; الأندلس.. نكهات رمضانية (1) | مجلة المجتمع

العنوان الأندلس.. نكهات رمضانية (1)

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2013

مشاهدات 169

نشر في العدد 2060

نشر في الصفحة 48

السبت 06-يوليو-2013

  • بعد تسليم غرناطة بدأت محاكم التفتيش ، تجمع الكتب قسرا من المسلمين لمدة سبع سنوات ثم احتفلت بحرقها في احتفال اعتبروه من أحفال الإيمان !
  • لماذا قبل الإمام المواق يد الوزير النصراني ؟ وماذا حدث بعد ذلك ؟
  • بشارة نبوية بفتح قبرص ومن بعدها الأندلس

ما أكثر الموضوعات الأندلسية التي تستحق الكتابة فيها، من تلك الأنواع التي لا تجد لها مادة علمية تعين الدارس على تقديم معلومات كيما تكون صورة فيها بعض الارتواء، بل الكثير منها لا تعرف عنها شيئا، باقية ضمن المجاهيل ذلك لأن ما ضاع من النتاج الأندلسي المتنوع أكثر بكثير مما بقي.

ولعله يمكن القول: إن الذي أنت عليه حرقاً نيران «محاكم التفتيش الإسبانية أكثر مما بقي أضعافا مضاعفة، بل الذي يبدو أن كثيرا مما بقي كان من تلك التي نقلت من الأندلس إلى بقية أنحاء العالم الإسلامي قبل ذهاب الأندلس، أتى الحريق على ثروة مكتبية علمية حضارية إنسانية متقدمة غنية بنتاجها في كافة الميادين، بما يقدر بمئات الآلاف من المخطوطات بأقل التقديرات، وما نقل منها قبل هذه الفاجعة إلى أوروبا، هي التي منها كانت بذور وبراعم ما تتمتع به حضارة اليوم من التقنيات والتنظيمات والمنهجيات العلمية والعمرانية والحياتية، إلى جانب مَنْ حَضَرَ منهم إلى الأندلس يومها طالبا للعلم.

تلك الأكداس من الكتب استمرت محاكم التفتيش تجمعها قسرا من المسلمين لمدة سبع سنوات من ٨٩٧ - ٩٠٤هـ /  ١٤٩٢- ١٤٩٩م، واحتفلت بحرقها في يوم حزين في ميدان «باب الرملة»Plaza de Bibrambla ، كل ذلك وغيره جرى رغم وجود المعاهدة الموقعة من الكنيسة والملك لكن ذلك كان لا يمثل لديهم شيئا، فأول ما فعلوه - جاري عادتهم وديدنهم - أن نقضوا المعاهدة بندا بندا (1)، جرى ذلك الحرق في احتفال سموه من أحفال الإيمان -Auto da-fe، كان ذلك الذي تناول البيان لتجفيف منابع الإيمان، ليأتي على الإنسان في أعمال «محاكم التفتيش» المتوحشة.

هكذا كانت نهاية غرناطة التي ابتدأت بعد الاستسلام والتسليم، ولا يجب الخلط بينهما ؛ فقد تم استسلام غرناطة بعد نحو شهر من المفاوضات، وتوقيع معاهدة الاستسلام في ۲۱ محرم ٨٩٧هـ / ٢٥ نوفمبر ١٤٩١م، فيما تم تسليمها في اليوم الثاني من ربيع الأول ۸۹۷ هـ / ٢ يناير ١٤٩٢م لينتهي الأمر بعدها بترك ملكها أبو عبد الله الصغير (٢).

لا بد من التفريق بين استسلام غرناطة وتوقيع المعاهدة ثم تسليمها ودخول الملكين الكاثوليكيين بجيوشهما وخروج آخر أمرائها عندها بدأت الأمور الأخرى وكان أولها نقض المعاهدة بندا بندا ، كان منها ما جرى ثم بدأت المواجهات، مرت الشهور والأعوام ثم القرون حتى تم القضاء على كل ما هو إسلامي.

رمضان الذي سجلت فيه أمجاد باهرة في الحياة الإسلامية والأندلسية سواء مرت أيامه هنا كئيبة، منها إجراءات محاكم التفتيش التي كانت تحكم بالموت حرقا على كل من يظهر أنه ما يزال مسلما .

حكاية الإمام المواق

من أوائل من وقع عليهم ذلك العلماء الأعلام ومنهم الإمام المواق؛ عالم غرناطة وإمامها ومن صلحائها ، أبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب يوسف المواق (٨٩٧هـ / ١٤٩٢م) إمام جامع غرناطة وفقيهها وخطيبها، ذلك أنه لما استولى النصارى على غرناطة - دمرهم الله - وجدوه بها وهو حي فسألوا عمن هو المقدم بها في العلم فأشير بالمواق فأمروا بإحضاره عندهم، فامتنع فكلمه الناس فحضر عند وزير الطاغية فبسط الوزير له يده فقبلها المواق يرحمه الله، فلما خرج من عنده أنكره الناس فلم تلبث يد الوزير الكافر المقبلة أن تورّمت وتوجع منها فأمر برد المواق إليه وطلب منه الدعاء (3).

