كان الاحتلال البرتغالي لسيلان عام ١٥٠٥ م بداية فصل مظلم لتاريخ الإسلام في الجزيرة، وحياة شاقة ومحنة صعبة بالنسبة للمسلمين، فقد جاء البرتغاليون إلى سیلان مزودين بالحقد والصليبية والكراهية ضد الإسلام والمسلمين، ومن ثم بدأوا في اضطهادهم وتعريضهم لشتى ألوان الذل والعذاب، فقد أباد البرتغاليون قرى مسلمة بكاملها وحاولوا إزالة أي أثر للوجود الإسلامي في الجزيرة. وقد اتبع الهولنديون الذين جاءوا إلى سيلان عام ١٦٥٨م نفس السياسة تجاه المسلمين ومحاربة الإسلام، فأسسوا مدارس تبشيرية؛ لنشر المسيحية ومحاولة وقف النفوذ الإسلامي في المنطقة وإطفاء نور الإسلام، وقد أشار الحاكم الهولندي للجزيرة «جون ميتسلكلر» في تقرير له إلى هذه السياسة الإجرامية ضد الإسلام فقال: «فقد أنشأنا عددًا من المدارس في هذه الأصقاع بهدف نشر العقيدة المسيحية بين السكان، وإعلاء مجد الله، وتخليص أرواح الشعوب البائسة، واستئصال جذور الهرطقة والبدعة المحمدية» وفي وجه القهر والاضطهاد البرتغالي الهولندي، لجأ مسلمو سيلان إلى الأجزاء الداخلية من الجزيرة ووجدوا بعض الحماية من أصدقائهم الحكام المحليين. ورغم أن الاحتلال البريطاني للجزيرة عام ١٧٩٦م قد خفف قليلًا من سياسة البطش والتعذيب التي مارسها البرتغاليون ومن بعدهم الهولنديون ضد المسلمين، فإن البريطانيين اتبعوا نفس السياسة التبشيرية لأسلافهم، فأنشئوا عددًا كبيرًا من المدارس بين عامي ١٨٣٢-١٨٤٦ وفتحوا باب التعليم لكل الطوائف والطبقات في سيلان، ولكن المسلمين لم يستطيعوا أن ينسوا بسهولة الأيام التي عاشوها تحت ظل الاحتلال الهولندي، وارتبط في أذهانهم التعليم الغربي بالأهداف التبشيرية الكنسية، لذا قابلوا السياسة التعليمية البريطانية بحذر شديد ورفضوا هذا النوع من التعليم، واكتفوا بمدارسهم الخاصة التي كانت ملحقة بالمساجد، وتقتصر على تعليم القرآن والمبادئ الدينية الأولية للإسلام. ورغم أن عزوف المسلمين في سيلان عن التعليم الغربي له مبرراته القوية، فإنه جعل المسلمين متخلفين من الناحية المادية إذا ما قيسوا بالفئات الأخرى التي استفادت من هذا النوع من التعليم، ولكن شيئًا واحدًا يجب أن يذكر هنا، وهو أنه عن طريق هذه المؤسسات التعليمية البريطانية، هجر كثير من أتباع الطوائف الأخرى دياناتهم واعتنقوا المسيحية ديانة الرجل الأبيض، ولكن لا نجد- بحمد الله- مسلمًا واحدًا ترك دينه، ومن هنا يمكن القول إنه رغم عزوف المسلمين عن التعليم الغربي الذي جلب عليهم خسارة مادية، فإن هذا العزوف يعتبر انتصارًا لهم؛ لأنهم لم يكونوا على استعداد أن يقايضوا قيمهم الروحية ومعتقداتهم بمكاسب مادية مهما كانت. ولكن بعد فترة، بدأ المسلمون يتلمسون طريقًا لإيجاد وسيلة يستطيعون بها تلقي قسط من التعليم الحديث والاستفادة من خيراته المادية، من غير أن يضحوا بقيمهم الروحية أو أن يتخلوا عن معتقداتهم الإسلامية؛ إذ برز في هذه