; الأنظمة التي نبذت منهج الإسلام واستبدلت به منهج الجاهلية | مجلة المجتمع

العنوان الأنظمة التي نبذت منهج الإسلام واستبدلت به منهج الجاهلية

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

مشاهدات 78

نشر في العدد 423

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

على من تقع المسئولية؟!

•على علماء الدين الذين شغلوا أنفسهم بدنياهم ودنيا الناس

•على الشعوب المسلمة التي استرخت للباطل واستسلمت للمذلة والمسكنة

الملك السابق الذي أنفق أكثر من مليون جنيه إسترليني على حفل زفاف نجله في هيلتون أثينا وكانت ضيفة الشرف الممثلة الإيطالية العالمية صوفيا لورين

الأمير العربي الذي أسهم بعشرات الألوف من الجنيهات في إحياء تراث أم كلثوم وعبد الحليم حافظ بينما مات عمر بن الخطاب مدينًا ببضعة دنانير لبيت مال المسلمين.

أجل: المحكم في الإسلام تكليف لا تشريف، والحاكم واحد من عامة الناس إلا إنه أثقلهم حملًا ومسئوليات وتبعات، ومن منطلق هذه القاعدة، تخشى الأنظمة الحاكمة في سائر بلاد المسلمين أن يكون منهج الإسلام هو أساس الحكم.. وتؤثر أن تتشبث بحكم الجاهلية وتعض عليه بنواجذها.. لأن حكم الجاهلية يهيئ للحاكم أن يكون نصف إله فهو فوق القانون.. وفوق الدستور.. ثم فوق المسئولية وفوق الخطأ وفوق أي اعتبار.. وهكذا كان الأباطرة والأكاسرة.. 

  • كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه- أول رئيس للدولة المسلمة الناشئة وبالرغم من صلته بالوحي.. إلا أن الحكم قام على الشورى والحوار المفتوح، والعدل والمساواة.. مبادئ عليا للتطبيق وليست للاستهلاك.. وكانت حياته- صلوات الله وسلامه عليه- قمة في البساطة والعزوف عن أبهة الحكم، وصلف السلطان، وعقدة السلطة، كان دعاؤه كما في صحيح مسلم: «اللهم أجعل رزق آل محمد قوتًا» وفي صحيح مسلم أيضًا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم- وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين».

***

وجاء بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- فقال في أول خطبة له: «أيها الناس: إني قد وليت عليكم. ولست بخيركم. فإن رأيتموني على شر فسددوني.. أطيعوني ما أطعت الله فيكم.. فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».

إذن فلا امتياز للحاكم.. ومرة أخرى يؤكد هذا المعنى- رضي الله عنه- في خطبة له: أيها الناس: «إني وليت هذا الأمر وأنا له کاره.. والله لوددت لو أن بعضكم كفافيه.. وإنما أنا مثلكم.. إنما أنا متبع ولست بمبتدع، ولست بخير  من أحدكم.. فراعوني.. فإن رأيتموني استقمت فتابعوني.. وإن رأيتموني زغت فقوموني»..

***

وجاء عمر رضي الله عنه- فسار على منهج الإسلام في الحكم.. لا استبداد ولا عجرفة ولا امتياز.. يقول له واحد من عامة المسلمين: اتق الله يا عمر.. فيعترض البعض عليه: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟! ويبتسم عمر ويقول: «لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها» ويدفع خازن بيت مال المسلمين درهما إلى ولد صغير لعمر، فيستدعيه عمر ويؤنبه: ويحك.. أوجدت علي في نفسك شيئًا؟ أردت أن تخاصمني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- في هذا الدرهم يوم القيامة؟؟ ويذكر ابن مسعد في طبقاته: أن عمر لمح صبية استوعبها الهزال فسأل عنها فقال له ابنه عبد الله: أما تعرفها يا أمير المؤمنين؟ هذه إحدى بناتك.. هذه فلانة بنت عبد الله ابن عمر.. قال عمر: ويحك وما صيرها إلى ما أرى؟ قال عبد الله: منعك ما عندك.. قال عمر: «ومنعي ما عندي منعك أن تطلب لبناتك ما يطلب القوم لبناتهم؟ إنك والله ما لك عندي غير سهمك في المسلمين.. وسعك أو أعجزك.. هذا كتاب الله بيني وبينك..!» ويقول علي كرم الله وجهه: رأيت عمر على .... يعدو، فقلت: یا أمير المؤمنين إلى أين؟ فقال: بعير ند- أي هرب- من إبل الصدقة أطلبه.. فقلت: لقد أتعبت من بعدك.. فقال عمر: فوالذي بعث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالنبوة، لو أن عناقًا- أي عنزًا- ذهبت إلى شاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة!

ومع إخلاص عمر لله وللإسلام، وللعدل الذي جعله أساس حكمه، ومع الزهد الأمثل في أموال المسلمين.. تعالوا بنا إلى ما يقوله عثمان رضى الله عنه: أنا آخركم عهدًا بعمر.. دخلت عليه- أي في لحظات الموت- ورأسه في حجر ابنه عبد الله، فقال له: ضع رأسي على الأرض.. قال عبد الله: فهل فخذي والأرض إلا سواء، قال: ضع خدي بالأرض لا أم لك.. ثم.. شبك بين رجليه، فسمعته يقول: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي..!

