; الأمن القومي والاستراتيجية العسكرية في الدولة الصهيونية | مجلة المجتمع

العنوان الأمن القومي والاستراتيجية العسكرية في الدولة الصهيونية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998

مشاهدات 55

نشر في العدد 1320

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-أكتوبر-1998

الأمن القومي هو مجموعة مبادئ تسير عليها دولة من الدول، لتضمن من خلال أعمالها الحد الأدنى من الوجود الذاتي، ويعتبر الأمن القومي الأساس الذي تبنى عليه خطط الدفاع والوقاية من الأخطار التي تهدد وجود الدولة، سواء أكانت الأخطار داخلية أم خارجية، وعلى هذا، يترتب اختلاف بين استراتيجيات التعامل مع الأخطار الخارجية واستراتيجيات التعامل مع الداخل.

يعاني المجتمع الإسرائيلي من عقدة مهمة في شخصيته، هي عقدة الأمن، وهي ناجمة عن الشعور بأن الوجود «اليهودي» في أرض فلسطين، وجود اصطناعي غير طبيعي، أتى على حساب إنكار وجود أناس آخرين هم أصحاب الأرض الحقيقيين، ولم تفلح المناهج التعليمية الإسرائيلية، والمفاهيم المنتشرة فيها عن الشتات اليهودي والتجمع وأرض الرب والميعاد، لم تنجح هذه المفاهيم كلها في إعطاء المشروعية الكافية للاحتلال الصهيوني، وبخاصة مع تصاعد أحداث المقاومة التي نبهت حتى سكان إسرائيل أنفسهم، الذين كادوا ينسون أصولهم نبهتهم إلى هذه الحقيقة: وجودهم الدخيل المصنوع وغير الطبيعي، ومن ثم نمت هذه العقدة لديهم، وأثارت حولها مجموعة من العقد الأمنية، وعقدة الحاجة إلى تأمين وجودهم أولًا، وحياتهم ثانيًا، ومتطلبات حياتهم ثالثًا.

 كما وجدت لدي الكيان الصهيوني، بعض عناصر الانكشاف الأمني التي زكت هذه العقدة وأئمتها هذه العناصر هي:

1- صغر مساحة الأراضي التي بلغت في ١٩٤٩م، حوالي ١٢ ألف كيلو مترًا مربعًا، وعلى الرغم من زيادة هذه الأرض من خلال التوسع إلا أن هذا التوسع أيضًا لا يسمح في أبعاده بالتحرك الاستراتيجي.

2- طبيعة حدود كيان العدو، فهو محاصر بدول الطوق على شكل كماشة، مما أدى إلى اعتماد استراتيجية تعبوية وتكريس الاعتماد الأساسي على قوة دولية خارجية.

٣- حجم السكان، وهو بالغ القلة، مع أنه يأخذ شكلًا تصاعديًا، إلا أنه لا يمكن أن يوازن حجم القوة السكانية العربية.

 وقد أثرت هذه الاعتبارات بالطبع على كيان العدو، ودفعته لتبني استراتيجيات أمنية مختلفة، والاعتماد على استراتيجية أمنية عسكرية متميزة تجاه الخارج، لكنها على تميزها، تعبر عن الذعر، كما تعبر عن قصور الموارد.

كانت مرحلة ما قبل التسوية، مرحلة قلقة بالنسبة لكيان العدو، حيث شهدت فيها هذه الدولة المحتلة سلسلة من الحروب: ١٩٤٨م، ١٩٥٦م،١٩٦٧م، ۱۹۷۳م، وكانت خلاصتها، أن حمل الفكر الأمني الإسرائيلي إرثًا من المفاهيم الأمنية لإدارة صراع الاحتلال خلاصته ربط نظرية الأمن بالقوة المسلحة أولًا لضمان الوجود والبقاء ثم وزارة الخارجية ثانيًا، حيث العلاقة مع الحليف الاستراتيجي -الولايات المتحدة- بالغة الأهمية، ومن هنا ارتبطت الاستراتيجية العسكرية بعدة سمات تمثلت فيما يلي:

1- الاعتماد على الكيف والتفوق النوعي: فكيان العدو لا يستطيع التفوق على العرب كميًا مهما حدث، وبسبب الفارق الهائل بين الموارد البشرية على الأقل بين دول الطرق وحدها، وبين كيان العدو، ومن هذا اعتمدت على أسلحة متقدمة، فضلًا عن أسلحة الدمار الشامل

2- التعبئة الكاملة: حيث إن القوة البشرية الإسرائيلية ضعيفة مقارنة باحتياجات الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة الاحتياطي إلى مجموع السكان، وهو ما يعنى تعبئة أغلب السكان حال الحرب. 

