; الأمن المائي العربي والدور "الإسرائيلي" | مجلة المجتمع

العنوان الأمن المائي العربي والدور "الإسرائيلي"

الكاتب أشرف سلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1990

مشاهدات 78

نشر في العدد 972

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-يونيو-1990

الهواء والماء، تلكما هما المادتان الأوليتان الأساسيتان للحياة، وبدونهما لا حياة، وإذا كان الهواء لا يثير حتى الآن مشاكل اقتصادية أو سياسية، فإن الماء على العكس من ذلك، إذ أصبح موضوع توترات وصراعات دولية وحتى حروب.

وفي الشرق الأوسط، تتشابك قضية المياه مع قضايا شائكة أخرى لتضاعف من المخاطر على المنطقة. لقد جاء في ملاحظة لمركز الدراسات الاستراتيجية الدولية بواشنطن ما يلي: «إن رهانات النفط يمكن أن تصبح بسرعة ثانوية إلى جانب رهانات الماء». ويلخص خبير مشكلة المياه بقوله: «إن آثار نقص يطول أمده في المياه يمكن أن تشمل تدهورًا في نوعية المياه، وانخفاضًا مثيرًا في مستويات المعيشة، وضياعًا للأمن الغذائي، وفواتير ضخمة للواردات الغذائية تؤدي إلى ديون أجنبية كاسحة وعدم استقرار سياسي».


المياه تقفز إلى واجهة الأحداث

ظاهرة الشكوى من قلة المياه الصالحة للاستهلاك الآدمي أو الري ظاهرة تكاد تكون عالمية، وليست مقصورة على بعض الدول الأفريقية أو العربية وحدها، مهما كانت أسبابها سواء كانت ندرة الأمطار وتوالي سنوات الجفاف نتيجة عوامل مناخية، أو بسبب تلوث مياه الأنهار والبحيرات، أو بسبب الزيادة الكبيرة في الاستهلاك أو الإسراف فيه، ولكنها في العالم العربي تأخذ منحى خطيرًا جدًا بسبب المناخ الحاد وانتشار الصحاري، واعتماد دول عربية لسد حاجتها من الماء اعتمادًا شبه كلي على أنهر لا تقع منابعها في أراضيها، يضاف إلى ذلك تدخل الكيان الصهيوني على محور المياه لتهديد الأمن المائي العربي كجزء من تهديدات الأمن القومي.

قفزت الأزمة المائية الصامتة إلى واجهة الأحداث عندما قطعت تركيا مياه الفرات عن سوريا والعراق مدة ثلاثين يومًا لتعبئة خزان سد أتاتورك الضخم في يناير الماضي، وبعدما تواترت الأخبار عن مشروع إثيوبيا لبناء ثلاثة سدود على النيل الأزرق بمعونة تقنية ومالية "إسرائيلية"، ومن شأن هذه الأحداث أن تزيد من مخاوف العرب من نقص آني وأكبر مستقبلي في كميات المياه التي يحتاجونها لسد الفجوة الزراعية باستصلاح الأراضي وزراعتها؛ توفيرًا للأموال الصعبة التي تذهب لاستيراد المواد الغذائية والتي تشكل عبئًا اقتصاديًا يثقل بمرور السنين.

