العنوان الأمم المتحدة والتغريب والانحلال القسري
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 79
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 28-مايو-1996
ليس قولي بأن الأمم المتحدة فقدت مصداقيتها بالشيء الجديد الذي لم أسبق إليه. بل أصبح ذلك شيئًا يشبه الإجماع، وأمرًا يرقى إلى درجة البديهيات، وحديثي عن تدجين المؤسسة الدولية وتطويعها لخدمة أهداف استعمارية بحتة، وتنفيذ رغبات دولية معينة ليس بدعًا أو استنتاجًا فرديًا، وإنما أصبح ذلك تيارًا عالميًّا، وحديثًا جماهيريًّا يلفت الأنظار ويدعو إلى التأمل والتحليل واستعمال الأقوياء للأمم المتحدة واستغلالهم لها في تحقيق أغراضهم شيء يدعو إلى الغرابة، ويساعد على الغليان، واستخدامها كأداة لتحقيق المطامع وقهر الشعوب وهضم الحقوق وقتل الحريات ونهب الثروات في الأمم الضعيفة والمتخلفة شيء يدعو إلى الرثاء، ويبعث على الألم والحزن، إذ كانت تطمح تلك الشعوب البائسة في النصرة والعدالة والنصفة، ولكنها أصبحت مثل المستجير بعمرو عن كربته.
كالمستجير من الرمضاء بالنار وازدادت الدول القوية بهذه المنظمة قوة على قوتها، وضراوة على وحشيتها، وعسفًا على ظلمها، واتخذت منها ستارًا لخداع الضحايا ودخانًا للانقضاض على الفرائس، وأصبح مجلس الأمن بمنظماته المختلفة يمارس النفاق السياسي والدبلوماسي والإعلامي على كل جهة، والختل والغش على كل صعيد، وأصيبت الشعوب في مقتل ومن مأمنه يؤتى الحذر ولم يكف الأقوياء استغلال المنظمة الدولية في الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، حتى أقدمت على الاستغلال الجماعي والحضاري والخلقي، ولم يريدوا للأمم الضعيفة أن ينكفئوا حتى على أنفسهم، وينطووا على تراثهم عنه علهم يجدون فيه السلوى أو يشعروا معه بالراحة والأمن النفسي بل طاردوهم حتى في هذا، حاصروهم في توجهاتهم وعاداتهم وأديانهم ومقدساتهم وأرادوا أن يفرضوا. وهواياتهم عليهم حتى ميولهم الشخصية، وتوجههم النفسي وحبهم القلبي، وهذا نوع من الاستعباد لا يطاق، ولا يحتمل، فالأمم الضعيفة المستسلمة لأقدارها، لا تعطى اهتمامًا كبيرًا للاستغلال الاقتصادي ولاتفاقية الجات، لتحرير التجارة أو السيطرة على مجلس الأمن والإجهاض السياسي لها، ولا تفاعليات القمع الدولي ضدها، وهضم حقوقها، ولكنها تلفظ بشدة تشريعات وأراء وأفكارًا تراها تخالف معتقداتها، وتخرج زوجة الرجل عن طاعته أو تهدد شرفه وعرض ابنته واستقرار أسرته، فطريقة الإملاء والإخضاع قد تنجح إلى حين في تدجين السلوك السياسي والاقتصادي والعسكري للنخب الحاكمة، أما في المجال الثقافي والاجتماعي فإنها تولد ردة وعصيانًا وتمردات شعبية معاكسة، وهذا ما يلاحظه المراقب في الأمة الإسلامية، وحتى في القائمين على أمر الكنيسة، وإن كان ثم من تأثير يراد فإنه لا يتم قسرًا وقهرًا من الأقوياء للضعفاء لأن ذلك سيؤدي إلى عواقب وخيمة، وربما أدى إلى صدام وقلاقل في الأمم التي تعتز بمقوماتها واستعمال الأمم المتحدة هذه الأيام في هدر القيم، وإشاعة الفاحشة والجنس شيء فاجع ومدمر والعبثية المنطلقة ممن يطلقون على أنفسهم تحررين وهم عملاء أو أدوات الفكر مشبوه على أحسن الظنون تدعو إلى الاشمئزاز والقرف أما استعلاء الغرب ومحاولته فرض ثقافته وإباحيته بالقوة رغم أنه يلح بها صباح مساء في إعلامه، ويمليها علينا إملاء في التعليم، وفي القوانين، وفي