; الأمن والاستقرار.. هل هو داخلي أم خارجي؟ | مجلة المجتمع

العنوان الأمن والاستقرار.. هل هو داخلي أم خارجي؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995

مشاهدات 80

نشر في العدد 1136

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 31-يناير-1995

عقَدُ الأشخاص والأمم.. وعماية الداخل

قد تصاب الأشخاص والأمم بعقد غريبة تؤدي في النهاية إلى الهلاك النفسي والاجتماعي والشعبي؛ عرفت صنفًا من الناس يمتاز بالتعامل الجيد مع الناس، ويوصف بحسن اللياقة "الإتيكيت" مع الغير, ويعرف بدماثة الخلق، ورقة الشمائل مع الأجانب، فإذا دخل بيته انقلب جلفًا فظ الخلق، سيئ العشرة، شيطاني السيرة مع زوجته وبيته وأولاده، يعنف من غير سبب، ويسب من غير جريرة، ويضرب من غير ذنب، حتى تستغيث الأسرة ولا مغيث، وتستجير ولا مجير، وتتمنى من الكرب النازل والهم الحالي خروجه من المنزل، أو سفره بعيدًا عن البلدة، أو حتى مرضه، أو... أو...

فهل ترى أن هذا البيت يكون مستقرًّا، أو آمنًا، أو مترابطًا مضحيًا في سبيل العشرة الزوجية؟ وهل تقف معه هذه الزوجة على الأيام والنكبات في يوم من الأيام؟ وهل في هذا خير، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".

ورأيت صنفًا آخر من الناس ذاق والداه الفقيران مرارة الحرمان، وشظف العيش، فسهرا وقاما يواصلان الليل بالنهار في العمل الشاق، والجهد المضني ليوفرا له فرص التعليم، وحسن الملبس والمظهر، حتى تخرج وتقلد، وترقى، وتمنظر، ثم قلب لهم ظهر المجن، فكان كما قال القائل:

سبكناه ونحسبه لجينًا ** فأبدى الكير عن خبث الحديد

تنكر لوالديه، أنف من ذكر اسمهما، ولقائهما والانتساب إليهما، بل وتبرأ منهما، وقد بلغا من الكبر عتيًّا بعدما أعطياه زهرة الشباب، وعرق الجبين، وقد وهنت القوى، وحل الكلال، وارتعش الساعد، وضاقت ذات اليد. وقد وقعت حادثة مثل هذه زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء إليه عليه الصلاة والسلام ولد يشتكي أباه، فأحضر الرجل الواهن الفقير الصابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له: "إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه"، فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: "أخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك"، فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما زال الله -عز وجل- يزيدنا بك يقينًا، لقد قلت في نفسي شيئًا ما سمعته أذناي. فقال له: قل. اسمع قال: قلت:

غدوتك مولودًا ومُنْتك يافعًا ... تعلّ بما أجني عليك وتنهل

إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهرًا أتململ

كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل

فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل

فليتك إذ لم ترع حق أبوّتي ... فعلت كما الجار الملاصق يفعل

فأوليتني حق الجوار ولم تكن ... عليّ بمال دون مالك تبخل

قال: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: "أنت ومالك لأبيك". فهل يقوم على هؤلاء الحمقى الناكرين للجميل استقرار أو سعادة أو هدوء نفسي للأهل والمجتمع؟

ورأيت رجلًا رئيسًا لجامعة من الجامعات، كل همه البحث عن الزلات والعيوب، ومنع الخيرات والتعالي على العاملين وإرهابهم، واحتقار إخوانه وزملائه، فسارع الكثير إلى الزلفى وتقديم القرابين، وفروض الولاء، وراجت عنده صناعات النفاق، وثقافات الوشاية والنميمة، وامتلأ بلاطه بالمطبلين والمزمرين، ورفعت أعلام الجهالات، وراجت بضاعات الفساد، وكسدت أسواق العلم والمعرفة، وطمرت ينابيع البحث والإبداع، وساد اليأس والقنوط، ورحلت طيور السعد وقرت غربان الشؤم؛ فهل في هذا الجو الآسن وفي رحاب هذا الرئيس التائه المغرور تستطيع جامعة أن تنهض، وأستاذ أن ينبغ، وباحث أن يبدع، وطالب أن يستفيد، وأمة أن تجني حصادها العلمي والأكاديمي؟

ورأيت قادة لأمم قفزوا عليها من المجهول، وجاؤوها من ركام الخرائب، وكانوا حفاة عراة غرلًا، فقراء مالًا، مغمورين جاهًا، غير مؤهلين بشيء ولا لشيء، فأعطتهم أممهم كل شيء، وعبّوا من كل شيء حتى نهموا وسمنوا فتناسوا كل شيء وفعلوا الأفاعيل، فقلت سبحان الله:

أتذكر إذ لباسك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير

فسبحان الذي أعطاك ملكًا ... وعلمك الجلوس على السرير

رأيت جملة من القادة والعسكر ومن على آثارهم يهرعون، جاؤوا بدعوى تخليص أممهم من الكرب والبلاء والتخلف والفقر والاستعباد، فاستعصى عليهم ذلك، فشغلوا أنفسهم باختلاق الأراجيف، وضرب المصلحين، واتباع الأهواء:

الناطقون عن الضغينة والهوى ... الموِغري الهيجا على الحنفاء

من كل هدّام ويبني مجده ... بكرائم الأنقاض والأشلاء

ما حطموك وإنما بك حطموا ... من ذا يحطم رفرف الجوزاء

فهل ترى في هذا وهؤلاء وأولئك خيرًا، أو أملًا يرتجى من تلك الأصناف المصابة بعقد غريبة وأحوال عجيبة؟ وألا ترى معي أن الأشخاص والأمم التي تطلب الاستقرار والأمن من الخارج، وتعمى عن الداخل إنما تطلب المستحيل، وستحطم نفسها قبل أن يحطمها غيرها، وتحرق نفسها قبل أن يحرقها الأعداء والأزمان والحوادث، وتندم ولات ساعة مندم؟ وصدق الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (سورة الأنعام: 82)، فهل نعي ذلك ونفهم؟

نسأل الله ذلك.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 25

102

الثلاثاء 01-سبتمبر-1970

آلهَة الهَوىٰ

نشر في العدد 1700

98

السبت 06-مايو-2006

إلا رسول الله

نشر في العدد 297

88

الثلاثاء 27-أبريل-1976

حلاوة الإيمان (عدد 297)