العنوان الأندلس. وأحداثه الرمضانية (4) في ساحة معركة «وادي البرباط» العظيمة
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008
مشاهدات 57
نشر في العدد 1820
نشر في الصفحة 42
السبت 20-سبتمبر-2008
* اتساع ميدان المعركة وطول مدتها يدل على عنفها وصعوبتها، لكن طارق ابن زياد وجنوده حققوا فيها أروع انتصار.
*لقد تم فتح الأندلس بـ ٣٠ ألف جندي فقط فتحوا قارة كبيرة وعرة الجبال، عاتية المراقي، كثيرة المصاعب.
قدم المسلمون في هذه المعركة ثلاثة آلاف شهيد (۱) جاؤوا ينشدون الموت في سبيل الله، فهؤلاء بغير حاجة إلى حرق السفن، ولا حرق البخور، ولا حرق أو هدم الجسور، ولا خُطبة تعد بالمتع والملذات واقتناص الحسناوات ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران:140).
فالشهيد من شهد بأحقية الإسلام وآمن به وحماه بنفسه مجاهدًا من أجله حتى الموت، وليس معناه ما استقر عند البعض من المستشرقين والغربيين «والمستغربين» في معنى محدود ومكدود ومردود من السخف والتجني والتدنِّي.
كان ميدان المعركة متسعًا شمل مواقع متعددة من نهر وبحيرة وسهل، تقع ضمن كورة «محافظة» شذونة Sidonia وفيها مدينتها Medina Sidonia في سهل الفرنتيرة Frontera جنوب بحيرة الخندق Janda ونهر برباط Barbate المتصلة به واتساع ميدان المعركة، معركة وادي برباط أو وادي لکه Gudalete دليل على عنفها مثلما يدل عليه طول مدتها ذات الأيام الثمانية. ومن هنا ذكر المؤرخون عدة مواقع لموضعها، وكلها تقع في ميدانها، وهذا النهر «البرباط» الذي جرت حوله أعمال عسكرية لها، يصب أو يقع في المحيط الأطلسي عند الطرف الأغر Trafalgar شمال شرق مدينة الجزيرة الخضراء Algeciras وجزيرة طريف، إلا أن الجزيرة الخضراء وجبل طارق يقعان عند فم مضيق جبل طارق من جهة المتوسط في الشاطئ الإسباني أو الأوروبي، مثلما تقع مدينة سبتة Ceuta عليه من الجانب المغربي أو الإفريقي، بينما تقع جزيرة طريف عند فم المضيق من جهة الأطلسي في الجانب الإسباني، مثلما تقع مدينة طنجة Tanger المغربية عليه من الجانب المغربي أو الإفريقي وهذا السهل الفرنتيرة هو الذي جرت فيه المعركة وتقع ضمنه جميع الأماكن المذكورة لها، ونهر البرباط كان مركز الميدان الفسيح، ولعله فيه غرِق لذريق ملك القوط وربما بعد مقتله.
بعد المعركة
جرت بعد ذلك متابعة فلول جند «القوط» في الميدان وبعده، كما جرى ترتيب الأمور ونظر النتائج ومراجعة الأحوال، للانطلاق السريع الفوري في الفتح، وعدم إتاحة الفرصة ليتجمع العدو ويلم فلوله ويرُد وضم عدوله. وهذا جعل الجيش الإسلامي يتوجه إلى الشمال من أرض المعركة بثقله، بعد أن ترك حاميات في المناطق المفتوحة للضبط والربط والدعوة، وكان الجيش فاتحًا للنفوس، فهم دعاة بسلوكهم ولسانهم، ولهذا جاؤوا وبهذا دخل الناس في دين الله أفواجًا.
ولكن«طارق»، لم ينس خطورة هذا الحال، ففي نفس الوقت أرسل عدة سرايا شرقًا وغربًا، قاصدًا التوجه نحو العاصمة «طليطلة» Toledo ولم تكن تهمّه الغنائم كثيرًا، إذ لم يأت لأجلها، ولا تصح موضعًا للاتهام، ولا تستحق المناقشات الكثيرة لولا الرغبة في تشويه تاريخنا الإسلامي المجيد. ولذلك أهم ما حازوه العدد الحربية وأولها الخيول التي كانت قليلة لديهم، ولم يبق من الجند الإسلامي أحد إلا وله فرس يركبها ويحارب عليها في المرحلة القادمة.
فتح العاصمة طليطلة
اتجه «طارق» من «إستجَّة» إلى مدينة «جيان» Jaen يريد «طليطلة» Toledo عاصمة «القوط». وتقع على بعد نحو ٧٠ كم جنوب غرب مدريد Madrid التي لم يكن لها وجود، فهي العاصمة الأوروبية التي بناها المسلمون أواسط القرن الثالث الهجري «التاسع الميلادي» (۲) فافتتح «طليطلة» وعامل أهلها بالعدل والإنصاف والسماحة، وهو سلوك معروف معترف به حتى من الأعداء للفاتحين المسلمين، وهي صفة مميزة من صفاتهم الكثيرة الفريدة الواضحة.
وقبل أن يستقر «طارق» في «طليطلة» ذهب لتمشيط المناطق التي حولها، ولا سيما في الشمال -من الجيوب- ومن هنا جال بجيشه في منطقة وادي «نهر» الحجارة Guadalajara «نهر هنارس» Rio de Henares حاليًا، أحد فروع نهر «تاجه» Tajo حتى وصل إلى مدينة «المائدة» «قلعة عبد السلام، وهي اليوم Alcala de Henares» قرب «نهر وادي الرملة»، Guadarrama على نحو مائة كيلو متر شمال «طليطلة» التي عاد إليها ليستقر فيها بانتظار أوامر «موسى بن نصير» بعد أن كان على صلة مستمرة به، وإخباره بكل تفاصيل ما يتم، وطالبًا منه النجدة. وقد بقي «طارق» منتظرًا انقضاء فصل الشتاء ووصول «موسى» إليه بجيشه الثمانية عشر ألفًا، الذي تم في رمضان السنة التالية ٩٣هـ = ٧١٢م. لكن موسى لم يتوجه فورًا إلى «طارق»، بل قام بفتح ما لم يتم فتحه خوفًا من محاصرة القوط للمسلمين، وتم اللقاء بينهما بعد سنة من عبور «موسى»، أي بعد سنتين من عبور «طارق» إليها «٩٤هـ»، لينطلقا معًا إلى إتمام فتح شبه الجزيرة «الإيبيرية» حتى نهايته، والذي تم فعلًا في أواخر سنة ٩٦هـ وأوائل ٩٧هـ، أي أن فتحها استغرق نحو أربع سنوات. ولا بد أن «طارق» خلال إقامته في «طليطلة» التي قد تجاوزت السنة كان يقوم بالترتيب والتنظيم والدعوة إلى الإسلام عمليًّا، ورسم الخطط الجديدة، والتي أتمها وتدارسها وأكدها مع موسى بعد لقائهما هناك.
جيش الفتح المؤمن
لقد تم ذلك الفتح كله بجيش تعداده نحو ثلاثين ألفًا، مع من استشهد منهم أو بقي لمهمات الفتح المتنوعة في المدن المفتوحة ليفتحوا قارة كبيرة وعرة الجبال، عاتية المراقي، كثيرة المصاعب بأرضها المنحصرة وجبالها الشامخة، وأنهارها المنحدرة القاسية. وفي تلك الأجواء الباردة الصعبة، مما حمل بعض المؤرخين الإسبان من المعاصرين إلى القول بوصف هذا الفتح بأنه نزهة عسكرية، لكنه في الحقيقة، Mero Paseo Militar نزهة إيمانية بكل شدتها وصعوباتها ومتاعبها، ينطلق خفة وروعة وقوة نحو رضا الله تعالى، مما جعلهم ينظرونها كذلك فيقولون قولتهم تلك وهم على هذا المعنى الإلهي الكريم الحكيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
وهذه الأيام بالذات هي التي جرت فيها معركة «وادي البرباط» قبل ألف وثلاثمائة وخمس وثلاثين سنة هجرية.
الخلاصة: بقيت هناك أحداث كثيرة تستحق التدوين وهي لا تنحصر في المعارك، بل شاملة لأمور كثيرة في الحياة العامة وفي كل ميادينها تخص الأفراد عمومًا، والأعلام منهم على وجه الخصوص، وفي جميع الميادين، خلال العصور الأندلسية كافة التي لم تتوقف عن تقديم المنجزات من كل نوع جعلت الحياة الإسلامية متميزة، وذلك بسبب بنائها على منهج الإسلام عقيدة وشريعة وتعاملًا خلقيًّا. وكلما كان المسلمون أكثر التزامًا كانوا أروع انتصارًا، وأعلى إنجازًا سابقًا لعصرهم نوعية ومقامًا وكمًّا، ولكن شرح ذلك يطول واستيعابه يتطلب عشرات الأحداث الماثلة الفارهة، والعديد من الملازم الفواحة، لعله يسع مجلة «المجتمع» الغراء أن توفر لها المساحات اللازمة على صفحاتها المتسعة لكل نافع وكريم جلي المعاني، فبارك الله في كل من يغنيها ويشارك في دفعها للأمام رقيًا في مهمتها، والدعوة للقائمين عليها عاملين وكتابًا وقراءً بالسداد والرشاد، وجمال الاستعداد، وحسن الاجتهاد، وغناء المداد.
وهكذا بعد هذا الاستعراض لأمور في التاريخ الإسلامي، وابتداء فتح الأندلس، رأيت حقائق التاريخ المغيبة التي حلت محل صفحاته البيضاء، أو غطتها بالحجاب وفيها قلب للحقائق إلى حد الأسطورة أحيانًا.
ينبغي كتابة تاريخنا بشكل جديد أصيل علمي، تعاد فيه الأحكام والنظر في أمور كثيرة، وإعادة تقرير مثله وتنوير قيمه، وهذا كثير ووفير في تاريخنا مما لا مثيل له ولا نظير فلا بد ليس من إعادة كتابته فقط، بل من كتابته كتابة جديدة على أسس علمية موضوعية صابرة، ونظر قوي عميق أصيل، وأسس متوائمة ومتلاحمة مع حقيقة هذا التاريخ الذي هو مفخرة الإنسانية كلها دومًا، تُسعد لمثله وترعى فيه ذمته، وتعيد به تحقيق مكرمته ومعجزته وقيمه في عالم الحياة الإنسانية، فاضلة كريمة رائعة والظروف مهيأة الآن والحاجة ماسة والضرورة لازمة كلها تدعو المسلمين -من أهل الطاقات والإمكانات والتخصصات- للاستجابة لذلك، بحب واهتمام وقوة، بذلًا وسعيًا واستعدادًا لهذا الأمر الجليل الخطير، والله الموفق للصواب وعليه التوكل والأمل، راجين قبول العمل.
الهوامش
(۱) نفح الطيب المقري ٢٥٩/١
(۲) التاريخ الأندلسي، ٣٠٥ - ٣٠٦.