إعلامنا المطبع المهذب فشيء يدعو إلى الدهشة، إننا نعرف ويعرف الغربيون أنفسهم أن قيمهم هذه والتي يريدون فرضها بالقوة هي أمراض حضارية تنخر في جسد الأمم الغربية رغم ما توصلت إليه من تقدم صناعي وتكنولوجي هائل، فلماذا تفرض إذن على الأمم الضعيفة التي مازالت بعيدة عن هذه الميكروبات الضارة إن صيحات المحللين الغربيين تتنادي كل يوم لدره هذا الخطر المحدق بهم لهذا التسيب والانحلال في خطاب المستشار للأمن القومي الأمريكي الأسبق بريجنسكي، في كتابه (Out of Control)، عندما قال: المجتمع الذي يسمح فيه بكل شيء، ويمكن الحصول فيه على أي شيء هو مجتمع انحط مستواه الأخلاقي، وانصب جهد الإنسان فيه على تلبية رغباته، وإرضاء شهواته كما كتب المؤرخ الأمريكي المشهور أرثر شليزنجر في كتابه الولايات المتحدة الأمريكية، الذي تناول فيه فشل التجربة الأمريكية في صهر العناصر الثقافية المتعددة ثم تحد بالقيم الغربية، وكما تحدث قبله الباحث المعروف الدكتور الكسيس كاريل، في كتابه القيم الإنسان ذلك المجهول حيث ضمنه شهادة ضد الحضارة المادية القائمة لقتلها أهم خصائص الإنسان، وأطلق صيحات الخطر المدوية لينيه الغافلين أو المستهترين لخطر الاعتداء على القوانين الطبيعية للإنسان، وفي هذا يقول: إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ إنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم الجامحة، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة لنا بالنسبة لحجمنا وشكلنا.
ثم قال: يجب أن يكون الإنسان مقياسًا لكل شيء، لكن الواقع هو عكس ذلك، فهو غريب في العالم الذي ابتدعه إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة عملية بطبيعته ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية، فالبيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقومنا، ولا بالنسبة لهيئتنا إننا قوم تعساء ننحط أخلاقيًا وعقليًا إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هي على وجه الدقة الجماعات والأمم الأخذة في الضعف والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها ولكنها لا تدرك ذلك. وقد كتب في ذلك الرئيس ولسن، قبل وفاته قائلًا: إن اختصار مسألتنا الحضارية ما يلي: إن حضارتنا لا تستطيع الاستمرار في البقاء من الناحية المادية إلا إذا استردت روحانيتها فهل يا ترى ستفرض علينا الأمم المتحدة في مؤتمراتها المتعددة والمسماة تارة بمؤتمر البيئة وتارة أخرى مؤتمر السكان وأخرى بمؤتمر المرأة وثالثة بمؤتمر المدن في تركيا اليوم إلى أن تبيح الجنس والشذوذ وتفكك الأسرة، ونسمح بزواج الرجل للرجل والمرأة للمرأة وبأن تطلق الجنس وتباركه لبناتنا وأولادنا ونسائنا، وتتنازل عن شخصيتنا وهويتنا وعقيدتنا، وإيماننا ومنهجنا لرغبة غربية مشبوهة ضد الإنسانية فنتدمر كما تدمروا أخلاقيًا، ونفقد مقوماتنا التي تعلق عليها آمالنا لحفظ رجولتنا، وقوتنا الفاعلة حتى نتمكن من النهوض والمنافسة والريادة فهل تعرف تلك وتعقله، ونحن نرى هذه الهجمة القسرية علينا وهل نستطيع رؤية النار قبل اشتعالها، أم نظل نغط في نوم عميق؟
أرى بين الرماد وميض نار *** فيوشك أن يكون لها ضرام
القول من التعجب ليت شعري *** أأيقاظ أمية أم نیام؟
فإن كانوا لحينهم نيامًا *** فقل قوموا فقد حان القيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل