; الأميري.. صوت الشعر الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الأميري.. صوت الشعر الإسلامي

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1976

مشاهدات 90

نشر في العدد 295

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 13-أبريل-1976

في مهرجان ابن زيدون

كثرت في أيامنا هذه إقامة المهرجانات الأدبية، وانتشر عدواها من قطر لقطر بحيث أصبحنا نسمع في كل عام عن مهرجان يقام وعن ندوات تعقد إحياءً لذكرى أديب مضى على وفاته ألف عام أو مضى على ميلاده مثلها، فأقيمت مهرجانات ألفية لأبي تمام والمتنبي وابن رشيق وابن زيدون.

وتتعدد الأهداف من إقامة هذه المهرجانات، فلا نكاد نرى واحدًا منها أقيم خالصًا لتكريم كاتب أو شاعر، ولكننا نحس ونشعر بالأهداف السياسية والفكرية والدعائية من ورائها جميعًا.

وبرع اليساريون في استغلال مثل هذه المهرجانات، فهم يندسون إليها تحت كل شعار، ويحتالون لدخولها بكل الوسائل، يساعدهم على ذلك قوى كبيرة تدعمهم.

ومداهنة من الدول المحتفلة خوفًا من أقلامهم وألسنتهم وإرضاء لأسيادهم وتقربًا إليهم. 

ولا نكاد نرى في هذه المهرجانات شعراء إسلاميين، ولا نكاد نسمع بأصواتهم ترتفع من فوق منابرها، وذلك بسبب العقبات الكؤود التي تضعها الدول أمام كل صوت يدعو إلى الإسلام ويتكلم باسمه، ونحن لا نخلي كتاب المسلمين وشعراءهم من مسؤولية غيابهم عن هذه المهرجانات، فهم قلما بذلوا من المحاولات التي تجعلنا نعذرهم، ولو أنهم فعلوا وعلت أصواتهم خارج المهرجانات احتجاجًا وانتقادًا لسمح لهم أو لبعضهم في الاشتراك بها لأن أكثر ما تخافه أنظمة اليـوم الهشة أصوات الاحتجاج والانتقاد. 

المهرجان فرصة لدعاة الإسلام ليعلنوا رأيهم ويثبتوا وجودهم وينادوا بوجهة نظرهم ويدعوا إليها ويؤكدوا ذواتهم في خضم الدعوات المشرقة تارة والمغربة أخرى. 

ومن المهرجانات النادرة التي ارتفع فيها صوت الإسلام ورايته المهرجان الألفي للشاعر الأندلسي ابن زيدون، وقد كان الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري صوت الحق المدوي الذي سمعه الملايين يشد المحتفلين إلى معاني الإسلام وقيمه بينما كانوا لا يسمعون من الآخرين إلا أصوات التمجيد الرخيص ودعاوى الأفكار المنحرفة. 

والقارئ لأمسية الأميري في المهرجان الكبير لا يسعه إلا أن يكبر هذا الموقف الرائع وأن يردد مع الشاعر أبياته الرائعة في معالجته لشؤون المسلمين وفي تصويره لماضيهم وحاضرهم وفي توقعاته للمستقبل المرجو. 

وبينما كان الشعراء يتبارون في إظهار الجانب الضعيف في ابن زيدون في حبه «لولادة» ويدخلون من هذا الثقب إلى ما يريدون من أهداف كان الأميري يشد المستمعين إلى الجوانب الإيجابية والمشرفة في حياة هذا الشاعر الكبير، فلم تكن حياة ابن زيدون كلها حب ولادة، ولكنه كان سياسيًّا وسفيرًا وعالمًا، وهذه الجوانب هي الجديرة بأن تدرس في حياة الشاعر، وهي الجديرة بأن تكون السبب في إحياء ذكراه، وما أحراها أن تكون دافعًا للشعراء لأن يحتذوها ويترسموا خطاه فيها:

 

يا بن زيدون ما الذي نفض الألف
قبل ولادة الحبيبة! بل مجد
في السفارات كانت تسعى إلى الخير
تصلح الأمر في اجتهادك لله