***

 وهذا علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- يقول وقد تولى إمارة المؤمنين: 

أأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين.. ثم لا أشارك المؤمنين في مكاره الزمان؟ والله لو شئت لكان لي من صفو هذا العسل ولباب هذا البر.. ومناعم هذه الثياب ولكن.. هيهات أن يغلبني الهوى.. فأبيت مبطانًا، وحولي بطون غرثى و أكباد حرى» ولقد هجر- رضي الله عنه قصر الخلافة في الكوفة، وأوى إلى كوخ من طين، وكان كرم الله وجهه يلبس ثوبًا متواضعًا، ويقول «هذا الثوب يصرف عني الزهو، ويساعدني على الخشوع في صلاتي، وهو قدوة صالحة للناس كي لا يسرفوا ويتبذخوا» وينصرف كرم الله وجهه عن الدنيا، ويعرض سيفًا من سيوفه للبيع في سوق الكوفة.. ويقول:

من يشتري بسيفي هذا؟ فوالله لو كان معي ثمن آزار ما بعته..».

ورحم الله الخليفة الخامس الراشد عمر ابن عبد العزيز الذي عزف عن مظاهر الحكم الأموي، وضرب مثلًا في الورع والزهد في أموال المسلمين.. وحينما بلغه أن أحد أبنائه يلبس خاتمًا ثمنه ألف درهم- عشرون جنيهًا مصريًا وقتذاك كتب إليه: «يا بني- بلغني أنك تلبس خاتمًا ثمنه ألف درهم، وأمرك أن تبيعه وتطعم بثمنه ألف فقير، وتلتمس لنفسك خاتمًا من حديد، وأكتب عليه رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه..!

***

ولكن ماذا حدث حتى اختفى تمامًا منهج الإسلام في الحكم، وحل محله حكم الجاهلية في سائر ديار الإسلام؟ بالطبع، لا يعتبر الإسلام مسئولًا عما حدث فهو قد قعد القواعد، وأرسى المبادئ.. وقد ترك الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- الأمة الإسلامية على الحجة البيضاء، وأوصاها بأمرين لن تضل أبدًا ما أن تمسكت بهما: «كتاب الله وسنة رسوله» وإنما تقع المسئولية:

أولا: على عاتق الأنظمة التي نبذت منهج الإسلام واستبدلت به منهج الجاهلية، إشباعًا لأطماعها، واستغراقًا في شهواتها.

وثانيًا: مسئولية علماء الدين.. أولئك الذين شغلوا أنفسهم بدنياهم ودنيا الناس.. فلم يواجهوا باطلًا ، ولم يساندوا حقًا.. بل ما أكثر ما ساندوا الباطل وخذلوا الحق. 

وثالثًا: مسئولية الشعوب المسلمة التي استرخت للباطل، واستسلمت للمذلة والمسكنة، واشتغلت بحياتها عن الإسلام..

ولقد استقرت الأمور على أن تعتنق الأنظمة الحاكمة مذهب الجاهلية، وتدافع عنه بكل ما أوتيت من جهد وقوة، وتتصدى للإسلام كلما فكر دعاة الإسلام أن يستردوا له اعتباره.. فحين يرد للإسلام اعتباره سترحل أنظمة الحكم الجاهلي إلى غير رجعة..

وإذا تساءلنا: لماذا تصر الأنظمة على التشبث بالحكم الجاهلي؟ فلنا أن نستعرض 

أولًا: كيف تحيا هذه الأنظمة حياة تتواضع لها حياة الأباطرة والأكاسرة، إن ملكًا سابقًا أنفق أكثر من مليون جنيه إسترليني على حفل زفاف ابنه في «هيلتون» آثينا، وكانت ضيفة الشرف الممثلة العالمية المشهورة: «صوفيا لورين» وأن أميرًا عربيًا مسلمًا أسهم بعشرات الألوف من الجنيهات في إحياء تراث أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ.. بينما مات عمر رضى الله عنه مدينًا لبيت مال المسلمين ببضعة دنانير، فأوصي ابنه وهو يعالج سكرات الموت بأن يبيع داره ويسدد دين بيت المال حتى لا يقلق في قبره. 

***

وبينما وضع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مبدءًا منافيًا: «نحن معاشر الأنبياء.. لا نورث.. ما تركناه صدقة..».

نجد مخصصات الأسر الحاكمة بلغت من النهب والإسراف حدًا يندى له الجبين، وما أكثر ما في الجعبة.. والفرق بين منهج الإسلام ومنهج الجاهلية.. أن أدنى الناس في ظل الإسلام يستطيع أن يسأل الحاكم من أين لك هذا.. أما في ظل الجاهلية، فلا تستطيع الأمة بأسرها أن تتساءل فيما بينها فضلًا عن أن تسأل..!

 وحسبنا الله وحده..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل