العنوان الأهلية الشرعية للقيادة
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003
مشاهدات 68
نشر في العدد 1537
نشر في الصفحة 44
السبت 01-فبراير-2003
المهمات الملقاة على عاتق القيادة الإسلامية ثقيلة، مما يجعل مسؤوليتها -أمام الله أولًا، ثم أمام المسلمين- كبيرة.
ولقد تناول علماء السلف هذا الجانب بوضوح ودقة وإسهاب، وأفردوا له البحوث المؤصلة والدراسات المطولة لما له من شأن عظيم وأثر بالغ على واقع حياة المسلمين ومستقبلهم، على تقدمهم وتأخرهم، قوتهم وضعفهم، نجاحهم وفشلهم، صلاح حالهم أو فساده، مصداقًا لقوله ﷺ: «صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء».
فمما يختصره -في هذا الشأن- الإمام أبو يعلى الحنبلي في كتابه «الأحكام السلطانية» أمور عشرة يستوجب توافرها في القادة لتتحقق فيهم الأهلية الشرعية، وهي:
حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإذا زاغ ذو شبهة عن ذلك، بين له القائد الحجة، وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من الخلل والأمة ممنوعة من الزلل، ومن هذا يتبين لنا أن المهمة الأولى والأساسية للقيادة الإسلامية حفظ الدين، لأنه إن ضاع الدين ضاع كل شيء، ولا قيمة بعد ذلك لشيء.
وفي ضوء ذلك يتعين على القادة المسلمين والإسلاميين أن يقدموا هذا الهم على أي هم آخر من الشؤون التنظيمية والإدارية والسياسية وغيرها، وماذا تجدي هذه المفردات والفروع إن ضاع الأساس وفُقد الجوهر؟
تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم، حتى تظهر النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.
وجوهر هذا البند أنه يحفظ وحدة الجماعة المسلمة، ويزيل من الصف العداوة والبغضاء، ويجعل الأفراد إخوة متحابين لا أعداء متنازعين.
والإسلام يجعل القيادة المسؤولة عن تحقيق ذلك عبر التربية والتزكية، والنصح والتذكير والموقف العادل بين الجميع، ومن خلال إنفاذ سنة الثواب والعقاب، فلا انحياز ولا ممالأة، إذ الصغير والكبير، والقريب والبعيد، أمام شرع الله سواء.
حماية بيضة الإسلام، والذب عن الحمى، لينصرف الناس إلى أعمالهم ومعايشهم، وينتشروا في الأرض آمنين، ويستفاد من هذا البند أن أمن المسلمين -أفرادًا وجماعات ومؤسسات-مسؤولية القيادة أولًا، مع العلم أن كل راع مسؤول عن رعيته وكل فرد يجب أن يكون خفيرًا وحارسًا على ثغر من ثغور الإسلام.
فإذا أهملت القيادة هذا الجانب، ولم تأخذ بالأسباب الموجبة والمؤدية إلى تحصين صف الجماعة تكون أئمة بحسب نسبة الضرر الذي سيلحق بالجماعة، نتيجة إضاعتها للثغور وتفريطها بسلامة المسلمين.
إقامة الحدود، لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك، إن هذا يعني لا تساهل في الانتهاكات الشرعية مع أحد كائنًا من كان، وأن القصاص يجب أن يطال من تثبت إدانته وتقام عليه الحجة ولو كان الأقوى وصاحب الجاه والمال، أو الأقرب إلى صاحب الشأن والقرار والقدوة في ذلك رسول الله ﷺ الذي قال: «والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».
تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الرادعة، حتى لا يظفر الأعداء بثغرة ينتهكون بها محرمًا، ويسفكون فيها دمًا لمسلم. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على وجوب الإعداد والاستعداد، وتحاشي الأسباب التي تؤدي إلى الضعف والتخاذل والفشل والهزيمة. والإعداد يبدأ بقوة العقيدة، ووحدة الصف وحسن القدوة، والثبات على الحق، والطاعة بالمعروف، والتضحية في سبيل الله بكل غالٍ ونفيس.
جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة، حتى يحكم الله وهو أحكم الحاكمين، وفي هذا البند إحياءً لفريضة الجهاد، وتربية المسلمين عليها، فإن ماتت هذه المعاني في جماعة أو أمة سلط الله عليها بذنوبها وركونها الى الأرض من لا يخاف الله ولا يرحمها، على مثل ما هو جار في هذا الزمن.
وقد يحلو للبعض أن يجلبب هذه المواقف الخانعة والسياسات المتراجعة بجلباب الوسطية، ومفهوم الوسطية الحق من كل ذلك براء، حيث لم تكن الوسطية في شرع الله يومًا، قبولًا بالذل والاستخذاء والدنية في الدين.
جباية الأموال على ما أوجب الشرع نصًّا واجتهادًا، من غير عسف فمن معالم العافية في الجماعة المسلمة إقبالها على البذل والعطاء واستعداد أفرادها لبذل أموالهم وثرواتهم في سبيل الله، فإن تراجعت هذه المعالم، وغابت هذه الصفات، تعين استكشاف العلة المانعة من الجهاد بالمال والمسارعة إلى معالجتها قبل أن تستفحل ويصعب البرء منها والشفاء.
تقدير العطاء، وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير. وهذا يؤكد ضمانة حقوق الإنسان وحمايتها، ويحول دون الهدر ويوجب التقيد بأولويات الصرف وشفافية التعامل المالي.
استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويعهد إليهم من الأموال، لتكون الأعمال مضبوطة والأموال محفوظة وبالروعة هذا التوجه، الذي يؤكد وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، واختيار الإنسان الصالح للموقع الصالح، فلا محسوبية ولا ترخص من شأنه أن يفتح باب الشيطان على ضياع الحق، أو يؤدي إلى استلاب الأموال وانتهاب الثروات وعقد الصفقات الخاصة على حساب الأموال العامة. ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن معظم ما يتعرض له المسلمون، أفرادًا وجماعات وحكومات، فبسبب غياب العفة المالية وغياب الشفافية الاقتصادية.
أن يباشر القائد بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة والجماعة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا أو عبادة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ (ص: 26).
فالمطلوب من القائد أن يباشر القيادة ومسؤولياتها المختلفة بنفسه، وأن يكون ساهرًا على الجماعة والرعية، وأن يتقى الله في كل ذلك، فلا يلجأ إلى التفويض إلا مضطرًّا، ويختار له من يثق بدينه وخلقه ورأيه، ثم هو لا يضعف أمام الأقوياء الظالمين من بطانته فيمكنهم من ظلم الآخرين بسلطانه وسلطته، فتتعدد بذلك مراكز القوى والنفوذ وتتكاثر قيادات الظل، فتستحكم الصراعات والخلافات فيكون هو الأعظم وزرًا عند الله منهم جميعًا، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظه أم ضيعه».