لكن الأمر لم ينته عند ذلك، بل عرضوا عليه التنصر وله أكياس الذهب، وإلا فالموت فماذا يختار؟ قال: الموت فأخذوه وضربوه ضرباً مبرحاً حتى أدموه، وخيروه بين الأمرين، فأجاب نفس الجواب، ثم أطلقوه لعله يراجع نفسه، تم ذلك في مسجده الجامع الذي حول في الحال إلى الكنيسة الكبرى Cathedral، أتوا بالشيخ المواق بعد مدة، فلم يتزحزح وانتهى الأمر بقتله ربما بين شعبان ورمضان من نفس العام.

قد يلاحظ الدارس للتاريخ الأندلسي وحياة مجتمعه عموما - إلى جانب قلة المعلومات - تركيزا في التشويه حال بقية التاريخ الإسلامي، لكن لا بد من الاجتهاد في تقديمه بما أمكن من توافر حقائقه من هنا نعود إلى استعراضه بكل الشمول الممكن للحياة الأندلسية للوقوف في استراحاته الرمضانية ما أمكن وتوافرت معلومات ابتداء من الفتح الإسلامي الأندلسي العظيم.

الإخبار النبوي بفتح الأندلس

لكن هناك بداية سابقة ذات نكهة ندية بنسائمها الإيمانية المعجزة، تلك هي الإخبار النبوي بوقوعه مبكراً، في الخبر الآتي فيما روته كتب الحديث الشريف: حدثنا عبدالله ابن يوسف عن مالك عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام (اخته من الرضاعة) بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام زوجة عبادة بن الصامت، وفي الحديث الشريف دخل عليها رسول الله ﷺ يوما فأطعمته، ثم جلست تقلي رأسه قالت: نام رسول الله ﷺ يوما قريبا مني، ثم استيقظ يبتسم، فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس مِنْ أمَّتِي عُرضُوا على غزاة في سبيل الله يركبون تبع هذا البحر الأخضر ملوكا على الأسرة». قالت: ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم نام ثانية، ثم استيقظ وهو يضحك قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أُمَّتِي عُرضُوا علي غزاة في سبيل الله». كما قال في الأولى، قال: فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم قال: «أنت من الأولين» خرجت أم حرام مع زوجها غازيا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، لما انصرفوا من غزوتهم قافلين نزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت (4) .

ربما كان ذلك حين العودة من الجزيرة قبل الخروج منها، هذه الغزوة البحرية التي حضرتها أم حرام كانت فتح جزيرة قبرص سنة (٢٨هـ / ٦٤٨م) في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت تلك أول غزوة بحرية يقوم بها المسلمون.

يبدو أن هذا الفتح كان صلحاً وليس عنوة. أو انتهى كذلك، يُذكر أن قبر أم حرام في تلك الجزيرة يسمونه قبر المرأة الصالحة، يزوره الفرنج.

هذا الحديث الشريف احتوى معجزتين الأولى تحققت في هذا الفتح، حتى لكأن الله تعالى أبقى أم حرام فقط لتحقق معجزة الرسول الكريم ، فمن تكون المجموعة الثانية؟ ومتى تحققت بشارتها ؟

الهوامش:

(۱) نفح الطيب، ٥٢٧/٤ ، أزهار الرياض ٦٩/١ وبعدها .

 (۲) حكايات أندلسية (x) ۲۷-۳۳  هجرة علماء الأندلس (×)، ۱۹۲ - ۱۹۳ ۲۱۷

(۳) نيل الابتهاج، ص ۳۲۲ هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة، ظروفها وآثارها (x) ۹۲ - ۱۱۹، ۱۵۵، ۱۳، ۲۰۳ ٢٠٤، ٢٢٠ ، ٠٢٦٢

(٤) البخاري، كتاب الجهاد والسير باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء أرقام : ۲۷۸۸ - ۲۷۸۹ ، ۲۷۹۹، ۲۸۷۷ ، ۲۸۹۴ ۱۲۸۲، ۷۰۰۱، كذلك: ۲۸۰۰، ۲۸۷۸، ۲۸۹۵ ۲۹٢٤ ، ۱۲۸۳ ، ۷۰۰۲، مسلم، كتاب الإمارة باب فضل الغزو في البحر، رقم: ٤٩٣٤ أبو داود، كتاب الجهاد باب فضل الغزو في البحر، رقم: ٢٤٩٠، الترمذي رقم: ١٦٤٥ النسائي، رقم: ۳۱۷۳ و ۳۱۷۴، ابن ماجه رقم : ٢٧٧٦ ، ما بين المعقوفات زيادة من مسلم مسند الإمام أحمد، ٤٢٣/٦، جامع الأصول في أحاديث الرسول ، ٤٢٤/٦ - ٤٢٧ رقم : (٦٦٩٥)، كذلك الطبقات الكبرى ابن سعد ۳۱۸/۸، سير أعلام النبلاء، ٣١٦/٢۳۱۷ البداية والنهاية، ٣٣١/٦ ، ٢٩٠/٧ - ۲۹۱، الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، ۲۲۲/۸، حياة الصحابة، ٥٩٢/١ الأعلام، الزركلي، ۱۷۲/۲ .

الرابط المختصر :