الظروف التاريخية أحد قادة المسلمين في سيلان ممن اتصفوا ببعد النظر، وهو «محمد قاسم سيدي لبي» الذي كان مصلحًا اجتماعيًا جم النشاط وداعية إسلاميًا واسع الأفق، وقد أنشأ هذا المصلح الاجتماعي صحيفة أسماها «صديق مسلم» قاد منها ومن خطبه العامة حملة؛ لتشجيع مسلمي سيلان على الأخذ بالتعليم الحديث، وفي نفس الوقت حثهم على الحفاظ على قيمهم الإسلامية، كما نشر العديد من المقالات عن أحوال المسلمين في العالم الإسلامي، مما جعل مسلمي سيلان على صلة وثيقة بإخوانهم المسلمين في الأقطار الأخرى، ويمكن أن تعتبر أعوام ما بين ۱۸۸۱- ۱۹۰۱ أعوامًا تجريبية في التعليم بين مسلمي سیلان، فقد جربت عدة طرق للملاءمة بين التعليم الغربي الحديث ليتناسب مع مسلمي سيلان وتقاليدهم. وفي هذه الأثناء، نفى البريطانيون أحمد عرابي باشا، زعيم الثورة المصرية ضد الفساد الخديوي، إلى جزيرة سيلان، وقد أقام هناك من عام ۱۸۸۳ إلى ۱۹۰۹ وقد تعاون عرابي باشا مع سيدي لبي في سبيل نشر التعليم في أوساط مسلمي سيلان، وقد أثمرت جهودهما المشتركة في تأسيس «المدرسة الزاهرة» في عام ۱۸۹۲ والتي تعتبر من أولى معاهد التعليم الإسلامي في سيلان، وتحت تأثير عرابي باشا حاول سيدي لبي نشر وتطوير دراسة اللغة العربية بين السيلانيين، وألف مرشدًا لدراسة اللغة العربية، باللغة التعليمية، كما ألف كتابًا في التصوف باللغة العربية أسماه «أسرار العالم». وقد شهدت هذه الفترة ازدهار أسلوب جديد للغة التاملية بين مسلمي جنوب الهند وسيلان، وذلك عن طريق كتابتها بالأحرف العربية، وقد كتبت معظم الكتب الإسلامية في تلك الفترة باللغة التاملية المكتوبة بالحروف العربية، وتشبه هذه اللغة إلى حد كبير اللغة السواهيلية في شرق أفريقيا، ولكن لم يكتب لهذه اللغة أن تتطور وتزدهر كالسواهيلية وذلك يرجع إلى بعض الظروف التاريخية. وفي هذه الفترة أيضًا زارت سيلان جماعات كبيرة من علماء جنوب الهند، وقد ساعدوا من خلال وعظهم ودروسهم العامة على نشر الوعي والرغبة في التعليم بين مسلمي سيلان كما أكثروا في إلهاب حماس الجماهير المسلمة لدينها والحفاظ على الروح الإسلامية بينهم، ويمكن أن نذكر بصفة خاصة في هذا المجال العلامة مابلي ، الذي يعد من أكبر مفكري جنوب الهند في هذه الفترة، وقد زار هذا العالم سيلان وتجول في جميع أنحاءها متفقدًا المسلمين وأحوالهم العامة، ومرشدًا لهم، وقد كتب العلامة ما يلي عدة كتب بالعربية والعربية التاملية ، ولا يزال كتابه «فتح الديان» في الفقه الإسلامي من أكثر الكتب انتشارًا في سيلان، وقد ترجم هذا الكتاب من العربية إلى الإنجليزية، وقد استطاع فيه أن يقدم شرحًا ميسرًا لأصول الفقه الإسلامي في أسلوب شيق بعيد عن تعقيد المصطلحات، لهذا أصبح عظيم الفائدة للعامة كما استنار منه المتخصصون أيضًا. وقد شهدت هذه الفترة أيضًا انتشار الطرق الصوفية كالقادرية والشاذلية والرقاعية والنقشبندية ولا يمكن التقليل من الدور الذي قامت به هذه الطرق الصوفية في تعميق الشعور الديني بين العامة. وحتى هذه الفترة لم يكن أمام من يريد أن يتعمق في الدين الإسلامي ويتخصص في علومه، إلا الذهاب إلى المعاهد المتخصصة في هذه الدراسات في جنوب الهند أمثال «مدرسة الباقيات الصالحات» و «المدرسة الجمالية»، ولكن بوصول العلامة مابلي بذلت جهود كبيرة؛ لانتشار معاهد لهذه الدراسات بسيلان وفعلا أنشئت «مدرسة الباري» و «المدرسة الغفورية » و «مدرسة البهجة الإبراهيمية» التي تعتبر من أهم المعاهد الإسلامية في سيلان. ومع استقلال سيلان عام ١٩٤٨ أصبح المسلمون يلعبون دورًا هامًا في الحياة القومية، ورغم أن تعدادهم لا يتجاوز سبعة بالمائة من جملة السكان، فإنهم يشاركون بدور حيوي في الحياة السياسية للقطر، فقد خطوا خطوات واسعة في التعليم، ودخلت أعداد كبيرة منهم الجامعات ويشغلون الآن الكثير من الوظائف الإدارية بما فيها عضوية مجلس الوزراء، هذا وللمسلمين في سيلان محاكمهم القضائية الخاصة بهم في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، كما أن إذاعة سيلان تخصص ساعة كل يوم للبرامج الإسلامية ويعتبر عيد الفطر وعيد المولد النبوي عطلة قومية عامة. ورغم هذا فإن مسلمي سيلان يواجهون في فترة ما بعد الاستقلال، بعض المشاكل الهامة والتي تحتاج إلى حل عاجل وحاسم، ومن أهم هذه المشاكل هي كيفية حماية الشباب المسلم من الوقوع فريسة للفلسفات والمذاهب المادية، فالشباب المسلم في سيلان كما هو الحال في كل بقاع العالم الإسلامي، معرض لخطر المذاهب الحديثة المبنية على الفلسفات المادية والإلحادية، ولا شك في أن العلماء الذين هم نتاج المدارس الإسلامية السالفة الذكر، يؤدون خدمات جليلة للإسلام والمسلمين، ولكن نظرًا لطبيعة التعليم الذي تلقوه في هذه المدارس فإنهم لم يعودوا بالمستوى الفكري والعلمي الذي يمكنهم من تقديم الإسلام في صورة تتجاوب وتطلعات الشباب المسلم الذي افتتن بالتقدم العلمي في الغرب، وأعماه هذا التقدم المادي عن تبين حقيقة الفلسفة المادية الإلحادية التي تدفعه، ومن ثم وقعوا فريسة سهلة لهذه الفلسفات، ومن هنا كانت هناك حاجة ماسة إلى إيجاد جيل جديد من العلماء، لا يقتصرون على التبحر في العلوم الإسلامية، بل يكونون كذلك على علم أوسع بالفكر العالمي الحديث. والمشكلة الكبرى الثانية هي مشكلة اللغة، فإن مسلمي سيلان يتكلمون اللغة التاملية التي هي أيضًا لغة مسلمي جنوب الهند، وتوجد العديد من المؤلفات الإسلامية لعلماء سيلان وجنوب الهند بهذه اللغة، ولكن أصبحت الآن «اللغة السنكلية» وهي لغة الغالبية في سيلان، هي اللغة الرسمية للدولة، ومن هنا نجد أن كثيرًا من الشبان المسلمين هجروا اللغة التاملية وبدءوا يتعلمون اللغة السنكلية التي أصبحت لغة الحياة بالنسبة لهم، والمشكلة في الأمر أنه لا توجد مؤلفات إسلامية باللغة السنكلية، لهذا أصبحت الحاجة