العنوان الأيادي الصهيونية.. هل زينت هذه الدعوة المشبوهة؟
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1665
نشر في الصفحة 20
السبت 20-أغسطس-2005
مسعود برزاني يطلق شرارة المشروع الاستعماري لتقسيم العراق
• تاريخ الأكراد يرد على محاولة سلخهم من هويتهم الإسلامية
الشعبي الكردي بعلمائه تصدى للطورانية التي كانت تهدف إلى التتريك وأبعاد الدين عن السياسة وفجر الثورات والانتفاضات في مواجهة محاولات نزع الهوية
• يبدو أن الرجل نسي أنه ابن مصطفى البرزاني أحد كبار العلماء المسلمين الأكراد
أحدثت تصريحات رئيس حزب العمال الكردستاني مسعود برزاني أزمة صعبت من مهمة إنجاز الدستور العراقي الجديد، حين أعلن أمام البرلمان الكردستاني -بلا حياء- رفضه للهوية الإسلامية للعراق، أو اعتبار كردستان العراق جزءًا من الأمة العربية.
لقد أثارت هذه التصريحات تساؤلات في الشارعين الإسلامي والعربي، وكان التساؤل الأكثر إلحاحًا هو: ماذا يريد الأكراد؟!
وإذا نظرنا إلى تصريحات مسعود برزاني بعيدًا عن السياق التاريخي للقضية الكردية، فإننا سنصل إلى نتائج غير متطابقة، ولا تجسد واقع حال الشعب الكردي والقضية الكردية في العراق.
نظرة تاريخية
ولكن بنظرة خاطفة على الملف التاريخي للأكراد مع الإسلام، نجد أنه بدأ دخول الإسلام إلى بلاد الأكراد -الترجمة الحرفية لعبارة كردستان- في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث دخلوا في دين الله أفواجًا بعد أن فتحت بلادهم، وكما هو معلوم فإن الفتوحات الإسلامية لم تكن استعمارية احتلالية كما هو معروف في الحروب الحديثة.
وحين دخل الأكراد الإسلام بقيت إماراتهم وممالكهم على حالها منذ عهد الخلافة العمرية وإلى عهد الخلافة الإسلامية العثمانية، دون أن ينقل لنا التاريخ على امتداد عدة قرون حصول أي مشكلة أو اندلاع أي ثورة ضد نظام الخلافة الفيدرالي من قبل الكرد أو غيرهم.
لكن المشكلة القومية بدأت تظهر في النظام الفيدرالي الإسلامي في أعقاب تردي وضع الخلافة العثمانية ووصولها إلى حافة الهاوية، متجسدًا ذلك في سيطرة الاتحاديين «حزب مصطفى كمال» على مقدرات الدولة، فقبيل قيامهم بالثورة على السلطان عبد الحميد عام ۱۹۰۸م عمل الاتحاديون على نشر «الطورانية» وصهر القوميات التي تشكل الاتحاد الفيدرالي الإسلامي في القومية التركية، وإذا كانت القومية أمرًا إلهيًا فإن الدفاع عنها يصبح فطرة لدى الإنسان، ومن هنا بدأت الدعوات القومية تظهر في الوسط العربي والفارسي، وليس الأكراد بمنأى عن هذا الأمر.
شعب متدين
ونظرًا لكون الشعب الكردي شعبًا متدينًا بالفطرة، فقد كان لعلماء الدين منزلة كبيرة داخل البنية والتركيبة الاجتماعية للشعب الكردي، ويعتبر الشيخ عبد السلام البرزاني من القادة الأكراد الذين لعبوا دورًا مهمًا في الساحة السياسية الكردستانية في مطلع القرن العشرين، وقد ساهم الزعماء الدينيون في نشر الوعي داخل صفوف الشعب الكردي، من خلال التصدي للطورانية التي كانت تهدف إلى التتريك وإلى إبعاد الدين عن السياسة، فكان نشر وتعليم الكردية هو الرد على التتريك، والثورات والانتفاضات في مواجهة محاولة نزع الهوية الإسلامية، وتجسد ذلك في المؤتمر الذي عقده شيوخ وزعماء الأكراد بقيادة الشيخ «محمد نور القادري» عام ١٩٠٧م في مدينة دهوك، حيث طالبوا الحكومة العثمانية بتطبيق الأحكام في مناطقهم وفق الشريعة الإسلامية، وعلى مذهب الإمام الشافعي، مع جعل التعليم باللغة الكردية، وتعيين الإداريين والموظفين من الأكراد أو ممن يحسنون اللغة الكردية.
ونجد أن الدعوة القومية جاءت كرد فعل على سياسة التتريك التي انتهجت في تلك الحقبة على يد علمانيين متطرفين، فيما جاء الوعي القومي الكردي على يد علماء ومشايخ الإسلام الذين ربطوا بين الوعي القومي والهوية الإسلامية.