3- إيجاد مناطق دفاع استيطانية: فالدولة الصهيونية المحتلة تعاني من قصور في عمقها الاستراتيجي، ومن هنا تعمل على تكوين مستوطنات ذات وظيفة دفاعية عن الخطوط التي تعمل بها.

4- أهمية وحدات الاستخبارات والقوات الجوية والبحرية: فهذه القوات هي التي تحتاجها إسرائيل حال تهديد أمنها على نحو عاجل، حيث تقوم الاستخبارات بجمع الاحتياطي، وتقوم القوات الجوية بتغطية انتشاره وتعويق التقدم العسكري للخصم، وتقوم القوات البحرية بالدفاع عن الساحل الإسرائيلي الذي قد يكشف العمق.

5- مرونة تنفيذ الاستراتيجية العسكرية، ومنح قادة الوحدات المقاتلة زمام المبادرة لتجنب إضاعة الفرص العسكرية. 

وهذه الاستراتيجية اعتمدت على مجموعة من المبادئ الأساسية أهمها:

1- المبادأة بالهجوم: لأنها لا تتحمل أي هزية، ومن ثم فهي التي تبدأ الحرب التي قد تكون شاملة، أو محدودة، أو وقائية، أو خاطفة. 

2- نقل الحرب إلى أرض العدو: فالعمق الاستراتيجي لدولة الاحتلال ضحل جدًا، ولهذا نصحها خبراء الحرب الأوروبيين بنقل أي حرب بينها وبين جيرانها إلى أرض الخصوم.

3- التوسع والاحتلال: فالعمق الاستراتيجي الضحل لا علاج له من دون توسع واحتلال مزيد من الأراضي، وهو ما تتبعه منذ ١٩٤٨م وحتى ۱۹۸۲م، ومن الطبيعي أن تتأثر هذه المبادئ بأي إجراء على طريق تسوية الصراع، وهنا يلزم أن نتعرض لاحتمالات التغير والاستمرار في أطروحة الأمن القومي.

مرحلة التسوية: الأمن القومي بين الاستمرار والتغير:

يوجد إجماع داخل الكيان الصهيوني بخصوص الأمن، لذا ليس غريبًا وجود ظاهرة «عسكرة المجتمع» وإيجاد قوة عسكرية ونووية تفوق القوة العربية، كما يتم العمل على تفتيت القوة العربية وتهميشها، وأهمها القوة المصرية.

 ويلاحظ أن الحمائم والصقور في كيان العدو، تتفق على المسلمات والغاية من الأمن، ويكون الاختلاف في الأولويات والأساليب وأهم المسلمات المتفق عليها بينهم:

1- عدم تحمل الحرب والاستنفار المتواصلين: والذي يؤدي لتكلفة عالية تؤثر على القيم النفسية، وبخاصة في عدم إمكانية الحرب الخاطفة.

٢- التفوق النوعي والكمي والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والعمل على تصدر نظام إقليمي أمني.

 ٣- وضع خطوط حمراء للتسوية، منها أن القدس عاصمة أبدية، وبقاء المستوطنات وعمق العلاقات مع الولايات المتحدة.

التغيرات المختلفة التي أثرت على النظرية:

بعد حرب ۱۹۷۳م حدثت تغيرات مختلفة، أثرت على النظرية الأمنية لكيان العدو، كان بعضها عالميًا والآخر عربيًا، وبعضها الآخر يختص به كيان العدو ذاته:

أ- التغيرات العالمية:

فقد اختفت الدولة السوفييتية، مما يعني غياب دور إسرائيلي كراس حرية في الصراع العالمي، ولكن خفف من ذلك عاملان:

۱- اعتبار حلف الناتو أن الأصولية الإسلامية العدو الرئيس للغرب.

