; الأمريكيون يناقشون مسألة الاعتماد على النفط المستورد | مجلة المجتمع

العنوان الأمريكيون يناقشون مسألة الاعتماد على النفط المستورد

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1996

مشاهدات 95

نشر في العدد 1188

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 13-فبراير-1996

تحليل سياسي

فيما يجري تذكر حظر النفط العربي في السبعينيات

أكثر من نصف استهلاك أمريكا من النفط قادم من الخليج

واشنطن: 

كشفت الإحصاءات الأخيرة أن الولايات المتحدة تستورد الآن كميات من النفط أكثر من أي وقت مضى؛ إذ إن نحو ٥١,٥% من استهلاكها من النفط في شهر يوليو تموز الماضي كان مستورداً من الخارج، الأمر الذي دفع السياسيين والمنتجين المحليين إلى أن يثيروا مجددا المخاوف والأخطار على أمن الطاقة، في الولايات المتحدة من نتائج حظر نفطي قد تتعرض له واردات النفط الأمريكية من الشرق الأوسط شبيهة بما حدث عام ۱۹۷۳م، فذكريات الطوابير الطويلة المتعرجة في ذلك العام أمام محطات الوقود ليس من السهل محوها من أذهان الأمريكيين.

وطبقاً لتقرير صادر عن المجلس القومي للبترول، فإن الحظر النفطي الذي فرضته الدول العربية عام ۱۹۷۳م، والحظر الذي فرضه الرئيس الأسبق جيمي كارتر على واردات الولايات المتحدة من النفط الإيراني عام ۱۹۷۹م، قد تسبب في خفض الناتج القومي العام الأمريكي بنسبة تتراوح بين ٢,٥ – 3.5 بالمائة. وأضاف 3 بالمائة إلى معدل التضخم، وقد كلف الحظر النفطي في السبعينيات الولايات المتحدة ما قيمته ١,٥ تريلون دولار في وقت كان اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد أقل بكثير مما هو حاصل الآن.

غير أن الخبير النفطي إيد كرابلز، الذي يدير شركة تحليلات أمن الطاقة بواشنطن يقول: "إن اصطلاح أمن الطاقة استخدم لإثارة كل شيء حتى اسم هذه الشركة، ولكن اليوم فإن المستوى المرتفع من الواردات النفطية لم يعد يشكل مشكلة أمنية .... وأعتقد أنه لا يتعين علينا أن نقلق بهذا الشأن".

أما الباحث في معهد ماسوشوستس للتكنولوجيا مايكل لينتش فيقول: «إن الأعداء القدامى هم الآن رهائن بصورة متبادلة، وفي إشارة إلى أن العالم قد تغير الآن بعد عقدين من الزمن، حيث التجارة الحرة والاعتماد التجاري المتبادل، مما جعل المصدرين الكبار للنفط يحتاجون إلى مستهلكين كبار للنفط بنفس القدر الذي يحتاج به المستهلكون إليهم أيضا، وقلة من المحللين يرون احتمال تغير هذه المعادلة قريبًا» .

ورغم مشاعر التفاؤل إلا أن صحيفة اقتصادية أمريكية مرموقة مثل: وول ستريت جورنال تقول إن استيراد كمية كبيرة من النفط يحمل في طياته بالفعل بعض الأخطار، وهذا القول لا يجعل المسؤولين الأمريكيين يبتهجون، فقد وصف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مؤخرًا واردات النفط التي تتنبأ وزارة الطاقة الأمريكية بأنها قد تتجاوز 70 بالمائة من الاستهلاك في مطلع القرن المقبل - وصفها بأنها: "تشكل تهديدًا لأمن الشعب"، وقبل نحو ثلاثة أشهر فقط أبلغ محافظ البنك المركزي الأمريكي الان غرينسبان إحدى لجان الكونجرس أن العجز الضخم في تجارة النفط" يتجه نحو تساؤلات حول أمن مصادر ثرواتنا النفطية، وحذر من أن المسألة برمتها أخذت على ما يبدو تبرز من جديد".

والولايات المتحدة ليست وحدها التي تواجه هذا القلق، فاليابان التي تستورد تقريبا كل احتياجاتها النفطية من الخارج قد اشتركت طيلة سنوات في صناعاتها النفطية على أمل أن تعكس هذا الاتجاه رغم أنها لم تحقق إلا القليل في هذا المجال، والفرنسيون بالمثل انهمكوا في سياسة غير ناجحة، وهي تقوم على أساس شعار الإنتاج من أرضك.

وكما هو الحال في طوكيو وباريس، فإن الكثير من التركيز في واشنطن هذه الأيام ينصب على الأثر الاقتصادي، فإلى جانب السيارات والإلكترونيات الاستهلاكية، يعتبر النفط أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع العجز التجاري بهذا القدر، فقد أنفقت الولايات المتحدة ٥٠,٨ مليار دولار على النفط الخام الأجنبي والمنتجات البترولية في العام الماضي، وإن استمرار العجز التجاري يمكن أن يقوض استقرار الدولار.

ويقول بيل وايت - النائب السابق لوزيرة الطاقة الأمريكية - إن الأهم من ذلك هو أن استمرار رغبة الولايات المتحدة في شراء هذه الكميات الكبيرة من النفط من البلدان الأخرى، إنما يشير إلى فقدان التأثير الجغرافي : السياسي للولايات المتحدة، ويخشى وايت أيضاً أنه إذا ما ارتفعت الأسعار كثيراً، فإن الصناعة المحلية يمكن أن تضعف للدرجة التي لا تستطيع معها تعويض الزيادة والمساعدة في إعادة التوازن للهبوط الاقتصادي الذي سيقلق المستهلكين..

لا توجد ضمانات

وفي السنوات العشر الماضية تضررت صناعة النفط الأمريكية، فقد هبط إنتاج النفط الخام الأمريكي من أكثر من 10 مليون برميل في أوائل عام ١٩٨٦م، إلى نحو ٦,٥ مليون برميل يوميا، وأفلست مئات الشركات وتم الاستغناء عن نحو ٤٠٠ ألف عامل وموظف في قطاعات اقتصادية تتصل بالنفط، وقال وايت: "إن على جميع الأمريكيين أن يقلقوا لذلك"..

وعلاوة على ذلك لا توجد هناك ضمانات بأن الأمر لا يتطلب استخدام القوة العسكرية الأمريكية للإبقاء على تدفق النفط من الخليج العربي؛ حيث يوجد ٦٦ بالمائة من احتياطيات العالم المؤكدة من النفط.

إن الذين يقرعون نفس هذه الطبول - وهو أمر لا يدعو إلى الدهشة - هم منتجو النفط المحليون الأمريكيون الذين يعتقدون بأن إنتاجهم يمكن أن يزداد إذا خلق الكونجرس دوافع للضرائب ولتشجيع التنقيب، وفتح منطقة ألاسكا للتنمية، ويقول الخبير النفطي لو باورز: "إن أمريكا ستواجه ذروة المتاعب بسبب الواردات النفطية".

أما جين أميز وهو صاحب شركة استكشاف نفطية في سان فرانسيسكو فيقول: "إن الأمريكيين لا يعترفون بالأخطار، فبعد أن تكون نسبة اعتمادنا على النفط المستورد 70 بالمائة والإشراف على نفطنا هو حقًا في أيد أجنبية، فما هو السعر الذي سندفعه إذن، ويجيب أميز إن السعر يمكن أن يخترق السقف، ويمكن أن يؤدي إلى إفلاس الولايات المتحدة".

إلا أن عددًا متزايدًا من المحللين والاقتصاديين يقولون: "إن مثل هذا الحديث مبالغ فيه"، وهم يقولون: "إن الولايات المتحدة قبل كل شيء تزود بالنفط من ٥٧ بلداً أجنبيًا، ولا تعتمد على جهة منفردة بأكثر من ١٦ بالمائة من وارداتها النفطية"، ويقول فيل فيرليغر من مستشاري شركات تشارلز ريفر وشركاه إنه من الصعب جدًّا لأي بلد منفرد، أو أية مجموعة صغيرة من الدول أن تدعم أسعاراً مرتفعة بصورة غير عادية..

وحتى وايت فإنه يعترف أن فكرة وأمن الطاقة، تغيرت بصورة كبيرة في العقد الماضي. وبخاصة بالنسبة لمستهلكي الوقود، ويقول: "إن الاعتقاد بأن هذه العبارة ستؤدي إلى قيام طوابير للناس من أجل الحصول على البنزين هو انطباع خاطئ.

