; الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر.. والقسمة الأوروبية- الإفريقية لم تسمع! | مجلة المجتمع

العنوان الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر.. والقسمة الأوروبية- الإفريقية لم تسمع!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000

مشاهدات 52

نشر في العدد 1395

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 11-أبريل-2000

شبح الموت جوعا يخيم على القرن الإفريقي خلال شهرين!

بينما كانت القمة الأوروبية- الإفريقية تبدأ فاعلياتها الاثنين ٣ أبريل الجاري.. كانت ردود فعل التقرير الذي حذرت فيه الأمم المتحدة من أن هناك ١٦ مليون في القارة السمراء يتهددهم الموت جوعًا وجفافًا.. ولاشك أن القادة الأوروبيين أن من علم بهذا التحذير من المنظمة الدولية مع ذلك انعقدت القمة وانفضت دون أن يقدم أهل الشمال الأوروبي شيئًا ملموسًا للحيلولة دون الكارثة القادمة، فقد شدهم الاهتمام بالإرهاب والألغام الأرضية عن تلك الملايين التي سقطت على الأرض إعياء في انتظار لحظة الموت!.

فقد حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من ١٦ مليون شخص يتهددهم الموت بسبب الجفاف الذي يضرب شمال شرقي إفريقيا للعام الرابع على التوالي، ويعتبر هذا الرقم في غاية الخطورة إذا ما علمنا أن أكبر كارثة سجلت هناك كانت قبل خمسة عامًا حيث أدت المجاعة حينها إلى وفاة عشر حوالي مليون شخص.

وأعلنت كارولين ماكاسكي نائبة منسق أعمال الإغاثة التابعة للأمم المتحدة أن إثيوبيا التي كانت الأكثر تضررًا في عام ١٩٨٥م من المجاعة والجفاف، هي اليوم مرة أخرى الأكثر تعرضًا لخطر المجاعة من بين دول إقليم شرق إفريقيا بسبب ندرة الأمطار جلبتها أريتريا.

وأشارت المسؤولة الدولية إلى أن هناك ست دول أخرى في منطقة القرن الإفريقي قد فقدت- أو أوشكت على فقدان- مخزونها الغذائي هي الأخرى بسبب الجفاف والحروب وعدم الاستقرار الذي تسببه موجات اللاجئين، وهذه الدول هي: أريتريا والصومال والسودان وكينيا وأوغندا وجيبوتي.

ودفع هذا الوضع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى الطلب من رئيسة برنامج الغذاء العالمي كاثرين بيرتيني للتوجه إلى المنطقة في منتصف أبريل الحالي للوقوف على حقيقة الوضع هناك، وللفت اهتمام الرأي العام إلى حجم الكارثة التي تتهدد منطقة القرن الإفريقي إضافة إلى تقديم العون المطلوب.

وتقدر الأمم المتحدة حاجة أكثر من ١٢.٤ مليون جائع في الدول الست المذكورة بحوالي ۳۷۱ ألف طن من المواد الغذائية وغيرها من الحاجات الأساسية التي تكلف ۲۰٥ ملايين دولار، لكن مسؤولين في المنظمة الدولية يعتقدون أن أزمة الجوع وخطر الموت ربما يطول حوالي ١٦ مليون نسمة بما في ذلك بعض التجمعات السكانية في تنزانيا ورواندا وبوروندي ويقدرون حاجتهم إلى ٩٤٠ ألف طن من المساعدات الغذائية، ودعوا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتجنب كارثة وشيكة.

وتقول ماكاسكي إن إثيوبيا التي تعاني الوضع الأسوأ والأكثر كارثية ربما تكون بحاجة إلى ۸۰% من حجم هذه المساعدات الغذائية، وقد أصدرت الأمم المتحدة نداء خاصًا لتقديم مساعدات غذائية بقيمة ۱۹۰ مليون دولار لإثيوبيا وحدها علمًا، بأنه لم يجمع سوى نصف هذا المبلغ. لكن ما كاسكي قالت إن المجتمع الدولي لم يستجب لنداء آخر من الأمم المتحدة لمساعدة أريتريا، وطالبت بإمدادات غذائية طويلة المدى خلال الشهور القليلة القادمة خصوصًا أن احتمالات سقوط الأمطار في شهري مايو ويونيو القادمين «الموسم الطبيعي للأمطار في المنطقة» غير مؤكدة، مما سيضاعف من حجم كارثة الجفاف ومن ثم يؤدي إلى زيادة حالات الجوع والمرض بين سكان دول شمال شرق إفريقيا.

وتواجه فرق الإغاثة العاملة في المنطقة أخطار متعددة بسبب القتال الناشب هناك حيث يصعب الوصول إلى المناطق المتضررة مثلما هو الحال في جنوب السودان ومناطق القتال الحدودية بين إثيوبيا وأريتريا، وقد أوقفت الأمم المتحدة الشهر الماضي عمليات الإغاثة التي كانت تقوم بها في جنوب الصومال بعد أن أطلق مسلحون النار على إحدى طائراتها.

وفقًا لأرقام الأمم المتحدة هناك ١٧ مليون طفل يموتون في العالم كل عام بسبب الجوع وسوء التغذية، وفي شرق إفريقيا بلغ معدل الوفيات ۱۰۸ لكل ألف شخص في العام، وهو الأعلى في العالم مقارنة مع ٥١ شخصًا في أمريكا الجنوبية وسبعة أشخاص فقط في شمال أوروبا.

وتعتبر الحروب القبلية والإقليمية من العوامل المسببة لأزمة المجاعة في شرق القارة السوداء. وفي أمثلة كثيرة كان القتال بين القبائل المحلية يدفع كل قبيلة إلى إحراق المحاصيل الزراعية للقبيلة الأخرى، كما أن زيادة السكان بشكل مفرط كما هو الحال في إفريقيا من الأسباب المهمة المجاعة، خصوصًا إذا لم يقابلها أي زيادة في الإنتاج الغذائي أو في حال تراجع إنتاج الغذاء فيها. لكن ندرة الأمطار وانعدامها تظل السبب الرئيس للأزمة الغذائية في القرن الإفريقي، حيث يؤدي الجفاف إلى تدمير التربة وجعلها غير صالحة للزراعة، ومقابل شح الأمطار، تؤدي الفياضانات في المناطق الأخرى إلى تدمير المساحات المزروعة وبالتالي القضاء على الإنتاج الغذائي في المناطق المنكوبة.

الوضع في إقليم أوجادين على وجه الخصوص والذي يطالب بالاستقلال عن إثيوبيا في غاية الخطورة حيث لم تسقط الأمطار فيه منذ أربع سنوات، وتقول مصادر برنامج الغذاء العالمي إن أكثر من ١.٣ مليون شخص يتهددهم الموت في أوجادين بسبب الجوع وأنهم بحاجة عاجلة إلى طعام، وإضافة إلى تلاشي المخزون الغذائي فإن حوالي ٩٠٪ من الماشية قد نفقت بسبب ندرة المياه في أوجادين، فحتى الإبل التي تتمتع بقدرة عالية على الصمود في وجه العطش لم تعد تقوى على المشي وتنتظر الموت العاجل على حد وصف شهود عيان، وهذا يعطي مؤشراً حقيقيًا على أن الناس سيلقون المصير نفسه قريبًا إذا لم تنجح جهود المنظمات الدولية في تقديم العون المطلوب بالسرعة الممكنة.

ويصف محمد أوغاس من جمعية أو جادين الخيرية الوضع في وحول مدينة جودي في الإقليم بأنه متساوي حيث الحيوانات النافقة مكدسة في كل مكان، ويضيف بأن هناك خمس مقابر جديدة حول المدينة ثلاث منها مخصصة لدفن الأطفال الذين هم أكثر الضحايا الآدميين وأسرعهم موتًا.

وعلى الرغم من وصول فرق الإغاثة إلى المنطقة، إلا أن المجتمع الدولي والحكومة الإثيوبية على حد سواء يواجهان انتقادا واسعًا بسبب عدم كفاية المساعدات وتأخرها في آن واحد، إلا أن المنظمات الإنسانية غير الحكومية تبرر غيابها عن المنطقة بالقتال الذي يدور بين القبائل المحلية، والذي يحول دون وصول فرق الإغاثة إلى هناك.

ومن ناحيته اشتكى رئيس الوزراء الإثيوبي مپلیس زيناوي من أن المساعدات الدولية التي تستهدف حوالي ثمانية ملايين شخص يتهددهم الموت جوعًا في بلاده تصل ولكن ببطه شدید، وأعرب عن خشيته من تكرار الكارثة التي ضربت إثيوبيا في منتصف الثمانينيات، ومعروف عن إثيوبيا أنها تقع في دائرة حزام الجفاف والجوع على الرغم من تصريحات بعض مسؤوليها بان المجاعة أصبحت شيئًا من الماضي!

ووفقًا لمسؤولين حكوميين إثيوبيين فإن الجفاف في مناطق معينة والأمطار الغزيرة أو الفيضانات في مناطق أخرى إضافة إلى بعض الحشرات الضارة التي تؤثر على المحاصيل الزراعية ستدفع أكثر من ثمانية ملايين إثيوبي إلى الاعتماد على المساعدات الغذائية هذا العام يأتي ذلك على الرغم من أن إثيوبيا (حوالي ٦٠ مليون نسمة) أصبحت في أعلى قائمة الدول المنتجة للغذاء داخل الهيئة الحكومية الدولية للتنمية المعروفة ب«إيجاد» والتي تضم إثيوبيا، وإريتريا، وأوغندا، والصومال، والسودان، وجيبوتي، وكينيا- وتفسير ذلك أن الجفاف أصاب مناطق معينة من إثيوبيا وليس كلها، وهي المناطق الشرقية والشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية أي المناطق المحاذية لكل من الصومال وجيبوتي وأريتريا.