 

 

وأحياك بيننا اليوم ذكرى
العلي والجهاد أولى وأحرى
تلم الشتات تبرم أصرًا
لدين الهدى ليشتد أزرًا

 

وعانى ابن زيدون مرارة الغربة- الحقيقية والمعنوية-، ويذكر هذا الجانب من حياة ابن زيدون الأميري بغربته وطنًا ودينًا، فيؤكد لنا أن هذه الغربة لا تمنع الداعية المسلم من المضي نحو هدفه الأسمى وطموحه بأن يرى الإسلام مهيمنًا مرة أخرى.

 ويوجه الأميري مواقفه الغزلية في شعره نحو حبه الأعظم لدعوته ولأتباعها المسلمين في كل مكان، فوطنه كل مكان ارتفع فيه الأذان، وقومه هم المسلمون من أي جنس ولون. 

تقول: أمن سوريا؟ قلت: بل
أنا مسلم وبلادي امتداد
وقومي، وأكرم بها عروة،

 

 

من المشرقين من المغربين
الأذان المجلجل في الخافقين
فكل مصل بتكبيرتين

 

ومن خلال مناجاته لابن زيدون يبث الأميري شكاته مما حل بالمسلمين من نكبات فكرية وسياسية، فانحرفت الأفكار وضاعت الأوطان، واستكان الحكام وذلوا، فأذلوا الشعوب وضيعوا البلاد، وهم في كل ما يفعلون لهم فلسفة عجيبة ملتوية ولديهم لكل حادث حديث ولكل خطأ تبرير ولكل معترض تدبير!

یا بن زیدوں والقرون توالت
الخلافات بالخلافة أودت
وادعوها قومية ثم نادوا
ساسة الحكم نابذوا شرعة الله
أسلموا لليهود مسجدنا الأقصى
أي ضير تضيع منا فلسطين

 

 

والدواهي وكلها دهياء
وأقسمنا وسادنا الدخلاء
بدعاوى قد عم منها البلاء
فحفت دیارنا البأساء
وكانت طريقهم صنعاء
ليبقى حكامنا الزعماء!

 

ويؤكد الأميري أن دورة الزمان قريبة، وأن الحضارة الغربية قد أصبحت نخرة وأذنت بأفول، وأصبح الإنسان فيها بهيمي النزعات، شرير الأهداف والغايات:

أيها الصحب إنها دورة الدهر
نخر الهيروين إنسان غرب العصر
هو طورًا تقنية تنطح النجم
والدني اليوم في رحى من شقاء

 

 

كفانا في تيهنا دورانا
نخرًا، فلم يعد إنسانا
وطورًا يقارب الحيوانا
ضل إنسانها وشذوهانا

 

فلا بد إذن من حضارة أخرى تقوم على أنقاض هذه الحضارة المنهارة، حضارة تسمو بالإنسان إلى المنزلة التي أرادها الله له، وليس من حضارة يمكن أن تنقذ الإنسانية من الوهدة التي تردت بها سوی الحضارة الإسلامية، فيسجل الأميري آماله في فجر إسلامي مرتقب يراه قريبًا. حيث تعود فلسطين وسبتة وقرطبة وكل الأجزاء المغتصبة، فهذا الأمل هدف نحيا له، ونربي عليه أبناءنا:

سنوالي جهادنا في فلسطين
ليس في سبتة الجزيرة والوادي
هز وجدا صداه قرطبة الزاهراء
فكأني أرى بجامعها المعمور
موعد مبرم إذا مات عنه

 

 

نقيم الأذان في أقصانا
ولكن في الخافقين أذانا
هزًّا، وحرك الأركانا
أن الصلاة قامت عيانا
شيخنا القرم فيه ينمو فتانا

 

بهذه الروح شارك الأميري في مهرجان ابن زيدون، ويمثل هذه الروح نتمنى أن نرى شعراء الإسلام يشاركون في كل المهرجانات والمناسبات.

أحمد لطفي عبد اللطيف

الرابط المختصر :