إن الخبراء ينسبون الأزمة أساسًا إلى ضغوطات النمو السكاني في كل بلد، تلك الضغوطات التي تستنفد المزيد من الموارد المائية التي تمثلها بالخصوص أنهار كبرى تشق أكثر من دولة، ومشكلة الدول العربية ذات الكثافة السكانية أن أكبر الأنهار التي تشقها تنبع خارج أراضيها، وأن دولًا أخرى تتحكم فيها في ظل قوانين دولية متناقضة حيث تعترف من جهة بالسيادة المطلقة للدول بشأن المصادر التي تسيطر عليها وتدعو من جهة ثانية إلى اقتسام حقوق المياه طبقًا لتعداد السكان والأخذ بالاعتبار الحصة التاريخية «اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1972، وأحكام هلسنكي لعام 1966»، ومما يزيد هذه المشكلة المائية تعقيدًا تشابكها مع قضية الصراع العربي "الإسرائيلي" ومع قضايا حدودية وأمنية أخرى، وأرشيف الكيان الصهيوني المائي الذي يعود إلى الأربعينيات يكشف عن تطلعاتها للاستحواذ على مصادر المياه العربية، حيث إنها سطت على 85% من مياه نهر الأردن، وقد اقتضى ذلك إقامة قناة ري وتجفيف «بحيرة الحولة»، وبعد عدوان 1967 تحكمت بنهر بانياس، وهي حاليًا تواصل سرقة المياه اللبنانية بفعل احتلالها لما تسميه «الشريط الحدودي لأمتها»، وقد ذكرت جريدة الوفد الصادرة بتاريخ 17/1/1410 هـ أن الكيان الصهيوني بدأ في تنفيذ مشروع ضخم لسحب المياه الجوفية المخزونة في أرض سيناء والنقب بعد دراسة استمرت أربع سنوات لتقدير كميات المياه الجوفية في صحراء سيناء المصرية وفي صحراء النقب الفلسطينية عن طريق الاستشعار عن بعد بواسطة الأقمار الصناعية، وما يمكن سحبه منها والطرق المثلى لذلك، وقد قُدرت المياه المسحوبة حتى تاريخ الإعلان عن النبأ بحوالي 30 مليون متر مكعب، وقد قُدرت كميات المياه المخزونة في صحراء سيناء بأكثر من 200 مليار متر مكعب، وقد رصد الكيان الصهيوني مبلغًا كبيرًا لتنفيذ مخطط سحب المياه الجوفية من الصحراء المصرية لتأمين حاجة المستوطنات المطردة. وإن كانت الأطماع الصهيونية في المياه السطحية لنهر الأردن واليرموك والأنهار اللبنانية وفي المياه الجوفية في لبنان والجولان وصحراء سيناء ذات طابع اقتصادي، فإن اتجاه الأنظار "الإسرائيلية" إلى مياه النيل غرض سياسي بحت، حيث إنهم يهدفون إلى حصار العطش والتضييق الاقتصادي على كل من مصر والسودان، وذلك بالتسلل إلى منابع النيل الأزرق في إثيوبيا لبناء سدود على هذا النهر الذي يمثل منسوبه 85٪ من مياه النيل.


التآمر "الإسرائيلي" الإثيوبي

تحدثت تقارير صحفية عربية وعالمية عن مشاريع عملاقة لبناء ثلاثة سدود على النيل الأزرق في الأراضي الإثيوبية تعهد الصهاينة بتنفيذها بقصد التحكم في كميات المياه المتدفقة نحو السودان ومصر، وتحقق هذه المشاريع للصهاينة أهدافًا ثلاثة:

التمكين لموطئ قدم لهم في أفريقيا حيث يمكن أن تُنقل التجربة المتآمرة مع إثيوبيا إلى دول أفريقية أخرى، وثانيًا تهجير عدد آخر من يهود الفلاشا إلى فلسطين المحتلة، وثالثًا الضغط الاقتصادي والسياسي على مصر هبة النيل وعلى السودان الذي لا يزال يعاني من المتمردين في الجنوب بقيادة قرنق. وقد حذر الفريق عمر البشير رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني في السودان من خطة صهيونية إثيوبية تكمن في إقامة السدود على مجرى النيل الأزرق الرئيسي وروافده، ويأمل الفريق البشير أن تكون هنالك تحركات أكثر إيجابية وسريعة لمواجهة هذه الخطة الصهيونية الخطيرة. ويراقب المصريون التعاون الإثيوبي "الإسرائيلي" بحذر وقلق؛ لأن التحكم في مياه النيل في الأراضي الإثيوبية من قِبل الصهاينة ليس له معنى سوى تهديد مصر بالموت عطشًا وجوعًا. والنيل بالنسبة لمصر هو شريان الحياة الذي تشاركها فيه السودان وسبع دول أفريقية أخرى. وحصة مصر من مياه النيل بعد تنفيذ سد أسوان تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، ولكن هذه الكمية لا تفي بالحاجة في التسعينيات إذ تُقدر حاجيات المصريين من المياه بـ 64 مليار متر مكعب، وتسعى مصر جاهدة لتعويض العجز من المياه الجوفية التي أصبحت هي الأخرى معرضة للنهب والسرقة "الإسرائيلية"، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الاحتياجات عام 2000 إلى 2.4 مليار متر مكعب، فماذا سيكون موقف المصريين والسودانيين والعرب كلهم إذا ما استطاع الكيان الصهيوني أن يضع يده على مياه النيل عند بحيرة «تانا» الواقعة في الهضبة الإثيوبية؟

الأردن وسوريا كذلك متأذيان من السطو "الإسرائيلي" على المياه العربية، فالأردن لا يستطيع أن يستفيد أكثر مما هو عليه الآن من مياه نهر الأردن التي يشفطها الكيان الصهيوني من أعلى، كما لا يستطيع أن يستفيد من مياه نهر اليرموك مع سوريا بسبب التهديدات "الإسرائيلية" المعترضة على إقامة سد عربي على هذا النهر، وهذا يعني أن الأردن لن يستطيع سد الفجوة الغذائية عن طريق التوسع في الأراضي الزراعية التي تحتاج إلى الري.