محاربة الاستعمار
بعد سقوط الخلافة الإسلامية وتوزيع تركتها بين الدول الاستعمارية، لعب الأكراد دورًا مهمًا ومحوريًا في مواجهة الاستعمار البريطاني؛ ومن أبرز القادة في هذا الميدان الشيخ محمود الحفيد، حيث ساهم هذا الدور فيما بعد ليكون أحد الأسباب التي ساهمت في منع قيام دولة كردية في بلاد الأكراد «کردستان» كما حصل في بلاد فارس وفي تركيا وبلاد العرب.
اندلعت الثورات والانتفاضات ضد الاحتلال البريطاني في العراق، فعقد المحتلون مؤتمرًا في القاهرة في مارس من عام ١٩٢١م لتقرير مصير العراق، حيث قرر البريطانيون تسليم السلطة للعراقيين من خلال تعيين «فيصل بن الحسين» ملكًا على العراق، وجعل النظام فيه ملكيًا برلمانيًا، وعقد الملك معاهدة مع البريطانيين لتحل محل الانتداب، وفي هذا المؤتمر تقرر مصير بلاد الأكراد «كردستان»، حيث كانت هناك وجهتا نظر داخل المؤتمر الأولى لوزير المستعمرات البريطاني تشرشل تدعو إلى إقامة دولة كردية مستقلة للأكراد على أرضهم أسوة بالقوميات الأخرى، والرأي الثاني ل برسي كوكس المندوب السامي البريطاني: رفض فيها تأسيس كيان مستقل للأكراد، على اعتبار أن ذلك يؤثر على المصالح البريطانية في المنطقة، وقد فوض المؤتمر المندوب السامي حل المسألة، حيث بادر إلى ضم كردستان إلى الدولة العراقية حديثة الولادة.
صراع البقاء
حين تشكلت الدولة التركية على يد مصطفى كمال كبديل عن الخلافة العثمانية جاءت دولة علمانية طورانية تدعو إلى إعلاء الجنس التركي على ما سواه من القوميات الأخرى، وبالتوازي جاء تشكيل الدول القومية کرد فعل مساوٍ وموازٍ لما نشأ في مركز الدولة الوريثة، ومن هنا بدأ الصراع الحقيقي للشعب الكردي مع الدول القومية التي رأت صهرهم في أثنيتها القومية، من خلال نزع القومية الكردية عنهم، ففي تركيا هم أتراك الجبل، وفي إيران والعراق نفس الأمر، فالصراع يأخذ منحى صراع البقاء أو الفناء، وتجارب التاريخ تحدثنا أن ما من أمة ولا ملة ولا عقيدة على وجه البسيطة استؤصلت قط بقتل أبنائها.
لقد أصبحت بحيرة النفط التي تم اكتشافها في كركوك النقمة التي حلت بالشعب الكردي، حيث دفع ثمنًا باهظًا للنفط المكتشف على أرضه، فعملت الحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ عهد الاحتلال البريطاني على إخضاع الأكراد بأعنف الوسائل.
وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة كان خاتمة الكوارث التي حلت بهذا الشعب، وقفز صدام حسين على السلطة عام ١٩٧٩م، فالدكتاتور الذي لم تمنعه العروبة ولا الإسلام من انتهاك حرمة بلد عربي ومسلم مثل الكويت لم يردعه شيء عن البطش بالشعب الكردي، على النحو المعروف لدى العالم بأسره، وخصوصًا أن رياح الظروف الدولية بما فيها المصالح الأمريكية كانت مع هذا النظام الباطش.
وتأسيسًا على هذه الرؤية التاريخية يمكن أن نعلل السبب الكامن وراء الحركة التحررية الكردية، التي عملت منذ عقود طويلة على تبني مطالب محددة للشعب الكردي سقفها الأعلى الاستقلال، وسقفها الأدنى في الوقت الحاضر هو العمل على تحقيق هوية كردية مستقلة للشعب الكردي، وإن كان في إطار عراق موحد بشرط أن يكون فيدراليًا، فالأمة الكردية هي أمة مستقلة لها تاريخها وكيانها وحضارتها، لكن ما يلتبس علينا فهمه اليوم هو سبب الاعتراض على الهوية الإسلامية!؟
فالشعب الكردي عريق في انتمائه الإسلامي والتاريخ شاهد على ذلك، حتى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود برزاني لديه منطلقات ذات أصول دينية في مطالبه القومية، يكفي أن نقول: إن والده الذي ورث عنه مكانته القيادية في الوسط الكردي كان أحد علماء المسلمين الأكراد، وهو الشيخ مصطفى البرزاني، لذا فإن التغير الذي طرأ على موقف مسعود برزاني يؤكد التكهنات التي قيلت عنه وقيامه بدور العميل للقوات الأمريكية، ولكن يجب عليه أن يتذكر جيدًا أن الأيادي الصهيونية التي تعاون معها هي التي زينت له الوقوع في هذا الخطأ الفادح، وهو محاولة سلخ الأكراد عن هويتهم الإسلامية.