وربما كان التغير الأكثر إثارة في سوق النقط الدولي هو ظهور أسواق مستقبلية أكثر تعقيدا للنفط الخام، ففي الوقت الذي قد يسهم المضاربون الذين يقايضون النفط ببضائع أخرى في إحداث تقلب قصير المدى في الأسعار إلا أن الخبراء يعتقدون أن ميل أسواق النفط المستقبلية، لنشر الخطر يساعد في تقليل إمكانية حدوث ارتفاع حاد في الأسعار يمكن - المحافظة عليه لفترة طويلة.

من جهة أخرى فإن النفط اليوم كما يقول آدم سيمنسكي محلل الطاقة في مؤسسة - ناتویست سيكيوريتيز هو مجرد سلعة أخرى..

وليس شيئا أكثر خطورة، فيما يقول المحلل لينتش إنه على الرغم من أن سعر النفط سيرتفع بالتأكيد في بعض المناسبات في المستقبل، كما هو سعر عصير البرتقال واللحوم، إلا أنه من غير المحتمل أن يرى المرء نوعا من أزمة طاقة طويلة المدى بأكثر مما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات أو عشرين سنة. وحتى لو أدى نشوب حرب أو هجوم إرهابي أو كارثة طبيعية إلى ارتفاع مثير في الأسعار فليس من الواضح - كما يقول لينتش. أن تستطيع أية سياسة معينة منع هذا الارتفاع أو تعديله على أية حال.

 إن البرنامج الأمريكي الوحيد الذي يقدم بالفعل بعض الضمان هو الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، فقد استخدم لإرسال إمدادات إضافية إلى مصافي التكرير الأمريكية مرة واحدة فقط بعد أن أدى احتلال العراق للكويت إلى إزالة أربعة ملايين برميل يوميا في  الصادرات من سوق النفط العالمي، وحتى عند ذلك، فإن المسؤولين الأمريكيين ناقشوا الحكمة من ضرورة التعامل مع الأسواق وتساءلوا إن كان ثمة أية فائدة من استخدام الاحتياطي.

وفي كل الأحوال فإن النظر إلى وجود الاحتياطي على نطاق واسع هو عامل تهدئة، وقال إم أدلمان إن الاحتياطي يمتص بعض الخوف من ارتفاع أسعار النفط، كما أن الاحتياطي يمكن أن يبدو بأنه عالم جديد من النفط، بالنسبة لأولئك الذين تشدهم روابط الماضي القوية.

ويعرب عضو مجلس الشيوخ الأمريكي كين بنتسين عن ولاية تكساس عن قلق كبير من أن النفط الخام الأجنبي سيضعف قوة صناعة النفط المحلية إلى الدرجة التي لا تستطيع معها استعادة قوتها إذا نشبت أزمة، ويبدو أن بنتسين يؤيد ضرورة اتخاذ إجراء حكومي إذا وصلت الواردات النفطية نسبة خمسين بالمائة، وهو يعتبر هذه النسبة "نقطة الخطر".

ولكن هل تستحق المسألة أن تقدم الحكومة الأمريكية حماية خاصة لصناعة النفط المحلية. وهل هذه مسألة ملحة؟ يقول بنتسين إنه لا يؤيد تبني سياسة نفطية باهظة التكاليف، ويبدو من هذا الجواب أنه لا يدرك أنه لا بُدَّ من عمل الكثير لإحياء عملية الاستكشاف والإنتاج في الولايات المتحدة؛ حيث تكاليف الحفر تعادل عشرة أضعاف ما هي عليه في الخليج العربي، كما يبدو أن السيناتور بنتسين يعارض فرض رسوم على الواردات النفطية، والتي رفضها الكونجرس والبيت الأبيض مرارا، وهو يقول إنها غير عادلة و مصطنعة، ويضيف أنه في هذه المرحلة على الأقل فإن النفط المستورد يشكل حاليا قلقا فيما يتعلق بالعجز في الميزان التجاري ولا يشكل أي قلق بالنسبة لمستهلكي النفط .

الرابط المختصر :