وتجدر الملاحظة أن من أسباب إصرار الكيان الصهيوني على البقاء في الضفة الغربية إرادته التحكم في حوض نهر الأردن بكامله، بل إن النوايا التوسعية للكيان الصهيوني جعلته يتطلع إلى مياه عربية أخرى سواء في صحراء سيناء أو لبنان أو حتى في تركيا التي ينوي التزود منها بالماء، لا سيما بعد إقامتها لسدود ضخمة، ويُعتبر سد أتاتورك على نهر الفرات والذي سيتضرر منه سوريا والعراق جوهرة التاج فيها.


إنذار أتاتورك

خطط تركيا للاستفادة القصوى من مياه نهر الفرات في مشروع الري الواسع لمنطقة جنوب شرق الأناضول هي إنذار مدوٍ كان له صدى في سوريا والعراق اللذين يعتمدان على هذا النهر في مجالي الزراعة وتوليد الطاقة، فهاتان الدولتان العربيتان متعرضتان لنقص كبير في كميات مياه نهر الفرات بسبب بناء سد أتاتورك تاسع أكبر سد في العالم والذي يقع على بعد 60 كيلومترًا من الحدود السورية التركية، وقد كوَّن هذا السد الضخم ثالث أكبر بحيرة في العالم بعد بحيرتي فان وسالت، إذ تبلغ مساحتها 817 كيلومترًا مربعًا، وسوف تروي منطقة شاسعة تزيد مساحتها على مساحة ألمانيا الشرقية بالإضافة إلى توليد طاقة كهربائية تزيد على 2400 ميجاوات.

ومهما تكن دوافع إقامة هذا السد وأمثاله على نهر الفرات وخفض مياهه المتجهة نحو سوريا والعراق، فإن اتخاذ القرار التركي دون مشورة الدول التي تتقاسم حوض هذا النهر هو اتخاذ لقرار خطير جدًا. وإن خفض نصيب الدولتين العربيتين من مياه الفرات يمثل إنذارًا ببدء عصر جديد من التنافس والصراع على المياه وحتى الحرب من أجلها. ويرى الجغرافي توم ناف من جامعة بنسلفانيا أن سد أتاتورك سيحرم سوريا من 40% من مياه نهر الفرات وسيحرم العراق ما بين 80-90٪ من مياهه، ولا بد أن نفكر في النتائج المأساوية لهذا الحرمان إذا قُدر له أن يقع.

إن تزايد احتياجات الدول العربية والشرق أوسطية عمومًا إلى الماء قد ولَّدت تنافسًا وتوترات من أجل اقتسام الموارد المائية المتاحة، وقد حذر الخبراء من أن تفاقم مشكلة المياه قد تؤدي إلى حرب مياه حقيقية، لا سيما وأننا نجد أن الكيان الصهيوني يكاد يكون طرفًا في كل مشاكل المياه العربية، فهو طرف مع الأردن وسوريا ولبنان، وهو طرف مع مصر في صحراء سيناء وإثيوبيا، بل هو طرف أيضًا مع تركيا؛ لأنه في النهاية سيحصل على نصيب من مياه الفرات حسب اتفاقيات بينه وبين تركيا مما سيؤثر حتمًا على حصص العراق وسوريا من مياه ذلك النهر. وهذا كله لا بد أن ننتبه للأخطار المحدقة بأمننا المائي وأن نستعد لمجابهتها من الآن بالدراسات التفصيلية المستفيضة لمواردنا المائية وحاجياتنا وطرق تلبيتها، وبتعاون إقليمي مع الجيران يكفل حقوق الجميع ويبعد الأصابع الصهيونية الخبيثة عن منابع ومحابس المياه العربية، ذلك أن المياه في العقود القادمة في المنطقة ستكون في أهميتها وقيمتها بمثابة نفط السبعينيات. ومهما تكن مشكلة الأمن المائي العربي، فإنه يبقى ضمن الأمن القومي ككل يحكمه توازن القوى أكثر من أي شيء آخر.

 

 

الرابط المختصر :