ماسة لتأليف كتب عن الإسلام باللغة السنكلية، وهذا بالطبع يحتاج إلى عمل جماعي منظم. هذا بالإضافة إلى أنه لا توجد مكتبة إسلامية مركزية يمكنها أن تسد حاجات الباحثين في الشئون الإسلامية، وهذا مما يعوق كثيرًا عن القيام بأية أبحاث جادة أو الإسهام في المشاكل التي يتعرض لها مسلمو سيلان، وللإسهام في حل هذه المشاكل العاجلة التي يعيشها مسلمو سیلان، قام أحد المسلمين الخيرين ويسمى «حاجي نالوم» بتقديم مساعدة مالية ضخمة؛ لإنشاء مؤسسة تعليمية أسميت الجامعة «النالومية» وجعلت من أهم أهدافها: ۱- تخريج علماء يلبون الحاجات السالفة الذكر. ۲- نشر مؤلفات إسلامية باللغة السنكلية. «1» ٣- إنشاء مكتبة إسلامية معدة إعدادًا جيدًا، بحيث تلبي حاجة الباحثين في الشئون الإسلامية. وقد اتخذت هذه الخطوة المباركة؛ لإنشاء مثل هذه المؤسسة، في الوقت المناسب، فقد كان مثل هذه المؤسسة أملًا من آمال المسلمين في سيلان لفترة طويلة، وهم الآن أكثر حاجة إليه لمواجهة التحديات الحاضرة، ونأمل أن يسهم خريجوها في تقديم الإسلام في صورة حية تتلاءم مع أوضاع مسلمي سيلان، ويستطيعون إيقاف تيار الفلسفات المادية وتأثيرها على الشباب المسلم، ومما يبشر بخير كثير- إن شاء الله-، أن الطلاب الذين اختيروا لهذه المؤسسة، سوف يحصلون على معرفة عميقة واسعة في العلوم الإسلامية والفكر الغربي الحديث وستكون بالإضافة إلى ذلك تدريبات عملية أثناء دراساتهم، وتربية روحية أثناء إقامتهم في المساكن التابعة للجامعة، حتى يتخرجوا علماء عاملين عالمين يحملون الإسلام فكرًا وعقيدة ويطبقونه على أنفسهم قبل غيرهم تربية وسلوكًا، ورغم وجود هذه المؤسسة فإن مثل هذه الأعمال تحتاج إلى عون ومساعدة المنظمات الإسلامية العالمية «٢» وبعد، فإن هذا الاستعراض العاجل لتاريخ الإسلام في سيلان، من أوائل الهجرات العربية إلى قيام الجامعة النالومية، يشير إلى حقيقة هامة وهي أن مسلمي سيلان استطاعوا خلال هذه الحقبة التاريخية الحفاظ على شخصيتهم الإسلامية كأقلية، ظلت.. ولا زالت تشق طريقها وسط الكثير من الصعاب والعقبات، والروح الاسلامية وحدها هي التي استطاعت حمايتهم في الماضي ، وهي وحدها تستطيع حمايتهم في المستقبل أيضًا ضد جميع القوى المعادية للإسلام. «۱» مما يجدر الإشارة له، أنه يجري الآن ترجمة كاملة للقرآن الكريم إلى اللغة السنكلية. «٢» أحب أن أشير هنا إلى أنه من حين لآخر تقدم منح دراسية لطلاب سيلان من بعض الأقطار العربية للدراسة بجامعاتها الإسلامية، وقد تلقى عدد من الطلاب دراستهم في الأزهر وجامعة المدينة المنورة، وقد استفادوا من هذه الدراسات فائدة عظيمة، انعكست في مساهمة قيمة في دفع الحياة الروحية لمسلمي سیلان، كما أنه يوجد فرع لمؤتمر العالم الإسلامي بسيلان، وآخر لرابطة العالم الإسلامي وقد أسهم هذين المكتبة، ولا زالا.. يساهمان في تنشيط الحركة الثقافية بين المسلمين..
الرابط المختصر :