٢- سعي الولايات المتحدة الدائم لإقامة علاقات تكاملية مع الكيان الصهيوني على اعتبار أنها حليف استراتيجي لها في المنطقة منذ منتصف الثمانينيات بعد أن كانت مجرد دولة وكيل تمثل المصالح الأمريكية في المنطقة. فلقد أبرزت التغيرات الاتجاه العالمي إلى التكتلات الاقتصادية وأهمية التطور التكنولوجي، بغض النظر عن الاتجاهات السياسية، ولأن المنطقة العربية الإسلامية غنية بمواردها ومتميزة بموقعها، لذا تسعى الولايات المتحدة لعقد تسوية بين الدول العربية والكيان الصهيوني، حتى تضمن مصالحها في المنطقة، وبقاء هذا الكيان ذاته.

ب- التغيرات العربية:

أتت حرب ۱۹۷۳م على كثير من نظريات إسرائيل الأمنية، إلا أنه قد حدثت تغيرات كثيرة على الجانب العربي منذ حرب ۱۹۷۳م كرست تفوق إسرائيل أهمها:

1-تراجع القوى العربية عن الخيار المسلح لهزيمة إسرائيل بإقامة سلام منفرد مع مصر أولًا، وإيجاد نوع من التحالف المصري- الأمريكي، مما يعني تحييد أكبر القوى العربية.

2- تزايد الانقسامات العربية ومناواة العرب بعضهم البعض، وانقسامهم في التوجه الخارجي.

3- حرب الخليج، وتغير مفهوم «العدو» في النظام الأمني العربي، مما ساعد في زيادة التفكك العربي- العربي، وقد أثرت هذه التغيرات في جعل الولايات المتحدة تتحرك بنفسها لحماية مصالحها في المنطقة، مما أدى إلى تقليص الخيارات السياسية أمام إسرائيل، وعدم إمكانية قيام إسرائيل الكبرى لأن فرض السيطرة الإسرائيلية على المنطقة يحتاج إلى تكلفة سياسية ومالية أمريكية، فضلًا عن العداء العربي.

جـ- التغيرات الداخلية وأهمها:

1- الخلل الديموجرافي: حيث لم يُجْد استقدام المهاجرين الروس والإثيوبيين، فمازالت الدولة الإسرائيلية تعاني من خلل ديموجرافي، ورغم أنها دولة تعلن دائمًا أنها موطن لكل اليهود، إلا أنها لا تضم سوى ربع أو ثلث يهود العالم، بينهم اختلاف في الانتماء الإثني والحضاري والمذهبي.

۲- وجود حاجة اقتصادية: ترتبط بالحاجة إلى التحرر من الاعتماد على المساعدات والمنح الغربية، وخلق ديناميكية اقتصادية لتقليص الارتباط بالحليف الأمريكي، ولن يتحقق ذلك إلا عبر إقرار المشروع التجريبي، الذي بدأ في مدريد، واست نتائجه من تخفيف المقاطعة وارتفاع معدل النمو الاقتصادي، وفتح مكاتب التمثيل التجاري في بعض البلدان العربية.

٣- تأثير الانتفاضة: وقد أثرت على نظرية الأمن لأنها طرحت إمكانية قيام حرب طويلة على الأرض التي يفترض ألا شعب لها ولا تاريخ ويتم النظر إلى الانتفاضة على أنها حرب عصابات تريد فك المستوطنات.

 وهددت الانتفاضة أيضًا البعد الوظيفي للأمن الإسرائيلي، حيث فقد الجيش هيبته، وعدم قدرته على خوض حرب طويلة، وبدت للعالم حقيقة وجود الفلسطينيين واستيائهم من الحكم الإسرائيلي وأدت الانتفاضة إلى مقولتين يتعلقان بالأرض هما: إن الانتفاضة خطر لا بد من احتوائه، وإن المشكلة لا يمكن إرجاؤها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

192

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل ينبغي فنَاء إسَرائيل؟!

نشر في العدد 17

134

الثلاثاء 07-يوليو-1970

اليهود في روسيا