ولا تزيد المساحة المزروعة في إثيوبيا على ١١% من مساحة البلد الكلية، وتعتبر التعرية من أهم العوامل التي أسهمت في العجز الغذائي في إثيوبيا خلال العقدين الماضيين حيث وصل معدل التعرية وانجراف التربة إلى ١.٥ بليون طن من الأتربة كل عام.

وتوقع التقرير أن يفاقم الدخل المتدني جدًا للفرد في إثيوبيا من مشكلة المجاعة وسوء التغذية. فهناك ٤% من سكان الريف بحاجة إلى مساعدات غذائية، كما أن أكثر من ٤٠% من سكان الريف (٢٦ مليون نسمة)، لا ينتجون غذاء ولا يملكون دخلًا كافيًا لتوفير الغذاء لأنفسهم.

ويعتزم برنامج الغذاء العالي توزيع أكثر من ٣٧١ ألف طن من المواد الغذائية هذا العام على حوالي سنة ملايين شخص في المنطقة وبكلفة ٢.٥ ملايين دولار أما الولايات المتحدة فتعهدت بإرسال ٤٠٠ ألف طن من المساعدات الغذائية إلى إثيوبيا، بينما وافقت اليابان على التبرع بأكثر من سبعة ملايين دولار لشراء أسمدة كيماوية وآلات زراعية أما الدول المانحة الأخرى وخصوصًا دول الاتحاد الأوروبي فلم تقدم شيئًا حتى الآن حسب تصريح رئيس الوزراء الإثيوبي.

ويعزو مراقبون تباطؤ الدول المانحة في الاستجابة للنداء الإثيوبي بتقديم مساعدات لضحايا الجوع والجفاف بسبب المخاوف من أن تتحول المساعدات الغذائية إلى دعم الجهود الإثيوبية في حربها ضد أريتريا! لكن رئيس الحكومة الإثيوبية أعلن أن بلاده قدمت ضمانات للدول المانحة بعدم حدوث ذلك، وتقول الأمم المتحدة إن السبب الرئيس للمجاعة وأزمة الغذاء في المنطقة هو الجفاف، إلا أن النزاعات العسكرية وانعدام الأمن فيها أسهمت في تفاقم الأزمة.

ويسبب المساعدات التي قدمها برنامج الغذاء العالمي، وفق تقارير البرنامج نفسه، فقد استقر توزيع المواد الغذائية في المناطق المنكوبة حيث قدم البرنامج خلال الشهور الأخيرة الماضية مساعدات غذائية لحوالي ١.٥ مليون نسمة في الصومال.

أما في أوغندا فقد أعلن برنامج الغذاء العالمي الشهر الماضي أنه بصدد إنفاق ٥٠ مليون دولار خلال العامين القادمين على شكل مساعدات غذائية المئات الآلاف من المواطنين الذي يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة ومعظم هؤلاء من ضحايا أعمال العنف والتمرد التي تسود شمال أوغندا بعد أن أجبروا على ترك منازلهم والعيش في مخيمات بائسة ومما زاد من مصيبة هؤلاء النازحين قيام الجماعات المتمردة بالهجوم المتكرر عليهم حتى في مخيماتهم، وخلال شهر مارس الماضي هاجم المتمردون عمال الإغاثة المكلفين بتقديم مساعدات غذائية للمخيمات الطارئة وقتل في الهجوم ١٢ شخصًا واصيب ٤٠ أخرون بجروح إضافة إلى حرق ٤٠٠ منزل وتسويتها بالأرض.

الجوع يلف أجزاء كبيرة من القارة الإفريقية حيث يموت الملايين جوعًا أو مرضًا معظمهم من الأطفال على الرغم من التعهدات الدولية بحماية الأطفال على وجه الخصوص، ففي عام ١٩٧٤م تعهد قادة العالم في مؤتمر الغذاء العالمي، بأن «لا يجوع طفل في العالم خلال عشر سنوات»، وللتدليل على عدم جدية المجتمع الدولي في الوفاء بتعهداته في هذا الصدد يكفي الإشارة إلى أن أكبر كارثة غذائية أصابت إفريقيا كانت بعد عشر سنوات على ذلك المؤتمر حين قضى جوعًا أكثر من مليون إنسان غالبيتهم من الأطفال!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8